إن العناية بالشيء، وكثرة الحرص عليه، وتكثيف الجهد في الاهتمام به ومراقبته؛ تأتي من النظر في أسبابٍ أدّت إلى ذلك، منها: أهمية ذلك الشيء وأثره في غيره.
ولاشك أن قلب الإنسان له أهمية كبيرة بالنسبة للبدن والروح، وله أثر كبير في حياتهما أو موتهما، وصحتهما أو مرضهما.
ولهذا نجد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أولياْ القلب عناية كبيرة:
ففي القرآن نجد أن الله تعالى ذكر أن القلوب هي محل كل خير وشر قبل أن يصدّر ذلك منها إلى الجوارح قولًا وفعلًا، فإما أن يكون فيها خير وإما أن يكون فيها شر، وللخير في القلوب أمثلة بيّنها القرآن وللشر أمثلة كذلك.
القلب في القرآن الكريم:
من تصفح القرآن الكريم فسيجده تحدث عن القلب بإسهاب؛ فقد ذكر أن القلوب:
=محل الإيمان والكفر والنفاق: قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦]، وقال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩].
=محل اللين والقسوة: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
[ ١٦٧ ]
=محل الثبات والرعب: قال تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤]، وقال: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢].
=محل السكينة والطمأنينة: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤].
=محل الجحود والقَبول: قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢]، وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
= محل الفظاظة والرحمة: قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
= محل التحويل والتبديل من خير إلى شر ومن شر إلى خير: قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤].
=محل الغفلة والسلامة: قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨]، ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩].
= محل الحفظ والوعي والفهم والنظر والعقل والاتعاظ: قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
=محل الطهارة والمرض: قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ
[ ١٦٨ ]
مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].
= محل التسليم والصبر والرد والجزع: قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].
= محل الختم والطبع والران: قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦]، وقال: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
= محل الفعل والقول الحقيقيين: قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ لَكُمْ﴾ [الفتح: ١١].
= محل الخشوع والإخبات والوجل: قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، وقال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢].
= محل الرأفة والرحمة: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧].
= محل تحسين الإيمان والامتحان للتقوى: قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣].
= محل الصدق والوفاء والإيمان: قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٨].
= محل التدبر: قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
[ ١٦٩ ]
= محل الرجاء والخوف: قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧].
=محل الإباء والموافقة على الحقيقة: قال تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨].
=محل الائتلاف والفرقة: قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].
=محل التمحيص والاختبار لصدق الأعمال من كذبها: قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
=محل الهداية والزيغ: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨].
=محل القصد والفعل: قال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
القلب في السنة النبوية الشريفة:
وأما في سنة رسول الله ﷺ فنجد أن رسول الله ﷺ أخبر أن القلب:
=محل التقوى: قال ﵊: (التقوى هاهنا) (^١). ويشير إلى صدره ثلاث مرات.
قال ابن رجب: " الأصل في التَّقوى والفجور هو القلبُ، فإذا برَّ القلبُ واتَّقى برَّت الجوارحُ، وإذا فجر القلب، فجرت الجوارحُ" (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ١٩٨٦).
(٢) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢٦/ ٢٣).
[ ١٧٠ ]
=محل الصلاح والفساد: قال رسول الله ﷺ: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) (^١).
قال ابن رجب: "فعلم بذلك أنَّه لا صلاحَ للعالَم العلويِ والسُّفليّ معًا حتى تكونَ حركاتُ أهلها كلُّها لله، وحركاتُ الجسدِ تابعةً لحركةِ القلب وإرادته، فإنْ كانت حركتُه وإرادتُه لله وحدَه، فقد صَلَحَ وصَلَحَتْ حركاتُ الجسدِ كلِّه، وإنْ كانت حركةُ القلب وإراداته لغيرِ الله تعالى فسدَ، وفسدت حركاتُ الجسد بحسب فسادِ حركة القلب" (^٢).
=محل استقامة الإيمان: قال رسول الله ﷺ: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) (^٣).
قال ابن رجب: "فأصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصِّديق وغيرُه قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ بأنَّهم لم يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلبُ على معرفةِ الله، وعلى خشيته، وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكُّلِ عليه، والإعراض عما سواه؛ استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعته؛ فإنَّ القلبَ هو ملكُ الأعضاء، وهي جنودهُ، فإذا استقامَ الملك استقامت جنودُه ورعاياه" (^٤).
=محل التمييز بين البر والإثم: قال ﷺ: (البر ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك) (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٢٨)، ومسلم (٣/ ١٢١٩).
(٢) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٨/ ٢٦).
(٣) رواه أحمد (٢٠/ ٣٤٣)، وهو حسن.
(٤) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢٣/ ٩).
(٥) رواه أحمد (٢٩/ ٥٢٨)، وهو حسن.
[ ١٧١ ]
وهذا التمييز إنما يكون عند الموصوفين بطهارة القلوب ونور الإيمان، أما القلوب التي غُذيت بالحرام وغشيتها ظلماتُ الذنوب وضعف الإيمان؛ فإنها لن تستطيع التمييز وهي في تلك الظلمات المتكاثفة.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكر" (^١).
=محل عرض الفتن، فإما أن يقبلها وإما أن يردها: قال رسول الله ﷺ: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا (^٢) فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا (^٣) كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا (^٤) لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) (^٥).
=محل نظر الله تعالى من العبد: قال رسول الله ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) (^٦).
=سريع التقلب: قال ﵊: (لقلبُ ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا اجتمعت غليانًا) (^٧).
ولهذا كان أكثر دعاء رسول الله بتثبيت القلب، فعن أم سلمة ﵂ قالت:
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٢٠).
(٢) هو الحجر الأملس الذى لا يعلق به شيء. شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٢).
(٣) أي: صار كلون الرماد من الربدة (لون بين السواد والغبرة). مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للقاري (١٥/ ٣٣٣).
(٤) منكوسا. شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٣).
(٥) رواه مسلم (١/ ١٢٨).
(٦) رواه مسلم (٤/ ١٩٨٦).
(٧) رواه أحمد (٣٩/ ٢٣٩)، والحاكم (٢/ ٣١٧)، وهو صحيح.
[ ١٧٢ ]
كان أكثر دعائه: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك)، قالت: قلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك؟! قال: (يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ) (^١).
فلما كان القلب بهذه المكانة العليا، وهذا المحل الرفيع، تعيّن على العبد العناية به والحرص على إصلاحه وحياته، والحذر من فساده وتسلط الأمراض عليه.
قال ابن القيم: "ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود الذي تصدر كلها عن أمره-، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله … فهو ملكها وهي المنفذة لما يأمرها به، القابلة لما يأتيها من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته، وهو المسئول عنها كلها؛ لأن كل راع مسئول عن رعيته-؛ كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون، والنظر في أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون، ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه أجلب عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزين له من الأحوال والأعمال ما يصده به عن الطريق، وأمده من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى، والتعرض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إليه، وإقباله عليه في حركاته وسكناته، والتحقق بذلِّ العبودية الذي هو أولى ما تلبس به الإنسان؛ ليحصل له الدخول ضمان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] " (^٢).
_________________
(١) رواه الترمذي (٥/ ٥٣٨)، وهو صحيح.
(٢) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٥).
[ ١٧٣ ]
أمراض القلب:
إن كثيرًا من الناس يحرصون حرصًا شديدًا على سلامة قلوبهم من الأمراض الحسية، وقلّ من ينتبه منهم إلى أمراض القلب المعنوية، وأمراض القلب المعنوية أخطر من أمراضه الحسية؛ فإن المرض المعنوي إذا لم يداوَ فقد يؤدي إلى مرض الروح وموتها، فإن مات الجسد على ذلك فإلى النار يكون المصير. وأما الأمراض الحسية فإنها قد تعتري الإنسان وقد لا تؤدي إلى الموت الحسي، فإن أدت إليه وكان الإنسان المصاب بها مؤمنًا صابرًا فإلى الجنة مآله وعلى الله ثوابه.
إن الأمراض التي تصيب القلب أمراض كثيرة؛ فمنها: الكفر والنفاق والرياء والعجب والقسوة والشكوك والشهوات والشبهات والجهل والحزن والغم والهم والحسد والغيظ والحقد، وغير ذلك.
وقد لا يشعر الإنسان بشدة مرضه ببعض هذه الأمراض، ولكن هناك علامات يدرك بها المرء مرضه، فمن" علامات أمراض القلوب: عدولها عن الأغذية النافعة الموافقة لها إلى الأغذية الضارة، وعدولها عن دوائها النافع إلى دائها الضار. فهنا أربعة أمور: غذاء نافع، ودواء شافٍ، وغذاء ضار، ودواء مهلك. فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي، والقلب المريض بضد ذلك. وأنفع الأغذية غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القرآن، وكل منهما فيه الغذاء والدواء" (^١).
وهذه الأمراض لا تعالج في مشفى أو عيادة أو لدى طبيبِ بدن، ولكنها تعالج بالوحي، فالذي خلق القلب وجعله ملك الجسد هو الذي يداويه، "فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه الله فهمًا في كتابه" (^٢). فمثلًا سورة الفاتحة تسمى الشافية، ومن أشفيتها: اشتمالها على
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٧٠).
(٢) زاد المعاد، لابن القيم (٤/ ٣٢٢).
[ ١٧٤ ]
شفاء القلوب؛ " فإنها اشتملت عليه أتم اشتمال؛ فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم، وفساد القصد، ويترتب عليهما داءان قاتلان وهما: الضلال والغضب؛ فالضلال نتيجة فساد العلم، والغضب نتيجة فساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها، فهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال؛ ولذلك كان سؤال هذه الهداية أفرضَ دعاءٍ على كل عبد وأوجبه عليه كل يوم وليلة في كل صلاة؛ لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه … (^١).
وتفصيل علاج تلك الأمراض أن منها علاجًا شرعيًا وعلاجًا طبيعيًا، قال ابن القيم: "مرض القلب نوعان: نوع لا يتألم به صاحبه في الحال .. كمرض الجهل ومرض الشبهات والشكوك ومرض الشهوات، وهذا النوع هو أعظم النوعين ألمًا، ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم، ولأن سكرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم، وإلا فألمه حاضر فيه حاصل له، وهو متوارٍ عنه باشتغاله بضده، وهذا أخطر المرضين وأصعبهما، وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم، فهم أطباء هذا المرض.
والنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال؛ كالهمِّ والغم والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية؛ كإزالة أسبابه أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب وما يدفع موجبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن ويشقى بما يشقى به البدن فكذلك البدن يتألم كثيرًا بما يتألم به القلب ويشقيه ما يشقيه.
وأمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن، وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت، وأما أمراضه التي لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء؛ ولهذا يقال: شفى غيظه فإذا استولى عليه
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٥٢).
[ ١٧٥ ]
عدوه آلمه ذلك، فإذا انتصف منه اشتفى قلبه، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤، ١٥]. فأمر بقتال عدوهم وأعلمهم أن فيه ست فوائد. فالغيظ يؤلم القلب ودواؤه في شفاء غيظه؛ فإن شفاه بحق اشتفى وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضًا من حيث ظن أنه يشفيه .. وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب وشفاؤها بأضدادها: من الفرح والسرور؛ فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر ولم يزل وأعقب أمراضًا هي أصعب وأخطر. وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب، فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضًا إلى مرضه، لكن اشتغل القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه بسبب جهله بالعلوم النافعة التي هي شرط في صحته وبرئه قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الذين أفتوا بالجهل فهلك المستفتي بفتواهم: (قتلوه، قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العِيِّ السؤال). فجعل الجهل مرضًا وشفاءه سؤال أهل العلم، وكذلك الشاك في الشيء المرتاب فيه يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين، ولما كان ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين: ثلج صدره، وحصل له برد اليقين، وهو كذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق رشده وينشرح بالهدى والعلم قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية، ومنها مالا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية، والقلب له حياة وموت ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن" (^١).
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ١٨).
[ ١٧٦ ]
حياة القلب وصحته:
إن القلب يوصف بالحياة والموت، والصحة والمرض؛ فهناك قلب حي وقلب صحيح، وهناك قلب ميت وقلب مريض، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠]، وقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وبحياة القلب وموته يكون الخير والشر من الإنسان؛ فإن" حياة القلب وإضاءته مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر فيه" (^١). فـ" إذا قوي نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه، فاستبان حسنَ الحسن بنوره وآثره بحياته، وكذلك قبح القبيح، وقد ذكر ﷾ هذين الأصلين في مواضع من كتابه فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. فجمع بين الروح الذي يحصل به الحياة والنور الذي يحصل به الإضاءة والإشراق، وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله ﵌ متضمن للأمرين؛ فهو روح تحيا به القلوب ونور تستضيء وتشرق به، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] " (^٢).
قال ابن القيم: "والمقصود: أن صلاح القلب وسعادته وفلاحه موقوف على هذين الأصلين [كمال حياته ونوره] قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠]، فأخبر أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حي القلب،
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٢٣).
(٢) المصدر السابق (١/ ٢١).
[ ١٧٧ ]
كما قال في موضع آخر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]. فأخبر ﷾ أن حياتنا إنما هي باستجابتنا لما يدعونا إليه الله والرسول من العلم والإيمان فعلم أن موت القلب وهلاكه بفقد ذلك" (^١).
ولهذا فإن حياة القلب هي الطريق إلى الوصول إلى الله تعالى، والتنعم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فمن كان أتم حياة في قلبه كان أتم حياة في دنياه وآخرته. قال يحيى بن معاذ: "مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب"، وقال أيضًا: "يا ابن آدم، لا يزال دينك متمزقا، ما دام القلب بحب الدنيا متعلقا" وقال كذلك: "ما ركن إلى الدنيا أحد إلا لزمه عيب القلوب، ولا مكن الدنيا من نفسه أحد إلا وقع في بحر الذنوب" (^٢).
وقال ابن الجوزي: " واعلم أن الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه ليست مما يقطع بالأقدام، إنما يقطع بالقلوب، والشهواتُ العاجلة قطّاع الطريق، والسبيل كالليل المدلهم، غير أن عين الموفَّق بصر فرس؛ لأنه يرى في الظلمة كما يرى في الضوء" (^٣).
إن حياة القلب لا تكون إلا بتجليته من ظلمات الشهوات والشبهات، وتحليته بحلية التقوى والعلم وإدراك الحق وحبِّه، فـ" حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركًا للحق مريدًا له مؤثرًا له على غيره. ولما كان في القلب قوتان: قوة العلم والتمييز، وقوة الإرادة والحب كان كماله وصلاحه باستعمال هاتين القوتين فيما ينفعه ويعود عليه بصلاحه وسعادته، فكماله باستعمال قوة العلم في إدراك الحق ومعرفته والتمييز بينه وبين الباطل، وباستعمال قوة الإرادة والمحبة في طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل، فمن لم يعرف
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) حلية الأولياء، لأبي نعيم (١٠/ ٥٢).
(٣) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٢٧٣).
[ ١٧٨ ]
الحق فهو ضال، ومن عرفه وآثر غيره عليه فهو مغضوب عليه، ومن عرفه واتبعه فهو منعم عليه" (^١).
والإنسان إذا لم يعتنِ بحياة قلبه بل ضيعه في لجج الأهواء وشهوات الدنيا، وصرف وقته فيما لا يعود على قلبه بالحياة؛ فقد خسر خسرانًا مبينًا، فأعظم الإضاعات" إضاعة القلب، وإضاعة الوقت؛ فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع الهدى والاستعداد للقاء" (^٢).
"قال العارفون: ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره" (^٣).
وقال ابن القيم: "القلب الحي هو الذي يعرف الحق ويقبله ويحبه ويؤثره على غيره، فإذا مات القلب لم يبق فيه إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل، ولا إرادة للحق وكراهة للباطل، بمنزلة الجسد الميت الذي لا يحس بلذة الطعام والشراب وألم فقدهما" (^٤).
وقال-وهو يعدد علامات صحة القلب وحياته: " أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة، ويحل فيها، حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها، جاء إلى هذه الدار غريبًا يأخذ منها حاجته ويعود إلى وطنه …
قال علي بن أبي طالب ﵁: إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل منهما بنون؛ فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل.
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٢٤).
(٢) شرح الحكم العطائية (ص: ٣٩).
(٣) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٥٢/ ٩).
(٤) شفاء العليل، لابن القيم (ص: ١٠٤).
[ ١٧٩ ]
وكلما صح القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة وقرب منها حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها حتى يصير من أهلها، ومن علامات صحة القلب: أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به، فبه يطمئن وإليه يسكن وإليه يأوي وبه يفرح وعليه يتوكل، وبه يثق وإياه يرجو وله يخاف، فذكره: قوته وغذاؤه، ومحبته والشوق إليه: حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه: دواؤه، فإذا حصل له ربه سكن إليه واطمأن به، وزال ذلك الاضطراب والقلق وانسدت تلك الفاقة؛ فإن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى الله تعالى أبدًا، وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده، فهو دائمًا يضرب على صاحبه حتى يسكن، ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذ يباشر روح الحياة ويذوق طعمها، ويصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذي له خلق الخلق … ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته ولا يأنس بغيره إلا بمن يدله عليه ويذكره به ويذاكره بهذا الأمر. ومن علامات صحته: أنه إذا فاته وِردُه وجد لفواته ألمًا أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده. ومن علامات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب. ومن علامات صحته: أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا واشتد عليه خروجه منها ووجد فيها راحته ونعيمه وقرت عينه وسرور قلبه. ومن علامات صحته: أن يكون همه واحدًا وأن يكون في الله. ومن علامات صحته: أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعًا من أشد الناس شحًا بماله. ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان ويشهد مع ذلك منّة الله عليه فيه وتقصيره في حق الله …
وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذي همه كله في الله وحبه كله له وقصده له وبدنه
[ ١٨٠ ]
له وأعماله له، ونومه له ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه … " (^١).
طرق إصلاح القلب:
إن القلب يحتاج إلى عملية إصلاح ومراقبة كل حين؛ فما أكثر الواردات التي ترد عليه وربما تمرضه وقد تصل به إلى الموت، وهناك طرق لإصلاحه وتجليته، فمنها:
طرق التخلية:
أولًا: ترك الذنوب، قال ابن المبارك:
رَأَيتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ … وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدمَانُهَا
وَتَركُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ … وَخَيرٌ لِنِفسِكَ عِصيَانُهَا (^٢).
وقال ابن القيم: " الذنوب أمراض القلوب وداؤها، ولا دواء لها إلا تركها، وقد أجمع السائرون الى الله أن القلوب لا تُعطى مُناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب أدواؤها، فتصير نفس دوائها، ولا يصح لها ذلك إلا بمخالفة هواها، وهواها مرضها، وشفاؤها مخالفته، فإن استحكم المرض قتل أو كاد" (^٣).
ثانيًا: التخلص من التعلق بالشهوات، فـ"كيف يُشرقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأكوانِ مُنْطَبِعَةٌ في مرآته؟ أمْ كيف يرحلُ إلى الله وهو مكَبَّلٌ بشَهواته؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرةَ الله وهو لم يتطهَّر من جَنَابَةِ غَفَلاتِهِ؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائقَ الأسرارِ وهو لم يَتُبْ من
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٧٠ - ٧٣).
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (١/ ١٠).
(٣) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ٥١).
[ ١٨١ ]
هَفَواتِهِ؟ " (^١).
ثالثًا: تقليل الغذاء البدني، قال ابن رجب: فإنَّ قلةَ الغذاء توجب رِقَّة القلب، وقوَّة الفهم، وانكسارَ النفس، وضعفَ الهوى والغضب، وكثرةُ الغذاء توجب ضدَّ ذلك، وقال الحسن: يا ابنَ آدم، كُلْ في ثلث بطنك، واشرب في ثلثٍ، ودع ثُلُثَ بطنك يتنفَّس لتتفكر، وعن عمرو بن قيس قال: إيَّاكُمْ والبِطنة؛ فإنَّها تُقسِّي القلب، وقال أبو سليمان الداراني: إنَّ النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورقَّ، وإذا شبعت ورويت، عمي القلب" (^٢).
طرق التحلية:
أولًا: توحيد الله تعالى ومعرفته والتعلق بالله، قال ابن رجب: " فلا صلاحَ للقلوب حتَّى تستقرَّ فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه ومحبَّتُه وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤهُ والتوكلُ عليهِ، وتمتلئَ مِنْ ذَلِكَ، وهذا هوَ حقيقةُ التوحيد، وهو معنى ﴿لا إله إلا الله﴾، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألَهُه وتعرفه وتحبُّه وتخشاه هوَ الله وحده لا شريكَ لهُ، ولو كانَ في السماوات والأرض إله يُؤَلَّه سوى الله، لفسدت بذلك السماوات والأرض، كما قالَ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] " (^٣).
ثانيًا: العلم النافع الذي يرسخ في القلوب، قال الحسنُ: العلم علمان: "علمٌ على اللسان، فذاك حُجَّة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذاك العلم النافع" (^٤).
ثالثًا: ذكر الله تعالى، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
رابعًا: الدعاء، فقد كان رسول الله ﷺ يدعو فيقول: (يا مقلب
_________________
(١) شرح الحكم العطائية (ص: ٢٦).
(٢) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٤٩/ ٤).
(٣) المرجع السابق (٨/ ٢٦).
(٤) المرجع السابق (٣٨/ ١٩).
[ ١٨٢ ]
القلوب، ثبت قلبي على دينك) (^١).
و" العجب ممن تعرض له حاجة فيصرف رغبته وهمته فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض، وشفائه من داء الشهوات والشبهات، ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمعصيته" (^٢).
ثمرات صلاح القلب:
إذا صلح القلب وبدا بالحياة أثمر ذلك لصاحبه ثمرات نافعة في الدنيا والآخرة، فمن ذلك:
أولًا: صلاح الجسد كله، قال رسول الله ﷺ: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) (^٣).
فـ" حركات القلب والجوارح إذا كانت كلُّها لله فقد كَمُلَ إيمانُ العبد بذلك ظاهرًا وباطنًا، ويلزمُ من صلاح حركات القلب صلاحُ حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فيما يُريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكَفَّتْ عما يكرهه، وعما يخشى أنْ يكونَ مما يكرهه وإنْ لم يتيقن ذلك" (^٤).
قال ابن رجب: "فإنْ كان قلبُه سليمًا، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يُحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركاتُ الجوارح كلّها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرَّمات كلها، وتوقي الشبهات؛ حذرًا مِنَ الوقوعِ في المحرَّمات، وإنْ كان القلبُ فاسدًا قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه، وطلب ما يحبُّه، ولو كرهه الله، فسدت حركاتُ
_________________
(١) رواه الترمذي (٥/ ٥٣٨)، وهو صحيح.
(٢) شرح الحكم العطائية (ص: ٣٩).
(٣) رواه البخاري (١/ ٢٨)، ومسلم (٣/ ١٢١٩).
(٤) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٨/ ٢٨).
[ ١٨٣ ]
الجوارح كلها، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي والمشتبهات بحسب اتِّباع هوى القلب؛ ولهذا يقال: القلبُ مَلِكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيءٍ من ذلك، فإنْ كان الملكُ صالحًا كانت هذه الجنود صالحةً، وإنْ كان فاسدًا كانت جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً، ولا ينفع عند الله إلاّ القلبُ السليم" (^١).
ثانيًا: موافقة الله فيما يحب ويكره، "فمتى امتلأ القلبُ بعظمةِ الله تعالى محا ذلك مِنَ القلب كلَّ ما سواه، ولم يبقَ للعبد شيءٌ من نفسه وهواه، ولا إرادة إلاَّ لما يريدهُ منه مولاه، فحينئذٍ لا ينطِقُ العبدُ إلاّ بذكره، ولا يتحرَّك إلا بأمره، فإنْ نطقَ، نطق بالله، وإنْ سمِعَ، سمع به، وإنْ نظرَ، نظر به، وإنْ بطشَ، بطش به" (^٢).
"فإذا تحقَّق القلبُ بالتَّوحيد التَّامِّ لم يبق فيه محبةٌ لغير ما يُحبُّه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله، ومن كان كذلك لم تنبعثْ جوارحُهُ إلاّ بطاعة الله، وإنَّما تنشأ الذُّنوب من محبَّة ما يكرهه الله، أو كراهة ما يُحبه الله، وذلك ينشأ من تقديم هوى النَّفس على محبَّة الله وخشيته، وذلك يقدحُ في كمال التَّوحيد الواجبِ، فيقعُ العبدُ بسببِ ذلك في التَّفريط في بعض الواجبات، أو ارتكابِ بعضِ المحظوراتِ، فأمَّا من تحقَّق قلبُه بتوحيدِ الله، فلا يبقى له همٌّ إلا في الله وفيما يُرضيه به" (^٣).
ثالثًا: الأُنس بالله تعالى، قال ابن رجب: "وقال ذو النون: مِنْ علامات المحبِّين لله: أنْ لا يأنَسُوا بسواه، ولا يستوحشُوا معه، ثم قال: إذا سكنَ القلبَ حبُّ اللهِ تعالى أنِسَ بالله؛ لأنَّ الله أجلُّ في صُدورِ العارفين أنْ يُحبُّوا سواه" (^٤).
رابعًا: الرغبة في الآخرة والرغبة عن الدنيا، قال ابن القيم: "وكلما صح القلب من
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٨/ ١).
(٢) المرجع السابق (٤٠/ ٢٢).
(٣) المرجع السابق (٤٠/ ٢٣).
(٤) المرجع السابق (٤/ ٥٩).
[ ١٨٤ ]
مرضه ترحل إلى الآخرة، وقرب منها حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها حتى يصير من أهلها" (^١).
خامسًا: النجاة يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩].
و"القلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلِّها، وهو القلبُ الذي ليس فيه سوى محبة الله وما يحبُّه الله، وخشية الله، وخشية ما يُباعد منه" (^٢).
وقيل: هو: "الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه والذل له وإيثار مرضاته في كل حال والتباعد من سخطه بكل طريق" (^٣).
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٧١).
(٢) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٨/ ٢٥).
(٣) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٧).
[ ١٨٥ ]