رِقة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) (^١).
فطريق الجنة محفوف بالمكروهات، مليء بالمشقات، وتلك الدار الكريمة غالية ثمينة، والغالي لا ينال إلا ببذل الغالي، واستسهال النَّصَب في طريقه. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (حُفّت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) (^٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) (^٣).
لا تَحسَبِ المجدَ تَمرًا أَنْتَ آكِلُهُ … لا تَبلُغ المجدَ حَتى تَلعَق الصَبرا (^٤).
غاية البلاء:
وليس هذا البلاء للمؤمن إلا لاختبار إيمانه، وتخليصه من الضعف، وتكفير سيئاته، ورفع درجاته، وتصفية صف الإيمان من أدعيائه؛ ولما ينتظر المؤمنَ عند الله تعالى من حسن الجزاء الذي لا يُنال إلا بركوب مطية العناء والتعب، والتقلل من الراحة والدعة؛ ولن يبلغ إلى ذلك إلا بالصبر والمصابرة، والجد والمجاهدة. قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠، ١٤١]. وقال رسول الله ﷺ: (إن الرجل
_________________
(١) رواه الترمذي (٤/ ٦٠١)، وابن ماجه (٢/ ١٣٣٤)، وأحمد (٣/ ١٥٩)، وهو صحيح.
(٢) رواه البخاري (٥/ ٢٣٧٩)، ومسلم (٤/ ٢١٧٤).
(٣) رواه الترمذي (٤/ ٦٣٣)، والحاكم (٤/ ٣٤٣)، وهو صحيح.
(٤) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، للتلمساني (٢/ ٧٣).
[ ٢٩٧ ]
ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلِّغه إياها) (^١). وقال النبي ﷺ: (ما يصيب المؤمنَ من نصب ولا وصب، ولا همٍّ ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) (^٢).
ومن سلك طريق الصبر سيجده معمورًا بخطوات السالكين المؤمنين قبله؛ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ فكم صبر نوح، وصبر إبراهيم، وصبر يعقوب، وصبر يوسف، وصبر موسى، وصبر أيوب، وصبر محمد، عليهم الصلاة والسلام جميعًا! وكم صبر أتباعهم الصادقون، وقدموا من التضحيات، وفارقتهم أيامُ السرور الدنيوي وأفراحها الظاهرة.
قال ابن القيم-مخاطبًا ضعيف العزم على طريق الحق-: " أين أنت، والطريقُ طريقٌ تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وبِيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقرَ وأنواع الأذى محمد ﷺ وتريده أنت باللهو واللعب؟!.
فيا دارَها بالحَزْنِ إن مزارها … قريبٌ، ولكنْ دون ذلك أهوالُ" (^٣).
ويقول تعالى عن صبر أتباع الأنبياء الذي آمنوا بهم وصبروا على البلاء في سبيل الله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
فدرب الحق درب شاق يحتاج إلى عزيمة وثبات، وجَلَد وتصبر؛ ولهذا أمر الله تعالى
_________________
(١) رواه ابن حبان (٧/ ١٦٩)، وأبو يعلى (١٠/ ٤٨٢)، وهو صحيح.
(٢) رواه البخاري (٥/ ٢١٣٧)، ومسلم (٤/ ١٩٩١).
(٣) الفوائد، لابن القيم لابن القيم (ص: ٤١).
[ ٢٩٨ ]
رسوله محمدًا ﷺ في آيات كثيرة من القرآن بالصبر؛ فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وأمر به تعالى كذلك عمومَ المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. "قال الحسن البصري ﵀: أُمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يَدَعوه لسراء ولا لضراء، ولا لشدة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء" (^١). وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
ولما كان الأمر كما سبق فإن المكاره لا تزال نازلة على المؤمن في نفسه أو ماله أو أهله أو أحبابه؛ فقد يمرض أو يُجرح، أو يؤذى أو يقهر، أو يتسلط عليه أهل الباطل، وقد يهم ويحزن، ويفتقر ويُجتاح ماله، ويسقم أو يموت بعض أهله وأقاربه وأحبابه، أو قد يُفرَّق بينه وبينهم. غير أن المؤمن القوي عندما تنزل به هذه المصائب فإنه يواجهها بالصبر والرضا، حتى ينقلب ألم المصيبة إلى فرحة، وكُرْهها إلى محبة، والضيق بها إلى سعة؛ لأنه يوقن أنها فعل الودود الرحيم العليم الحكيم، وأن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه، وأن المضرات أبواب المسرات، والمواجع مصاعد الارتقاء إلى العلياء، وأن طلائع الشقاء من أول لمحة هي مفاتيح السعادة إذا وصلت وصادفت قلبًا راضيًا، وأن ما أصابه أمارة محبة من الحبيب ﷾.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عِظَم الجزاء مع عظم البلاء، إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) (^٢). يعني: يبتليهم: "بأنواع
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٥٤٦).
(٢) رواه الترمذي (٤/ ٦٠١)، وابن ماجه (٢/ ١٣٣٨)، وهو حسن.
[ ٢٩٩ ]
البلايا؛ حتى يمحصهم من الذنوب، ويفرغ قلوبهم من الشغل بالدنيا؛ غيرةً منه عليهم أن يقعوا فيما يضرهم في الآخرة، وجميع ما يبتليهم به من ضنك المعيشة، وكدر الدنيا، وتسليط أهلها؛ ليشهد صدقهم معه، وصبرهم في المجاهدة، قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] " (^١).
قال لقمان لابنه: "يا بني، الذهب والفضة يختبران بالنار، والمؤمن يختبر بالبلاء" (^٢).
الصبر عبادة:
إن صبر المسلم على المكاره عبادة من أجلِّ العبادات، وقُربة من أعظم القربات، بل إن الدِّين مبني على الصبر والشكر، قال رسول الله ﷺ: (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (^٣).
وعن عبد اللّه بن مسعود ﵁ قال: "الصّبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كلّه" (^٤).
والصبر على الشدائد والمصائب وإن كان شديدًا على النفس إلا أن المؤمن يجاهد نفسه عليه حتى يصير خلقًا من أخلاقه، قال رسول الله ﷺ: (ومن يتصبر يصبره الله) (^٥). " (ومن يتصبر) أي: يستعمل الصبر (يصبره الله) أي: يقوِّه ويمكنه من نفسه حيث تنقاد له وتذعن، لتحمل الشدائد، وعند ذلك يكون الله معه فيظفره بمطلوبه، ويوصله إلى مرغوبه" (^٦).
_________________
(١) فيض القدير، للمناوي (١/ ٢٤٦).
(٢) فيض القدير، للمناوي (٢/ ٤٥٩).
(٣) رواه مسلم (٤/ ٢٢٩٥).
(٤) الزهد، لوكيع (١/ ٢٢٧).
(٥) رواه البخاري (٢/ ٥٣٤)، ومسلم (٢/ ٧٢٩).
(٦) الديباج على مسلم، للسيوطي (٣/ ١٣٥).
[ ٣٠٠ ]
قال الشاعر:
صَبَرْتُ عَلَى الْأَيَّامِ حَتَّى تَوَلَّتِ … وَأَلْزَمْتُ نَفْسِي صَبْرَهَا فَاسْتَمَرَّتِ
وَمَا النَّفْسُ إلَّا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الْفَتَى … فَإِنْ طَمِعَتْ تَاقَتْ وَإِلَّا تَسَلَّتِ (^١).
ثمرة الصبر:
فإذا رُزق الإنسان الصبرَ بعد مجاهدة نفسه عليه أضاء له صبرُه طريقَ النجاة في ظلمات الكريهات، وعرف كيف يتعامل التعامل الصحيح مع نوازل المصيبات، وهذه نعمة من أجل النعم التي يعطيها الله تعالى للعبد، قال رسول الله ﷺ: (والصبر ضياء) (^٢). " أي: لا يزال صاحبه مستضيئًا مستهديًا مستمرًا على فعل الصواب" (^٣). فيكون له به " نور قوي تنكشف به الكربات، وتنزاح غياهب الظلمات، فمن صبر على مكروه أصابه؛ علمًا بأنه من قضاء الله؛ هان عليه" (^٤).
وقال رسول الله ﷺ: (وما أُعطي أحد عطاء خيرًا، وأوسع من الصبر) (^٥). " وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات؛ لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات؛ ولذا قُدِّم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] " (^٦).
وحين تدلهم الخطوب، وتنزل بساحة المرء الكروب، فيتلقاها بالصبر بعد أن راضَ نفسه عليه، يصير الصبر واقعًا، وليس شعارًا تردده اللسان، أو تخطه البنان؛ إذ قد يصبر
_________________
(١) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ٢١).
(٢) رواه مسلم (١/ ٢٠٣).
(٣) الديباج على مسلم، للسيوطي (٢/ ١١).
(٤) التيسير بشرح الجامع الصغير - للمناوي (٢/ ٢٤١).
(٥) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٦/ ١٤٣).
(٦) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٦/ ١٤٣).
[ ٣٠١ ]
على البلايا جاهلٌ لا معرفةَ له بثقافة الصبر، ويجزع عندها من لديه الثقافة الواسعة، والمعلومات الغزيرة حول الصبر؛ فلهذا فإن ممارسة الصبر شيء، ومعرفة فضله وآثاره، وحفظ معلوماته شيء آخر.
إن المسلم حينما يصبر على مُرِّ القضاء، ويتلقى المكاره بالرضا، ويتطلع إلى العاقبة الحسنى؛ تهون عليه مصائبه، ويفتح لنفسه بصبره باب فرج.
قال ابن القيم: "من تلمح حلاوة العافية، هان عليه مرارة الصبر" (^١).
أسباب معينة على الصبر:
إذا أراد المسلم تهوين البلاء، والإعانة على الصبر عليه حتى يكون خلقًا لازمًا من أخلاقه فهناك بعض الأسباب المعينة على ذلك، فمنها:
أولًا: استشعار الأجر على المصيبة؛ فإن المصائب إذا صبر عليها المسلم ابتغاء وجه الله أُجر أجرًا عظيمًا.
قال رسول اللّه ﷺ: (إنّ اللّه﷿- قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، فصبر عوّضته منهما الجنّة) يريد: عينيه (^٢).
وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال: (ما لك تزفزفين (^٣)﴾؟ قالت: الحمى، لا بارك الله فيها، فقال: (لا تسبي الحمى؛ فإنها تُذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد (^٤).
وقال رسول الله ﷺ: (يود أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٥٠).
(٢) رواه البخاري (٥/ ٢١٤٠).
(٣) تزفزفين: أي: ترعدين. الديباج على مسلم، للسيوطي (٥/ ٥١٥).
(٤) رواه مسلم (٤/ ١٩٩٣).
[ ٣٠٢ ]
البلاء الثواب؛ لو أن جلودهم كانت قرضت بالمقاريض) (^١). يعني: لما يرون من عظيم الثواب لأصحاب البلاء.
وعن الحسن البصري قال: "كانوا يرجون في حمى ليلة كفارةً لما مضى من الذنوب" (^٢).
ثانيًا: الثقة بالله في حصول الفرج؛ فإن البلاء لا يدوم؛ والأمور كلها بيد الله تعالى.
قال الماوردي: " أخبرني بعض أهل الأدب أن أبا أيوب الكاتب حُبس في السجن خمس عشرة سنة حتى ضاقت حيلته، وقلّ صبره، فكتب إلى بعض إخوانه يشكو له طول حبسه، فردَّ عليه جواب رقعته بهذا:
صَبْرًا أَبَا أَيُّوبَ صَبْرَ مُبَرّحٍ … فَإِذَا عجزِتَ عَنْ الْخُطُوبِ فَمَنْ لَهَا
إنَّ الَّذِي عَقَدَ الَّذِي انْعَقَدَتْ لَهُ … عُقَدُ الْمَكَارِهِ فِيكَ يَمْلِكُ حَلَّهَا
صَبْرًا فَإِنَّ الصَّبْرَ يُعْقِبُ رَاحَةً … وَلَعَلَّهَا أَنْ تَنْجَلِي وَلَعَلَّهَا
فأجابه أبو أيوب يقول:
صَبَّرْتَنِي وَوَعَظْتَنِي وَأَنَا لَهَا … وَسَتَنْجَلِي بَلْ لَا أَقُولُ لَعَلَّهَا
وَيَحُلُّهَا مَنْ كَانَ صَاحِبَ عَقْدِهَا … كَرَمًا بِهِ إذْ كَانَ يَمْلِكُ حَلَّهَا
فلم يلبث بعد ذلك في السجن إلا أيامًا حتى أطلق مكرَّمًا" (^٣).
وقال ابن الجوزي: "فاصبر للبلايا فحيْنها يسير، واثبت للرزايا فأجرها كثير، وأحسن قِرى ضيف الهمِّ بالصبر الغزير، وتجلد على الظمأ فبين يديك ماءٌ نمير:
_________________
(١) رواه الترمذي (٤/ ٦٠٣)، وهو حسن.
(٢) المرض والكفارات، للقرشي (ص: ٤٠).
(٣) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ٣٧٥).
[ ٣٠٣ ]
لا تجزَعَّنَ مِنَ المَنايا إِنْ أَتَتْ … واصبِر لِما تأَتي بِهِ الأَقدارُ
وغَدا الصَبور يَجُرُّ ذيلَ سُرورِه … في جَنَّةٍ مِنْ تحتِها الأنهَار
فكأَنْ قَدْ انكشَفَت غياياتُ البلا … وانجابت الآفات والأَكدار
وجَنى الجَزوعُ لِما جَنَى ثَمَرَ الأَسَى … فجَرى بِلَا أَجر لَهُ المِقدار
إِنِّي رأَيتُ معاشِرًا لَم يفهموا … مَعنى الوجود فأَصبَحوا قَدْ حاروا
دُنياكَ دارٌ للبَلايا مُهِّدَت … ووراء ذَلك إِنْ عقلتَ نهار" (^١).
وقال الشافعي:
يا نفسُ ما هو إلا صبرُ أيامِ … كأنَّ مدَّتها أضغاثُ أحلامِ
يا نفس جوزي عن الدنيا مبادِرةً … وخلِّ عنها فإن العيش قُدَّامي" (^٢).
ثالثًا: التسلي عن المصيبة وتناسي ثقلها، بالانشغال بشيء يلهي عنها، قال ابن الجوزي: " مرَّ بي حمّالا جذعٍ ثقيل، وهما يتجاوبان بإنشاد النغم، وكلمات الاستراحة، فأحدهما يصغي إلى ما يقوله الآخر ثم يعيده أو يجيبه بمثله، والآخر همته مثل ذلك. فرأيت أنهما لو لم يفعلا هذا زادت المشقة عليهما، وثقل الأمر، وكلما فعلا هذا هان الأمر. فتأملت السبب في ذلك، فإذا به تعليق فكر كل واحد منهما بقول الآخر، وطربه به، وإجالة فكره في الجواب بمثل ذلك، فينقطع الطريق، وينسى ثقل المحمول. فأخذت من هذا إشارة عجيبة، ورأيت الإنسان قد حمل من التكليف أمورًا صعبة، ومن أثقل ما حمل مداراة نفسه، وتكليفها الصبر عما تحب، وعلى ما تكره، فرأيت أن الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس، كما قال الشاعر:
_________________
(١) مواعظ ابن الجوزي (ص: ٩).
(٢) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٣٤٣).
[ ٣٠٤ ]
فإن تشكَّت فعللها المجرة مِنْ … ضوء الصباح وعِدْها بالرَّواح ضحى
ومن هذا ما يحكى عن بشر الحافي رحمة الله عليه، أنه سار ومعه رجل في طريق فعطش صاحبه، فقال له: نشرب من هذه البئر؟ فقال: أبشر، اصبر إلى البئر الأخرى، فلما وصلا إليها قال له: البئر الأخرى. فما زال يعلله … ثم التفت إليه فقال له: هكذا تنقطع الدنيا. ومن فهم هذا الأصل علل النفس وتلطف بها، ووعدها الجميل لتصبر على ما قد حُمِّلتْ، كما كان بعض السلف يقول لنفسه: والله ما أريد بمنعكِ من هذا الذي تحبين إلا الإشفاقَ عليك" (^١).
رابعًا: ترك طول التفكير في امتداد البلاء، والاستعجال في ذهابه. قال ابن الجوزي: " للبلاء نهايات معلومة الوقت عند الله ﷿، فلا بد للمبتلى من الصبر إلى أن ينقضي أوان البلاء، فإن تقلقل قبل الوقت لم ينفع التقلقل، كما أن المادة إذا انحدرت إلى عضو فإنها لن ترجع، فلا بد من الصبر إلى حين البطالة، فاستعجال زوال البلاء مع تقدير مدته لا ينفع. فالواجب الصبر وإن كان الدعاء مشروعًا، ولا ينفع إلا به، إلا أنه لا ينبغي للداعي أن يستعجل، بل يتعبد بالصبر والدعاء والتسليم إلى الحكيم. ويقطع المواد التي كانت سببًا للبلاء، فإن غالب البلاء أن يكون عقوبة. فأما المستعجل فمزاحم للمدبّر، وليس هذا مقام العبودية وإنما المقام الأعلى هو الرضى، والصبر هو اللازم، والتلافي بكثرة الدعاء نعم المعتمد، والاعتراض حرام، والاستعجال مزاحمة للتدبير، فافهم هذه الأشياء؛ فإنها تهون البلاء" (^٢).
كلام جامع في أسباب نشأة الصبر:
وما أحسن ما ذكر ابن القيم من الأسباب التي ينشأ عنها الصبر على الرزية، حيث
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٧٠).
(٢) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ١١٤).
[ ٣٠٥ ]
يقول ﵀: " فصل: والصبر على البلاء ينشأ من أسباب عديدة: أحدها: شهود جزائها وثوابها. الثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها. الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن يخلق فلا بد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاء. الرابع: شهوده حقَّ الله عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى، فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه. الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة، قال علي بن أبي طالب: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع بلاء إلا بتوبة. السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوفِ قدْرَ المقام حقَّه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم، وتعدي الحق. السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته، الرحيم به فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلًا. الثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم مالم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الداء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال الله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، وفي مثل هذا قول القائل:
لعلَّ عتبَك محمودٌ عواقبُه … وربما صحتِ الأجسام بالعِللِ
التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا، فإن ثبت اصطفاه واجتباه، وخلع عليه خِلَع الإكرام وألبسه ملابس الفضل، وجعل أولياءه
[ ٣٠٦ ]
وحزبه خدمًا له، وعونًا له، وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طُرد وصُفع قفاه، وأقصي وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها وزيادتها، ولكن سيعلم بعد ذلك بأن المصيبة في حقه صارت مصائب، كما يعلم الصابر أن المصيبة في حقه صارت نعمًا عديدة، وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبر ساعة، وتشجيع القلب في تلك الساعة والمصيبة لا بد أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات وعن الآخر بالحرمان والخذلان؛ لأن ذلك تقدير العزيز العليم وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء، فيستخرج من عبوديته في جميع الأحوال؛ فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عبد السراء والعافية الذي يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه؛ فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته، فلا ريب أن الإيمان الذي يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الإيمان النافع وقت الحاجة، وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل المؤمنين، وإنما يصحبه إيمان يثبت على البلاء والعافية، فالابتلاء كير العبد ومحك إيمانه، فإما أن يخرج تِبرًا أحمر، وإما أن يخرج زغلًا محضًا (^١)، وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبية ونحاسية فلا يزال به البلاء حتى يخرج المادة النحاسية من ذهبه، ويبقى ذهبًا خالصًا، فلو علم العبد أن نعمة الله عليه في البلاء ليست بدون نعمة الله عليه في العافية لشغل قلبه بشكره ولسانه: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك وحسن عبادتك، وكيف لا يشكر من قيَّض له ما يستخرج خبثه ونحاسه، وصيّره تِبرًا خالصًا يصلح لمجاورته والنظر إليه في داره، فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر. فنسأل الله أن يسترنا بعافيته، ولا يفضحنا بابتلائه، بمنِّه وكرمه" (^٢).
_________________
(١) الزغل: الغش. المعجم الوسيط (١/ ٣٩٥).
(٢) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ٤١٥) وما بعدها.
[ ٣٠٧ ]
أعلامُ هُدى
للصالحين السالفين كلمات من نور، خلَّدها الزمان، وبقيت محفوظة في ذاكرة الأيام، لا تزيدها الدهور إلا جلاء وضياء؛ لأنها خرجت من ألسنة صادقة، أملتْها عليها قلوب مؤمنة، وصدَّقتها جوارح في ميدان الخير سابقة، ولأن قائليها هم أهل العلم واللسان، وأرباب الصلاح والبيان. ولذلك أصبحت عبارات أولئك القوم العالِمين العاملين منارات هداية يهتدي بها الناس من بعدهم، وصار لها محل في القلوب، وقبول في النفوس.
فما أجمل أن نصلح قلوبنا بشيء من تلك الكلمات المنيرة، ونعظ أنفسنا بتلك المواعظ البليغة النافعة، ونجاهد أنفسنا على السير في منوال ما دعت إليه وحثَّت، ونبتعد عما نهت عنه وحذّرت؛ فإن مصدرها كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠].
أمير المؤمنين أبو بكر ﵁:
يقول أمير المؤمنين أبو بكر الصديق ﵁ في إحدى خطبه-واعظًا بما جرى في القبور لأهل الجمال والملك والجاه والقوة والشباب من التغيير-: "أين الوِضاءُ الحسنةُ وجوهُهم، المعجبون بشبابهم، أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان، أين الذين كانوا يُعطَون الغلبة في مواطن الحرب، قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا في ظلمات القبور؟ الوَحَا الوحا (^١) ثم النجا النجا" (^٢).
_________________
(١) يعني: السرعة السرعة. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ٣٥٢).
(٢) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٤٥٦).
[ ٣٠٨ ]