* بحر الهوى إذا مدَّ (^١) أَغرق، وأخوفُ المنافذ على السابح فتحُ البصر في الماء.
* كم قُطع زرعٌ قبل التمام، فما الظن بالزرع المستحصَد؟! (^٢).
* اشترِ نفسَك؛ فالسوق قائمة، والثمن موجود (^٣).
* لابد من سِنة الغفلة، ورُقاد الهوى، ولكن كن خفيفَ النوم؛ فحُرّاس البلد يصيحون: دنا الصباح (^٤).
* نورُ العقل يضيء في ليل الهوى، فتَلُوح جادةُ الصواب، فيتلمح البصير في ذلك النور عواقب الأمور.
* اخرجْ بالعزم من هذا الفِناء الضيِّق المحشو بالآفات إلى ذلك الفناء الرحب الذي فيه: (ما لا عين رأت ..)، فهناك لا يتعذّر مطلوب، ولا يفقد محبوب.
*يا بائعًا نفسه بهوى مَنْ حُبُّه ضَنى (^٥)، ووصله أذى، وحُسنه إلى فناء، لقد بعت أنفسَ الأشياء بثمن بخس، كأنك لم تعرف قدر السلعة، ولا خِسَّة الثمن، حتى إذا قدمت يوم التغابن تبيّن لك الغبن في عقد التبايع (^٦).
* لا إله إلّا الله سلعة، اللهُ مشتريها، وثمنها الجنّة، والدلّال الرسول، فهل ترضى ببيعها بجزء يسير مما لا يساوي كلُّه جناح بعوضة؟!.
_________________
(١) مد: زاد. المعجم الوسيط (٢/ ٨٥٨).
(٢) في العبارة إشارة إلى أنه كم قد مات من امرئ شابٍّ ورجل صحيح، فما ظنك بالشيخ الكبير والإنسان العليل؟
(٣) كأنه يريد: استغل عمرك فيما ينفعك في آخرتك؛ ما دمتَ في فرصة الحياة.
(٤) في الكلام إشارة إلى أن العبد قد يعصي ويقصر ولا يسلم من ذلك، ولكن عليه أن يستيقظ بالتوبة قبل دنو الأجل.
(٥) الضنى: المرض. المعجم الوسيط (١/ ٥٤٥).
(٦) ولا ينبغي لعاقل أن يبيع نفسه للدنيا، بل يبيعها للآخرة.
[ ٣٩٤ ]
* الحرب قائمة وأنت أعزل (^١) في النظارة (^٢)، فإن حركت ركابَك فللهزيمة (^٣).
* من لم يباشر حرَّ الهجير (^٤) في طِلاب المَجْد لم يَقِل (^٥) في ظِلال الشرف (^٦).
* تقول سُليمى لو أقمتَ بأرضنا … ولم تدرِ أني للمقام أطوفُ
* قيل لبعض العبّاد: إلى كم تتعب نفسك؟! فقال: راحتَها أريد (^٧).
* يا مكرَمًا بحُلَّةِ الإيمان بعد حلة العافية، وهو يُخْلِقهما (^٨) في مخالفة الخالق، لا تُنكر السَّلب؛ يستحق من استعمل نعمة المنعم فيما يكره أن يُسلَبها (^٩).
* عرائس الموجودات قد تزيّنت للناظرين؛ ليبلوهم أيهم يؤثرهن على عرائس الآخرة، فمن عرف قدر التفاوت آثر ما ينبغي إيثاره.
وحِسانُ الكون لمَّا أنْ بدتْ … أقبلتْ نحوي، وقالت لي: إلي
فتعاميتُ كأنْ لم أرها … عندما أبصرتُ مقصودي لدي (^١٠)
*كواكب همم العارفين في بروج عزائمهم سيَّارة ليس فيها زحل (^١١) (^١٢).
_________________
(١) الأعزل من الناس: من لا سلاح معه. المعجم الوسيط (٢/ ٥٩٩).
(٢) النظَّارة: جمع ناظر.
(٣) فالحق والباطل في حرب والسلاح الإيمان، والهوى والعقل في حرب والسلاح الدين الحق.
(٤) الهجير: نصف النهار في القيظ خاصة. المعجم الوسيط (٢/ ٩٧٣).
(٥) يقل: من القيلولة، وهي: نومة نصف النهار أو الاستراحة فيه وإن لم يكن نوم. المعجم الوسيط (٢/ ٧٧١).
(٦) يعني: من لم يضحِّ ويتعب لن يصل إلى المعالي؛ فالترقيات لا تُنال إلا بتضحيات.
(٧) هذه العبارة مفسِّرة للبيت الشعري قبلها.
(٨) يخلقهما: يُبليهما. المعجم الوسيط (١/ ٢٥٢).
(٩) فيه إشارة إلى أن من أنعم الله تعالى عليه بالعافية ومعرفة الهدى ثم يعدل إلى المعاصي والضلال فذلك أحرى بأن يُسلب تينك النعمتين.
(١٠) فالعاقل لا يؤثر الدنيا مهما تزينت، بل يغض بصره عنها ويقبل على الآخرة.
(١١) زحل: أبعد الكواكب السيارة في النظام الشمسي. المعجم الوسيط (١/ ٣٩٠).
(١٢) كأنه يريد: أن همم العارفين في طريق النور لا منتهى لها ولا تقف عند شيء.
[ ٣٩٥ ]
* يا من انحرف عن جادتهم كُنْ في أواخر الركب، ونَم إذا نمت على الطريق؛ فالأمير يراعي الساقة (^١) (^٢).
* قيل للحسن: سبَقَنا القومُ (^٣) على خيل دُهْم (^٤) ونحن على حمُر معقّرة (^٥)، فقال: إن كنتَ على طريقهم فما أسرع اللحاقَ بهم!
* المحب الصادق مَنْ وجد أُنسَه بالله بين الناس، ووجده في الوحدة.
* مَنْ فقدَ أنسه بالله بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق ضعيف. ومن وجده بين الناس ووجده في الخلوة فهو معلول. ومن فقده بين الناس وفي الخلوة فهو ميت مطرود. ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق القوي في حاله. ومن كان فتحُه في الخلوة لم يكن مزيده إلا منها. ومن كان فتحه بين الناس ونصحهم وإرشادهم كان مزيده معهم. ومن كان فتحه في وقوفه مع مراد الله حيث أقامه، وفي أي شيء استعمله كان مزيده في خلوته ومع الناس. فأشرفُ الأحوال أن لا تختار لنفسك حالة سوى ما يختاره لك ويقيمك فيه، فكن مع مراده منك، ولا تكن مع مرادك منه.
* مصابيح القلوب الطاهرة في أصل الفطرة منيرة قبل الشرائع: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥].
* وحَّد قُسّ (^٦) وما رأى الرسول، وكفر ابن أُبيٍّ وقد صلَّى معه بالمسجد!
_________________
(١) الساقة من الجيش: مؤخره. المعجم الوسيط (١/ ٤٦٤).
(٢) يريد: يا من قّصر به عمله عن طريق العارفين ولم يبلغ شأوهم، إياك أن تعدل عن طريقهم إلى غيره، بل ابقَ فيه ولو على التقصير؛ فلعل رحمة من الله تدركك حتى تُلحقك بالركب المقدّم، وجملة الحسن البصري التالية تجلِّي هذا المعنى.
(٣) يعني: الصحابة ﵃.
(٤) الخيل الدهم: أي: السود، وهي من أجاويد الخيل وأسرعها.
(٥) معقرة: مجرّحة، والعقر: القطع، وعقر البعير قطع إحدى قوائمه. المعجم الوسيط (٢/ ٦١٤).
(٦) هو: قُسُّ بن ساعدة الإيادي.
[ ٣٩٦ ]
* مع الصبِّ (^١) رِيٌّ ولا ماء، وكم من عطشان في اللُّجّة (^٢) (^٣)!
* سبق العلمُ بنبوة موسى وإيمان آسية، فسيقَ تابوتُه إلى بيتها، فجاء طفل منفرد عن أم إلى امرأة خالية عن ولد. فلله كم في القصة من عِبرة! كم ذبح فرعون في طلب موسى من ولد، ولسان القدر يقول: لا نربيه إلا في حجرك!
* كان ذو البجادين يتيمًا في الصغر، فكفله عمه، فنازعته نفسه إلى اتباع الرسول ﷺ، فهمّ بالنهوض، فإذا بقية المرض مانعة، فقعد ينتظر العم، فلما تكاملت صحته، نفذ الصبر فناداه ضمير الوجد:
إلى كمْ حبسُها تشكو المضيقا … أَثِرْها ربما وجدتْ طريقا
فقال: يا عم، طال انتظاري لإسلامك، وما أرى منك نشاطًا؟ فقال: والله لئن أسلمت لأنتزعن كل ما أعطيتك. فصاح لسان الشوق: نظرةٌ من محمد ﷺ أحب إلي من الدنيا وما فيها.
ولو قيل للمجنون: ليلى ووصلَها … تريدُ أمِ الدنيا وما في طواياها
لقال: غبارٌ من تراب نعالها … ألذُّ إلى نفسي وأشفى لبلواها
فلما تجرد للسير إلى الرسول ﷺ جرّده عمه من الثياب، فناولته الأم بجادًا، فقطعه لسفر الوصل نصفين، اتزر بأحدهما، وارتدى الآخر، فلما نادى صائح الجهاد قنع أن يكون في ساقة الأحباب، والمحب لا يرى طول الطريق؛ لأن المقصود يعينه
ألا أبلغ اللهُ الحِمى من يريده … وبلَّغ أكنافَ الحمى من يريدها
_________________
(١) الصَّب: المحب المشتاق. المعجم الوسيط (١/ ٥٠٥).
(٢) اللجة: معظم الماء. المعجم الوسيط (٢/ ٨١٦).
(٣) هذه العبارة مثالها الموضح لها ما قبلها؛ فقسٌّ آمن بالله ولم يجد رسولًا يدعوه، ومثله مثل المشتاق الذي يجد اللذة بمرور طيف محبوبه على خياله، وعبد الله بن أبي كفر بنفاقه مع أنه صلى مع رسول الله ﷺ في المسجد، ومثله مثل العطشان الذي لا يرتوي والماء بين يديه!
[ ٣٩٧ ]
فلما قضى نحبه نزل الرسول ﷺ يمهد له لحده وجعل يقول: (اللهم إني أمسيت عنه راضيًا، فارضَ عنه)، فصاح ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب القبر (^١).
* متى همّت أقدامُ العزم بالسلوك، اندفع من بين أيديها سدُّ القواطع (^٢).
* القواطع محنٌ يتبين بها الصادق من الكاذب، فإذا خضتها انقلبت أعوانًا لك توصلك إلى المقصود.
* الدنيا كامرأة بغيٍّ لا تثبت مع زوج، إنما تخطب الأزواج؛ ليستحسنوا عليها فلا ترضى إلا بالدياثة.
* طائرُ الطبع يرى الحبة، وعين العقل ترى الشَّرَك، غير أن عين الهوى عمياء (^٣).
وقال ﵀:
* لما رأى المتيقظون سطوةَ الدنيا بأهلها، وخداع الأمل لأربابه، وتملك الشيطان قيادَ النفوس، ورأوا الدولة للنفس الأمارة؛ لجأوا إلى حصن التضرع والالتجاء كما يأوي العبد المذعور إلى حَرم سيده.
* شهوات الدنيا كلُعب الخيال، ونظر الجاهل مقصور على الظاهر، فأما ذو العقل فيرى ما وراء السِّتر.
* لاح لهم المشتهى، فلما مدوا أيدي التناول بان لأبصار البصائر خيطُ الفخ، فطاروا بأجنحة الحذر، وصوبوا إلى الرحيل الثاني: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٢٦].
* تلمّح القوم الوجود، ففهموا المقصود، فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل، وشمروا
_________________
(١) اسم ذي البجادين: عبد الله بن عبد نهم، وقصته في: الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ١٦١).
(٢) يشير بهذا إلى أن العبد إذا عزم عزمًا صادقًا على سلوك طريق الحق، تنحى عن طريقه ما يمنعه من بلوغ غايته على هذا الطريق.
(٣) الفوائد، لابن القيم (٤١ - ٤٦).
[ ٣٩٨ ]
للسير في سواء السبيل، فالناس مشتغلون بالفضلات، وهم في قطع الفلوات، وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ينتظرون الذبح، وقع ثعلبانِ في شبكة فقال أحدهما للآخر: أين الملتقى بعد هذا؟ فقال: بعد يومين في الدباغة!
* تالله ما كانت الأيام إلا منامًا، فاستيقَظوا وقد حصلوا على الظفر (^١).
* ما مضى من الدنيا أحلام، وما بقي منها أمانٍ، والوقت ضائع بينهما (^٢).
* العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملًا يثقله ولا ينفعه.
* إذا حمَّلت على القلب همومَ الدنيا وأثقالها، وتهاونت بأوراده التي هي قوته وحياته؛ كنتَ كالمسافر الذي يحمِّل دابته فوق طاقتها، ولا يوفيها علفها، فما أسرع ما تقف به!
ومشتتُ العزماتِ ينفق عمرَه … حيرانَ لا ظفرٌ ولا إخفاقُ
هلِ السائقُ العجلانُ يملك أمرَه … فما كلُّ سير اليَعْمَلاتِ (^٣) وخيدُ (^٤)
رويدًا بأخفاف المطيِّ فإنما … تُداسُ جباهٌ تحتها وخدود
* من تلمح حلاوة العافية، هان عليه مرارة الصبر.
* الغاية أول في التقدير، آخر في الوجود، مبدأ في نظر العاقل، منتهى في منازل الوصول.
* ألفتَ عجزَ العادة، فلو علتْ بك همتك رُبى المعالي لاحت لك أنوار العزائم.
_________________
(١) يعني: لما ورد المؤمنون على الله تعالى وفازوا بالجنة والرضوان أدركوا أن الدنيا كانت أحلام نوم لا حقيقة لها.
(٢) الفوائد، لابن القيم (٤٧ - ٤٨).
(٣) اليعملات: جمع يعملة، وهي الناقة القويةّ على التَّعب. الاشتقاق (ص: ١٥٨).
(٤) يقال: وخد البعير يخد وخدًا ووخيدًا ووخدانًا أسرع ووسع الخطو ورمى بقوائمه كمشي النعام. المعجم الوسيط (٢/ ١٠١٩).
[ ٣٩٩ ]
* إنما تفاوت القوم بالهمم لا بالصور.
* نزولُ هِمَّة الكَسَّاح (^١) دلَّاه في جُبِّ العَذِرة.
* بينك وبين الفائزين جبلُ الهوى، نزلوا بين يديه، ونزلتَ خلفَه، فاطوِ فصلَ منزلٍ تلحق بالقوم.
* الدنيا مضمارُ سباق، وقد انعقد الغبار وخفي السابق، والناس في المضمار بين فارس وراجل وأصحاب حُمُر معقرّة.
سوف تَرى إذا انجلى الغبارُ … أفرسٌ تحتك أم حمارُ
* في الطبع شَرهٌ، والحِمية أوفق.
* لصُّ الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوى.
* حَبةُ المشتهى تحت فخِّ التلف، فتفكر الذبح، وقد هان الصبر (^٢).
* قوة الطمع في بلوغ الأمل توجب الاجتهاد في الطلب، وشدة الحذر من فوت المأمول.
* البخيل فقير لا يؤجر على فقره.
* الصبر على عطش الضر ولا الشرب من شِرعة (^٣) مَنٍّ؛ (تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها) (^٤).
_________________
(١) الكساح: الكنَّاس. المعجم الوسيط (٢/ ٧٨٦).
(٢) يعني: أن الشهوات المحظورة مصيدة تورد إلى الهلاك، فلو فكر الإنسان في عواقبها المتلِفة لما أقدم عليها، ولهانَ عليه الصبر على البعد عنها.
(٣) الشِّرعة: مورد الماء الذي يستقى منه. المعجم الوسيط (١/ ٤٧٩).
(٤) تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها أو بثدييها: مَثل، ومعناه: لا تكون ظِئْرًا- الظئر: المرضعة لغير ولدها- وإنْ آذاها الجوع. مجمع الأمثال (١/ ١٢٢)، وللمثل مناسبة يراجع المرجع السابق.
[ ٤٠٠ ]
* لا تسأل سوى مولاك؛ فسؤال العبد غيرَ سيده تشنيع عليه.
* غَرْس الخلوة يثمر الأُنس (^١).
* استوحش مما لا يدوم معك، واستأنس بمن لا يفارقك.
* عزلة الجاهل فساد، وأما عزلة العالم (فمعها حذاؤها وسقاؤها) (^٢).
* إذا اجتمع العقل واليقين في بيت العزلة، واستُحضِر الفكر، وجرت بينهم مناجاة:
أتاكَ حديثٌ لا يملُّ سماعُه … شهيٌّ إلينا نثرُه ونظامُهُ
إذا ذكرتْه النفسُ زال عناؤها … وزال عن القلب المعنَّى ظلامُهُ (^٣).
* إذا خرجتْ من عدوك لفظةُ سفهٍ فلا تُلحقها بمثلها تَلقحْها، ونسلُ الخصام نسل مذموم.
* حميّتُك لنفسك أثرُ الجهل بها، فلو عرفتها حق معرفتها أعنتَ الخصم عليها.
* إذا اُقتدِحتْ نارُ الانتقام من نار الغضب ابتدأت بإحراق القادح.
* أوثقْ غضبَك بسلسلة الحِلم؛ فإنه كلب إن أفلت أتلف.
* من سبقتْ له سابقةُ السعادة، دُلَّ على الدليل قبل الطلب.
_________________
(١) يعني: أن العمل الصالح بين العبد وربه يورثه الأنس به، فلا يحس معه بوحشة الانفراد به عن الخلق.
(٢) جملة من حديث: زيد بن خالد ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة فقال: (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها). قال فضالة الغنم؟ قال: (هي لك أو لأخيك أو للذئب). قال: فضالة الإبل؟ قال: (ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها). والمراد من عبارة ابن القيم: لا خوف على العالم من العزلة؛ لأن علمه يحرسه من تسلط الشيطان عليه.
(٣) يعني: أن الخلوة مع حضور العقل واليقين تورث الأنس بالله تعالى الذي يزيل عن النفس العناء، وعن القلب غشاوة الظلام. والمعنَّى: المحب.
[ ٤٠١ ]
* إذا أراد القَدر شخصًا بذر في أرض قلبه بذر التوفيق، ثم سقاه بماء الرغبة والرهبة، ثم أقام عليه بأطوار المراقبة، واستخدم له حارسَ العِلم، فإذا الزرع قائم على سُوقه.
* إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة، وردِفه قمرُ العزيمة، أشرقتْ أرض القلب بنور ربها.
* إذا جنَّ الليلُ تغالبَ النومُ والسهر، فالخوف والشوق في مقدَّم عسكر اليقظة، والكسل والتواني في كتيبة الغفلة، فإذا حمل العزم حمل على الميمنة وانهزمت جنود التفريط، فما يطلع الفجر إلا وقد قُسِّمت السُّهمان، ورُدّت الغنيمة لأهلها (^١).
* سفرُ الليل لا يطيقه إلا مضمَّر (^٢) المجاعة.
* النجائب في الأول، وحاملات الزاد في الأخير (^٣).
* لا تسأم من الوقوف على الباب ولو طُردت، ولا تقطع الاعتذار ولو رُدِدت، فإن فتح الباب للمقبولين دونك فاهجم هجوم الكذابين، وادخل دخول الطفيلية وابسط كف: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨] (^٤).
* يا مستفتحًا بابَ المعاش بغير إقليد (^٥) التقوى، كيف توسع طريقَ الخطايا وتشكو ضيق الرزق؟! ولو وقفتَ عند مراد التقوى لم يفُتك مراد.
_________________
(١) يشير بهذا إلى العراك المحتدم بين النوم والقيام لصلاة الليل، فإذا انتصر العبد على هواه وآثر السهر على النوم ربح الغنيمة.
(٢) الضمور: قلة اللحم والانكماش. وضمر الفرس للسباق ونحوه ربطه وعلفه وسقاه كثيرًا مدة وركضه في الميدان حتى يخف ويدق. المعجم الوسيط (١/ ٥٤٣). والمراد: أن قيام الليل لا يقدر على المداومة عليه إلا الخفيف القوي.
(٣) يعني: أن التقدم لا يكون إلا للمجدِّين، وأما الكسالى فهم في الصفوف الأخيرة.
(٤) فيه دعوة إلى الإلحاح في الدعاء، وعدم اليأس من الإجابة، فلعلها ستأتي بعد حين.
(٥) الإقليد: المفتاح. المعجم الوسيط (١/ ٢٢).
[ ٤٠٢ ]
* المعاصي سدٌّ في باب الكسب و(إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) (^١).
* الأرواح في الأشباح (^٢) كالأطيار في الأبراج، وليس ما أُعدَّ للاستفراخ كمن هُيء للسباق (^٣).
* من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان، فلينظر ماذا يوليه من العمل، وبأي شغل يشغله (^٤).
* كن من أبناء الآخرة، ولا تكن من أبناء الدنيا؛ فإن الولد يتبع الأم (^٥).
* الدنيا لا تساوي نقل أقدامك إليها، فكيف تعدو خلفها؟!.
* الدنيا جيفة، والأسد لا يقع على الجِيَف.
* الدنيا مجاز، والآخرة وطن، والأوطار إنما تُطلب في الأوطان (^٦) (^٧).
وقال ﵀:
_________________
(١) رواه أحمد (٣٧/ ٦٨)، وابن ماجه (٢/ ١٣٣٤)، والحاكم (١/ ٦٧٠)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسن إسناده البوصيري، مصباح الزجاجة (٢/ ٢٨٥)، وضعفه الألباني، ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٧٣).
(٢) الشبح: ما بدا لك شخصه غير جلي من بعد. المعجم الوسيط (١/ ٤٧٠). والمراد بالأشباح هنا: الأبدان.
(٣) يعني: أن الأرواح المحلِّقة في آفاق الفضائل ليست كالأرواح المحبوسة في أبدان أهلها الكسالى أو العصاة، فالطيور المحبوسة في الأقفاص للتكاثر ليست كالطيور التي تحلق في الفضاء حيث شاءت.
(٤) يشير بهذا إلى أمور منها: أن أهل العلم والإيمان هم أحظ الناس عند الله تعالى؛ لأن وظيفتهم مرتبطة بمعرفته والعمل له. عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فقال: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله". تفسير ابن كثير (٤/ ١٢٣).
(٥) يقول الفقهاء: الولد يتبع الأم في الصفات الشرعية كالرق والحرية. الموسوعة الفقهية الكويتية (٥/ ٩٧).
(٦) يعني: لا تحزن على ما فاتك من حاجات نفسك في هذه الدنيا؛ فإنها دار غربة، ووفرها لك في دار وطنك: الجنة، واصبر على الحرمان هنا؛ لتظفر بما تريد هناك.
(٧) الفوائد، لابن القيم (٤٩ - ٥١).
[ ٤٠٣ ]
* صاحَ بالصحابة واعظ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]، فجزعت للخوف قلوبُهم، فجرتْ من الحذر العيون ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧].
* تزينّت الدنيا لعليٍّ فقال: أنتِ طالق ثلاثًا لا رجعة لي فيك، وكانت تكفيه واحدة للسُنَّة، لكنه جمع الثلاث؛ لئلا يتصور للهوى جواز المراجعة، ودِينه الصحيح، وطبعه السليم يأنفان من المحلّل، كيف وهو أحد رواة حديث: (لعن الله المحلّل) (^١).
* ما في هذه الدار موضع خلوة، فاتخذه في نفسك (^٢).
* لا بد أن تجذبك الجواذب، فاعرفها، وكن منها على حذر، ولا تضرك الشواغل إذا خلوتَ منها وأنت فيها.
* نور الحق أضوأ من الشمس، فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عنه (^٣).
* الطريق إلى الله خالٍ من أهل الشك، ومن الذين يتبعون الشهوات، وهو معمور بأهل اليقين والصبر، وهم على الطريق كالأعلام: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] (^٤).
وقال ﵀:
* شمعة النصر إنما تَنزل في شمعدان (^٥) الانكسار (^٦).
_________________
(١) حديث: (لعن الله المحلل والمحلل له) رواه عن علي ﵁: أبو داود (٢/ ١٨٨)، وهو صحيح.
(٢) يعني: لا يوجد في هذه الدنيا مكان للخلو بالله تعالى على الحقيقة لا يشغل الإنسانَ فيه شاغل أو جاذب؛ فإن لم يجد المرء بشرًا فستنازعه أفكار وشواغل، فإذا كان الأمر كذلك فليكن الأنس بالله تعالى على التمام داخل النفس. والعبارة التالية لابن القيم توضح بعض ذلك.
(٣) تعشو: يضعف بصرها عن رؤيته، أو تعرض عنه. المعجم الوسيط (٢/ ٦٠٣).
(٤) الفوائد، لابن القيم (ص: ٥٥).
(٥) الشمعدان: منارة تزين ويركز عليها الشمع حين الاستضاءة به. المعجم الوسيط (١/ ٤٩٤).
(٦) فيه إشارة إلى أن الانكسار بين يدي الله تعالى سبب لتنزل المنح والحصول على المحاب.
[ ٤٠٤ ]
* لا يكرم العبد نفسه بمثل إهانتها، ولا يعزها بمثل ذلها، ولا يريحها بمثل تعبها؛ كما قيل:
سأُتعِبُ نفسي أو أصادفَ راحةً … فإن هوانَ النفس في كرم النفسِ
ولا يشبِعُها بمثل جوعها، ولا يؤمِّنها بمثل خوفها، ولا يؤنسها بمثل وحشتها من كل ما سوى فاطرها وبارئها، ولا يحييها بمثل إماتتها كما قيل:
موتُ النفوسِ حياتُها … من شاء أن يحيا يموت
* شرابُ الهوى حلو، ولكنه يورث الشَّرَق (^١) (^٢).
* من تذكَّرَ خنق الفخ، هان عليه هجرانُ الحبة (^٣).
* يا معرقَلًا في شَرَك الهوى، جمزةُ (^٤) عزمٍ وقد خرقتَ الشبكة.
* لا بد من نفوذ القدر (^٥) فاجنح للسلم.
* لله ملك السموات والأرض واستقرض منك حبة، فبخلت بها، وخَلق سبعة أبحر وأحب منك دمعة فقحطتَ عينك بها!
* إطلاق البصر ينقش في القلب صورة المنظور، والقلب كعبة، والمعبود لا يرضى بمزاحمة الأصنام.
* لذاتُ الدنيا كسوداءَ وقد غلبتْ عليك، والحور العين يَعجبن من سوء اختيارك
_________________
(١) الشَّرَق: الغصة، فلا يستطاع معه بلع الريق. المعجم الوسيط (١/ ٤٨٠).
(٢) المراد: أن الشهوات المحظورة قد تكون للنفس محبوبة، ولكن عواقبها وخيمة.
(٣) فمن تذكر عواقب المعاصي ومآلاتها هان عليه ترك الشهوات.
(٤) أي: وثبة واحدة وقفزة واحدة. المعجم الوسيط (١/ ١٣٤).
(٥) يعني: أن غضبك في وجه القدر ومحاولة رده غير نافع، فما عليك إلا الاستسلام لقضاء الله.
[ ٤٠٥ ]
عليهن، غير أن زوبعة الهوى إذا ثارت سَفَت (^١) في عين البصيرة فخفيت الجادة (^٢).
* سبحان الله! تزينت الجنة للخُطَّاب فجدّوا في تحصيل المهر، وتعرّف ربُّ العزة إلى المحبين بأسمائه وصفاته فعملوا على اللقاء وأنت مشغول بالجيف!
لا كان مَنْ لسواكَ منه قلبُه … ولك اللسانُ مع الوداد الكاذبِ
* المعرفة بساط لا يطأ عليه الا مقرَّب، والمحبة نشيد لا يطرب عليه إلا محبٌّ مغرم.
* الحُبُّ غدير في صحراء ليست عليه جادة؛ فلهذا قلَّ وارده.
* المحب يهرب إلى العزلة والخلوة بمحبوبه، والأنس بذكره؛ كهرب الحوت إلى الماء، والطفل إلى أمه.
وأخرجُ من بين البيوت لعلني … أحدِّثُ عنك القلبَ بالسرِّ خاليا
* ليس للعابد مستراح إلا تحت شجرة طوبى، ولا للمحب قرار إلا يوم المزيد.
* اشتغلْ به في الحياة، يَكفِك ما بعد الموت.
* يا منفقًا بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد منه، ليس في أعدائك أضر عليك منك.
ما تبلغُ الأعداءُ من جاهلٍ … ما يبلغ الجاهلُ من نفسهِ
* الهمةُ العليّة همةُ مَنْ استعد صاحبُها للقاء الحبيب، وقدّم التقادم بين يدي الملتقى، فاستبشر عند القدوم: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
_________________
(١) سفت: ذرت، يقال: سفت الريح التراب ونحوه سفيًا ذرته أو حملته، فالريح سافية. المعجم الوسيط (١/ ٤٣٥).
(٢) الجادة: الطريق. المعجم الوسيط (١/ ١٠٩).
[ ٤٠٦ ]
* تالله ما عدا عليك العدو إلا بعد أن تولى عنك الولي، فلا تظن أن الشيطان غلب، ولكن الحافظ أعرض.
* احذر نفسك؛ فما أصابك بلاء قط إلا منها، ولا تهادنها؛ فوالله ما أكرمها من لم يهنها، ولا أعزها من لم يذلها، ولا جبرها من لم يكسرها، ولا أراحها من لم يتعبها، ولا أمّنها من لم يخوّفها، ولا فرحها من لم يُحزنها.
* سبحان الله! ظاهرُك متجمِّل بلباس التقوى، وباطنُك باطية (^١) لخمر الهوى، فكلما طيبت الثوب فاحت رائحة المسكر من تحته، فتباعدَ منك الصادقون وانحاز إليك الفاسقون.
* يدخل عليك لصُّ الهوى وأنت في زاوية التعبد، فلا يرى منك طردًا له، فلا يزال بك حتى يخرجك من المسجد.
* اصدقْ في الطلب وقد جاءتك المعونة.
* قال رجل لمعروف (^٢): علمني المحبة (^٣)، فقال: المحبة لا تجيء بالتعليم (^٤).
هو الشوقُ مدلولًا على مقتل الفتى … إذا لم يَعُد صبًّا بلقيا حبيبهِ
* ليس العجيب من قوله: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ إنما العجب من قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾
_________________
(١) الباطية: إناء عظيم من الزجاج وغيره يتخذ للشراب. المعجم الوسيط (١/ ٦٢).
(٢) معروف الكرخي عابد زاهد، مات سنة: (٢٠٤ هـ). تنظر ترجمته وزهده في: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٩/ ٣٣٩).
(٣) يعني: محبة الله تعالى.
(٤) يريد: أن المحبة تأتي بالعمل، وصدق الطلب.
[ ٤٠٧ ]
[المائدة: ٥٤] (^١).
* ليس العجب من فقير مسكين يحب محسنًا إليه إنما العجب من محسن يحب فقيرًا مسكينًا (^٢).
وقال ﵀:
* احترز من عدوين هلك بهما أكثر الخَلق: صادّ عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله، ومفتون بدنياه ورئاسته.
* يا أيها الأعزل، احذر فراسة المتقي؛ فإنه يرى عورة عملك من وراء ستر: (اتقوا فراسة المؤمن) (^٣) (^٤).
* اعرفْ قدرَ ما ضاع منك، وابكِ بكاء من يدري مقدار الفائت.
* لو تخيّلتْ قربَ الأحباب لأقمت المأتم على بُعدك.
* لو استنشقتَ ريحَ الأسحار، لأفاق منك قلبُك المخمور (^٥).
* من استطال الطريقَ ضعف مشيه.
وما أنتَ بالمشتاقِ إن قلتَ بيننا … طوالُ الليالي أو بَعيدُ المفاوزِ
_________________
(١) لأن ذلك قد يكون دعوى من العبد، أو في مقابل إحسان الله له، وأما يحبهم فهي حقيقة لا مرية فيها، وليست في مقابل معروف أُسدي إليه تعالى، والعبارة التالية توضح.
(٢) الفوائد، لابن القيم (٦٧ - ٦٩).
(٣) حديث: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله) رواه الترمذي، سنن الترمذي (٥/ ٢٩٨)، والطبراني، المعجم الكبير (٨/ ١٠٢)، وقال: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه وقد روي عن بعض أهل العلم. وضعفه ابن الجوزي، والألباني. وحسنه الهيثمي. الموضوعات (٣/ ١٤٧)، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (٤/ ٢٩٩)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لابن القيم ١١/ ١٧٠). ويغني عنه حديث: (إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم)، رواه الطبراني، المعجم الأوسط (٣/ ٢٠٧)، والبزار، مسند البزار (٢/ ٣٢٣)، وحسنه الهيثمي والألباني، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١١/ ١٧٠)، سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٨) وبعض التاسع (٢/ ٤٣٧).
(٤) الفوائد، لابن القيم (ص: ٧٤).
(٥) يعني: لو ذقت لذة القيام في الأسحار لصحا قلبك من سكرته بالدنيا ولهوه عن ساعات الأسحار المباركة.
[ ٤٠٨ ]
* أما علمتَ أن الصادق إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمَه؟.
* هان سهر الحراسُ لما علموا أن أصواتهم بسمع المَلِك (^١).
* من لاح له حالُ الآخرة، هان عليه فراقُ الدنيا.
* يا أقدامَ الصبر احملي؛ بقى القليل.
* تذكّر حلاوةَ الوصال، يهُنْ عليك مُرُّ المجاهدة.
* قد علمت أين المنزل، فاحدُ لها تَسرْ (^٢).
* أعلى الهمم همةُ من استعد صاحبُها للقاء الحبيب.
* الجنة ترضى منك بأداء الفرائض، والنار تندفع عنك بترك المعاصي، والمحبة لا تقنع منك إلا ببذل الروح.
* لله ما أحلى زمانًا تسعى فيه أقدام الطاعة على أرض الاشتياق.
* لما سلّم القوم النفوس إلى رائض الشرع علّمها الوفاق في خلاف الطبع، فاستقامت مع الطاعة كيف دارت دارت معها (^٣).
_________________
(١) يشير إلى أن قائمي الليل لما أيقنوا أن الله تعالى يسمع أصواتهم هان عليهم سهرهم بين يديه.
(٢) يعني: قد علمت أو علمت نفسك أن منزلها إذا آمنت واتقت الجنة، فما عليك إلا أن تسوقها وتحثها على السير الحثيث حتى بلوغ ذلك المنزل.
(٣) الفوائد، لابن القيم (ص: ٧٨ - ٧٩).
[ ٤٠٩ ]
السعيدُ مَنْ دُفِنتْ ذنوبُه معه
الذنوب حبسٌ ورِقٌّ وهلاك، والمغفرة نجاة وتحرير وفِكاك، والذنوب قذر ونتن، والمغفرة طهارة وطيب، والذنوب داء، والمغفرة دواء، والذنوب قيظ وسَموم، والمغفرة مغتسل بارد وشراب.
إن أخطر ما على الإنسان معاصيه وسيئاته؛ فهي نار تحرق صاحبها عاجلًا أو آجلًا، وداء يمرض الروح أو يميتها.
والذنوب هي التي أخرجت آدم وحواء من الجنة فهبطا إلى الأرض بعد حياة الرغد، وهي التي طردت إبليسَ إلى لعنة الله، وهي التي تجلب الشقاء والتعاسة، والكدر والحزن، وتسلب عن العبد معيةَ ربه وتوفيقه وحمايته، وهي التي تورث العزيز ذلًا، والعمر محقًا وخُسرًا، وهي التي ما حلّت قلبًا إلا ضيقت سروره، وسوّدت بياض أيامه، وقطعته عن أسباب راحته ونعيمه، وهي التي تجلب لأهلها الكوارث والجوائح، والمصائب والمعاطب، والنقم والبلايا.
فكم من نفس كانت بالطاعة عالية، فأصبحت بالمعصية دانية، وكانت بالصلاح في فسحة ونعيم، فأضحت بالخطيئة في ضيق وجحيم، وكانت ببُعدها عن الخطايا قريبة من رب البرايا، فلما عصت ابتعدت عن الرحمن، واقتربت من الشيطان.
فسبحان الله! كيف يرضى العاقل لنفسه ذلَّ المعصية، ولا يرضى لها عزَّ الطاعة، وكيف يستضيف بالخطيئة الضيقَ والعناء، ويطرد بهجر الطاعة السرورَ والهناء، وكيف يسعى جاهدًا لسلوك أسباب العذاب في العاجل والآجل بالمعصية، ولا يسلك طرق السلامة في الدنيا والآخرة بالطاعة، وكيف يسعى بكد وجِد لتحصيل مصالح معيشته، ولا يسعى كذلك إلى محو سيئاته؟!
[ ٤١٠ ]