في هجعة الليل والظلام يرخي سدوله، والصمت ينشر على الحياة بساطه، والنوم يستولي على عيون كثير من الأحياء يسرق المحبُّ نفسَه من فراش الغفلة، يمشي مشي القطا حذرًا من عيون الوشاة والمثبِّطين وأسماعهم، ويمضي إلى مناجاة الحبيب على أجنحة الحنين، وحُداء الوعد الحسن بعِظَم الأثر والجزاء.
ينطلق تحت جنح الظلام ليقف بين يدي ربه قائمًا، يصلي صلاة طويلة، ويقرأ قراءة خاشعة، ويتلذذ في طول ركوعه وسجوده، وينتصر على رهبه وقلقه، ويقرب من رغبه وأمنيته عبر جُمل دعائه وسؤاله مولاه الكريم.
إن لحظات قيام الليل لحظات غالية في زمن الدنيا الرخيص، تتسامى فيها الروح إلى فضاء الطهر على معارج الخشوع، ومصاعد السجود والركوع، لحظات خصبة تهتز فيها النفس وتربو فتنبت من الخيرات من كل زوج بهيج، لحظات تزهر فيها النفوس، وتلين فيها القلوب، وتذرف في رياضها العيون، وتسكن في روابيها الجوارح، ويجتمع فيها شعث الروح، ويطير فيها الفكر على جناحي الخوف والرجاء متأملًا في المصير المنتظر.
إن الحياة طريق إلى الله وهذه الطريق طويلة، فقام أهل العزم والشوق في الليل يقربون المسافة بينهم وبين وجهتهم، مستغلين خلو الطريق من المارة: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل) (^١).
والطريق إلى الله شاقة محفوفة بالمكاره فقاموا في تلك الساعة يخففون من مشقتها بالتزود من بركات هذه الأوقات وخيراتها، منتهزين غناها وفضلها، وقوة تأثيرها في
_________________
(١) رواه الترمذي (٤/ ٦٣٣)، والحاكم (٤/ ٣٤٣)، وهو صحيح.
[ ٢١٣ ]
تذليل الصعوبات.
والطريق إلى الله كثيرة المخاطر بقطاع الطريق فنهضوا تلك الساعة سائرين مستغلين هجعة لصوص هذه السبيل، داعين اللهَ بالثبات عليها، والنجاة من قطّاعها. والنهار فيه حرارة وصخب وازدحام وانشغال بال فقاموا هذه اللحظات لطيب نسيمها وهدوئها، وتفرغ البال وصفاء الذهن فيها، وسكون القلوب وخضوع الجوارح في أحضانها. والنهار انتشار ورؤية وزحام، وهم يريدون أن يراهم من في السماء وحده، فقاموا تلك الساعة ليراهم الخالق لا ليراهم الخلق، وقاموا في تلك الساعة مسارعين ليكونوا من المتقين: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
في تلك اللحظات المشرقة تقف الأقدام الطاهرة في محراب العبادة، وكلُّ عابد له حادٍ يحدوه إلى ذلك الموقف البهي، وأهل الغفلة عن تلك اللحظات في سبات عميق، فـ" الليل منهل يرده أهل الإرادة كلهم، ويختلفون فيما يردون ويريدون، قد علم كل أناس مشربهم؛ فالمحب يتنعم بمناجاة محبوبه، والخائف يتضرع لطلب العفو ويبكي على ذنوبه، والراجي يلح في سؤال مطلوبه، والغافل المسكين -أحسن الله عزاءه- في حرمانه وفوات نصيبه" (^١). فلو درى ذلك الغافل بقدر الغنيمة التي ينالها أولئك القائمون الأخيار لطار عن عينيه النوم، ولهجر جنبه فراش الغفلة والكسل.
فضل صلاة الليل:
إن الصلاة بالليل ليست كالصلاة بالنهار، وإن قراءة القرآن في ذلك الوقت النفيس ليست كالقراءة في غيره من سائر الأوقات، قال ابن رجب: " صلاة الليل أشق على النفوس؛ فإن الليل محل النوم والراحة من التعب بالنهار، فتركُ النوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة، قال بعضهم: أفضل الأعمال ما أُكرهت عليه النفوس. ولأن القراءة في
_________________
(١) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٤٣).
[ ٢١٤ ]
صلاة الليل أقرب إلى التدبر؛ فإنه تنقطع الشواغل بالليل، ويحضر القلب، ويتواطأ هو واللسان على الفهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. ولهذا المعنى أمر بترتيل القرآن في قيام الليل ترتيلًا" (^١).
"والغرض أن ناشئة الليل هي ساعاته وأوقاته وكل ساعة منه تسمى ناشئة وهي الآنات، والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش" (^٢).
قال الحسن: "ما شيء أجهد على الرجل من مال أنفقه في حق، أو صلاةٍ من جوف الليل" (^٣).
ومما يدل على فضل هذه الصلاة العظيمة:
أولًا: أنها أفضل الصلاة بعد المكتوبة
قال رسول الله ﷺ: (أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاةُ في جوف الليل) (^٤).
قال المناوي: " لأن الليل وقت السكون والراحة، فإذا صُرف إلى العبادة كانت على النفس أشد وأشق، وللبدن أتعب وأنصب، فكانت أدخل في معنى التكليف، وأفضل عند الله، ذكره الزمخشري. وبالصلاة ليلًا يتوصل إلى صفاء السرور ودوام الشكر، وهي بعد نوم أفضل، والمراد بالجوف هنا: السدس الرابع والخامس فهما أكمل من بقيته؛ لأنه الذي واظب عليه المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأنه أشق الأوقات استيقاظًا،
_________________
(١) المرجع السابق
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٢٤).
(٣) مصنف عبد الرزاق (١١/ ١٠٧).
(٤) رواه مسلم (٢/ ٨٢١).
[ ٢١٥ ]
وأحبها راحة، وأولاها لصفاء القلوب، وأقربها إلى الإجابة" (^١).
ثانيًا: أنها دأب الصالحين في كل أمة، قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣].
وقال رسول الله ﷺ: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكفر للسيئات، ومنهاةٌ عن الإثم) (^٢). (دأب الصالحين): أي: عادتهم وشأنهم (^٣).
ثالثًا: أن الله تعالى أمر بها رسوله ﷺ في مواضع متعددة من القرآن؛ ولهذا كان نبي الله لا يدعها إلا لعذر ويقضيها عند ذلك نهارًا شفعًا، وكان ﵊ يصليها ويحث عليها زوجاته وبناته وأصهاره.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٤]، وقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦].
عن عبد الله بن أبى قيس قال: قالت عائشة ﵂: لا تدع قيام الليل؛ فإن رسول الله ﷺ كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعدًا (^٤).
وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة (^٥).
_________________
(١) فيض القدير، للمناوي (٢/ ٤١).
(٢) رواه الترمذي (٥/ ٥٥٢)، والحاكم (١/ ٤٥١)، وهو صحيح.
(٣) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٩/ ٣٧٥).
(٤) رواه أبو داود (١/ ٥٠٤) وابن خزيمة (٢/ ١٧٧)، وهو صحيح.
(٥) رواه مسلم (١/ ٥١٢).
[ ٢١٦ ]
وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ استيقظ ليلة فقال: (سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتنة، ماذا أنزل من الخزائن؟! من يوقظ صواحبَ الحجرات؟ يا رُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) (^١).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ طرقه-أتاه ليلًا- وفاطمةَ بنت النبي ﵊ ليلة فقال: (ألا تصليان) (^٢).
رابعًا: أنها شرفُ المؤمن وعُلاه ورفعته
عن سهل بن سعد قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، عِشْ ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس) (^٣).
خامسًا: أن وقتها أحسن الأوقات للقرب من الله تعالى
عن عمرو بن عبسة أنه سمع النبي يقول: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) (^٤).
سادسًا: أن الله يعجب من أهل هذه الصلاة
عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: (عجب ربنا ﷿ من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحيِّه إلى صلاته، فيقول ربُّنا: أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه، ومن بين حيه وأهله إلى صلاته، رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي ..) (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٣٧٩).
(٢) رواه البخاري (١/ ٣٧٩) ومسلم (١/ ٥٣٧).
(٣) رواه الطبراني، المعجم الأوسط (٤/ ٣٠٦)، وهو حسن.
(٤) رواه الترمذي (٥/ ٥٦٩)، والحاكم (١/ ٤٥٣)، وهو صحيح.
(٥) رواه أحمد (٧/ ٦١)، وهو حسن.
[ ٢١٧ ]
قال ابن رجب: " وقوله: (ثار) فيه إشارة إلى قيامه بنشاط وعزم" (^١).
سابعًا: أنها من صفات الذين يؤمنون بآيات الله تعالى
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
أي: "ترتفع جنوب هؤلاء الذين يؤمنون بآيات الله عن فراش النوم، يتهجدون لربهم في صلاة الليل، يدعون ربهم خوفًا من العذاب وطمعًا في الثواب، ومما رزقناهم ينفقون في طاعة الله وفي سبيله. فلا تعلم نفس ما ادَّخر الله لهؤلاء المؤمنين مما تَقَرُّ به العين، وينشرح له الصدر؛ جزاء لهم على أعمالهم الصالحة (^٢).
ثامنًا: أنها من صفات عباد الرحمن الموعودين بالجنة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤].
تاسعًا: أنها من صفات الصالحين الذين جمعوا بين الخوف والرجاء والعلم، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
قال ابن عاشور: "وتخصيص الليل بقنوتهم لأن العبادة بالليل أعون على تمحض القلب لذكر الله، وأبعد على مداخلة الرياء، وأدل على إيثار عبادة الله على حظ النفس من الراحة والنوم؛ فإن الليل أدعى إلى طلب الراحة، فإذا آثر المرء العبادة فيه استنار قلبه بحب التقريب إلى الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]، فلا
_________________
(١) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٤٣).
(٢) التفسير الميسر (٧/ ٢٩٥).
[ ٢١٨ ]
جرم كان تخصيص الليل بالذكر دالًا على أن هذا القانت لا يخلو من السجود والقيام آناء النهار بدلالة فحوى الخطاب" (^١).
عاشرًا: أنها من صفات المتقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٨].
قال الحسن البصري: "كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقلَّه، ونشطوا فمدوا إلى السحر حتى كان الاستغفار بسَحر" (^٢).
قال ابن رجب: "كان بعض العلماء يقوم السحر فنام عن ذلك ليالي، فرأى في منامه رجلين وقفا عليه وقال أحدهما للآخر: هذا كان من المستغفرين بالأسحار فترك ذلك!
يا من كان له قلب فانقلب، يا من كان له وقت مع الله فذهب، قيامُ السحر يستوحش لك، صيام النهار يسأل عنك، ليالي الوصال تعاتبك.
تغيرتمُ عنَّا بصحبةِ غيرِنا … وأظهرتمُ الهُجرانَ ما هكذا كُنَّا
وأقسمتمُ أنْ لا تحولوا عن الهوى … فحلتمْ عن العهد القديم وما حُلنا
لياليَ كنا نستقي من وصالكم … وقلبي إلى تلك اللياليَ قد حنَّا" (^٣).
أسباب مُعِيَنة على قيام الليل:
إن قيام الليل والمداومة عليه ليس بالأمر اليسير على كل إنسان، بل هو توفيق من الله تعالى لمن قامت به صفات استحق بها الإكرام بإيقاظه بين يدي الله في الليل، هذه الصفات هي الأسباب التي تعين المسلم على صلاة الليل والحرص عليها، ومن أحسن
_________________
(١) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٤/ ٣٥).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٨١).
(٣) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٤٣).
[ ٢١٩ ]
من تكلم عن ذلك الإمام الغزالي، وسأذكر كلامه في ذلك ثم أعقب عليه بثلاثة أسباب أخرى.
قال ﵀: " اعلم أن قيام الليل عسير على الخلق إلا على من وفق للقيام بشروطه الميسرة له ظاهرًا وباطنًا.
فأما الظاهرة فأربعة أمور:
الأول: أن لا يكثر الأكل فيكثر الشرب فيغلبه النوم ويثقل عليه القيام، كان بعض الشيوخ يقف على المائدة كل ليلة ويقول: معاشر المريدين، لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فترقدوا كثيرا، فتتحسروا عند الموت كثيرا.
الثاني: أن لا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح وتضعف بها الأعصاب؛ فإن ذلك أيضًا مجلبة للنوم.
الثالث: أن لا يترك القيلولة بالنهار؛ فإنها سنة للاستعانة على قيام الليل.
الرابع: أن لا يحتقب الأوزار (^١) بالنهار (^٢)؛ فإن ذلك مما يقسي القلب، ويحول بينه وبين أسباب الرحمة، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري فما أبالي أن لا أقوم، فقال: ذنوبك قيدتك. وكان الحسن ﵀ إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم يقول: أظن أن ليل هؤلاء ليل سوء؛ فإنهم لا يقيلون. وقال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل: وما ذاك الذنب؟ قال: رأيت رجلًا يبكي فقلت في نفسي: هذا مراء … وهذا لأن الخير يدعو إلى الخير والشر يدعو إلى الشر .. فالذنوب كلها تورث قساوة القلب وتمنع من قيام الليل، وأخصها بالتأثير تناول
_________________
(١) احتقب الإثم: ارتكبه. المعجم الوسيط (١/ ١٨٧).
(٢) قيل لابن مسعود ﵁: ما نستطيع قيام الليل؟ قال: أقعدتكم ذنوبكم. وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم كبَّلتك خطيئتك. لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٤٣).
[ ٢٢٠ ]
الحرام، وتؤثر اللقمة الحلال في تصفية القلب وتحريكه إلى الخير ما لا يؤثر غيرها، ويعرف ذلك أهل المراقبة للقلوب بالتجربة بعد شهادة الشرع له؛ ولذلك قال بعضهم: كم من أكلة منعت قيام ليلة، وكم من نظرة منعت قراءة سورة، وإن العبد ليأكل أكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة، وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات ..
وأما الميسِّرات الباطنة فأربعة أمور:
الأول: سلامة القلب عن الحقد على المسلمين وعن البدع، وعن فضول هموم الدنيا، فالمستغرق الهم بتدبير الدنيا لا يتيسر له القيام وإن قام فلا يتفكر في صلاته إلا في مهماته، ولا يجول إلا في وساوسه وفي مثل ذلك يقال:
يخبِّرني البوّابُ أنك نائمٌ … وأنت إذا استيقظت أيضًا فنائمُ
الثاني: خوفٌ غالب يلزم القلب مع قصر الأمل؛ فإنه إذا تفكر في أهوال الآخرة ودركات جهنم طار نومه وعظم حذره؛ كما قال طاوس: إن ذكر جهنم طير نوم العابدين …
قال ابن المبارك:
إذا ما الليلُ أظلمَ كابدوه … فيسفرُ عنهمُ وهمُ ركوعُ
أطار الخوفُ نومَهمُ فقاموا … وأهلُ الأمن في الدنيا هجوعُ
الثالث: أن يعرف فضل قيام الليل بسماع الآيات والأخبار والآثار حتى يستحكم به رجاؤه وشوقه إلى ثوابه، فيهيجه الشوق لطلب المزيد والرغبة في درجات الجنان.
الرابع وهو أشرف البواعث: الحب لله وقوة الإيمان بأنه في قيامه لا يتكلم بحرف إلا وهو مناجٍ ربَّه، وهو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه، وأن تلك الخطرات من الله تعالى خطاب معه، فإذا أحب الله تعالى أحب لا محالة الخلوة به، وتلذذ بالمناجاة، فتحمله
[ ٢٢١ ]
لذة المناجاة بالحبيب على طول القيام" (^١).
ومن الأسباب أيضًا:
أولًا: الدعاء بالتوفيق لقيام الليل مع العمل بالأسباب الميسرة السابقة.
ثانيًا: التعاون بين الزوجين، فإذا نشط أحدهما فليعن الآخرَ على ذلك.
عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) (^٢).
وعن أبى سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ: (من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين جميعًا كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات) (^٣).
قال ابن رجب: " كانت امرأة حبيب توقظه بالليل وتقول: ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدّامنا، ونحن قد بقينا!.
يا راقدَ الليل كم ترقدُ … قمْ يا حبيبيْ قد دنا الموعدُ
وخذْ من الليل وأوقاته … وِرْدًا إذا ما هجع الرُّقدُ" (^٤).
ثالثًا: استخدام الوسائل المنبِّهة للاستيقاظ في الساعة التي يريدها مريد القيام؛ كاستعمال منبه الساعة ومنبه الجوال.
_________________
(١) إحياء علوم الدين، للغزالي (١/ ٣٥٦).
(٢) رواه داود (١/ ٥٠٤) وابن ماجه (١/ ٤٢٤)، وهو حسن.
(٣) رواه أبو داود (١/ ٥٤٣)، وابن ماجه (١/ ٤٢٣)، وهو صحيح.
(٤) لطائف المعارف (ص: ٤٣).
[ ٢٢٢ ]
ثمرات قيام الليل:
صلاة الليل عبادة عظيمة تورث أهلها آثارًا طيبة، وثمرات نافعة في الدنيا والآخرة، ففوائدها لا تحصى، وعوائدها لا تستقصى. "كان سَريٌّ يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلمة الليل، ماذا فات من فاته خير الليل؟ لقد حصل أهل الغفلة والنوم على الحرمان والويل. كان بعض السلف يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آت في منامه فقال له: قم فصلِّ، ثم قال له: أما علمت أن مفاتح الجنة مع أصحاب الليل هم خزانها هم خزانها. وكان آخر يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آت في منامه فقال: ما لك قصرت في الخِطبة؟ أما علمت أن المتهجد إذا قام إلى تهجده قالت الملائكة: قام الخاطب إلى خطبته. ورأى بعضهم حوراء في نومه فقال لها: زوجيني نفسك، قالت: اخطبني إلى ربي وأمهرني، قال: ما مهرك؟ قالت: طول التهجد. نام ليلةً أبو سليمان فأيقظته حوراء وقالت: يا أبا سليمان، تنام وأنا أُربّى لك في الخدور من خمسمائة عام؟!. واشترى بعضهم من الله تعالى حوراء بصداق ثلاثين ختمة فنام ليلة قبل أن يكمل الثلاثين فرآها في منامه تقول له:
أتخطبُ مثلي وعني تنامُ … ونومُ المحبين عني حرامُ
لأنا خُلقنا لكل امرئ … كثيرِ الصلاة براه الصيام" (^١).
فمن تلك الثمرات:
أولًا: تكفير السيئات وغفران الخطيئات، قال رسول الله ﷺ: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكفر للسيئات، ومنهاة عن الإثم) (^٢).
وقال رسول الله ﷺ: (إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله تبارك
_________________
(١) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٤٣).
(٢) رواه الترمذي (٥/ ٥٥٢)، والحاكم (١/ ٤٥١)، وهو صحيح.
[ ٢٢٣ ]
وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل يعطى، هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له؟ حتى ينفجر الصبح) (^١). فأين أصحاب الحاجات في هذه اللحظات، وأين من لفحتهم الخطايا عن برد هذه الأوقات؟.
ثانيًا: الانصراف عن الآثام، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إن فلانًا يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق قال: (إنه سينهاه ما تقول) (^٢).
ثالثًا: إجابة الدعاء، ففي تلك اللحظات الغالية يجد القائم للدعاء طعمًا آخر، فتلهج به لسانه، فيصعد إلى السماء في لحظات القرب والإجابة، والاستغفار والإنابة، عندما يقرب العبد فيها من ربه، ويقرب الرب فيها من عبده، فتفتح السماء فيستجاب دعاء الداعين، وتقضى حاجات السائلين.
قال النبي ﷺ: (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة) (^٣).
وقال النبي ﷺ: (رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عُقد فيتوضأ، فإذا وضأ يديه انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح برأسه انحلت عقدة، وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الله للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه يسألني، ما سألني عبدي فهو له) (^٤).
قال ابن حجر في شرح حديث أم سلمة المتقدم: (من يوقظ صواحب الحجرات ..): "وفي الحديث الندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتنة ولا سيما في الليل؛ لرجاء وقت
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٣٨٤)، ومسلم (١/ ٥٢١).
(٢) رواه أحمد (١٥/ ٤٨٣)، وهو صحيح.
(٣) رواه مسلم (١/ ٥٢١).
(٤) رواه أحمد (٢٩/ ٣٢٩) وابن حبان (٣/ ٣٢٩)، وهو صحيح.
[ ٢٢٤ ]
الإجابة لتكشف أو يسلم الداعي، ومن دعا له" (^١).
رابعًا: أنه سبب لنيل محبة الله تعالى، عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم؛ الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله ﷿ فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله ﷿ ويكفيه فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟ والذي له امرأة حسنة، وفراش لين حسن فيقوم من الليل فيقول: يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا، فقام من السحر في ضراء وسراء) (^٢).
خامسًا: أنه سبيل إلى الجنة، قال ﷺ: (يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) (^٣).
وعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: (إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام) (^٤).
سادسًا: الشعور باللذة والراحة والفرح، أيّ ساعة ألذ من لحظات تلك الساعة! وأي حلاوة في لذات الدنيا تفوق حلاوتها؟ فما أغلى لحظات تلك الساعة! فغالي الحياة رخيص معها، وما أعلا تلك اللحظات! وهل للروح مصعد أقرب وأسرع إلى السماء منها؟ وما أطهر تلك اللحظات! فمن تنجس بدنس الذنوب فليرِدْها ففيها مغتسل بارد وشراب. في صلاة الليل الخاشعة يحضر القلب وتسكن الجوارح فيكون للصلاة لذة عظيمة يُستعذب معها طولُ القيام، ويكون للقرآن حلاوة تتسلل إلى النفس حاملة معها حروفًا من نور تتفرع في جوانبها لتضيء حياتها بأسرها، ويمتلئ الصدر سعادة غامرة،
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٢٣).
(٢) رواه الطبراني، المعجم الكبير (١٠/ ٢٠٨) بإسناد حسن.
(٣) رواه الترمذي (٤/ ٦٥٢)، وابن ماجه (١/ ٤٢٣)، وهو صحيح.
(٤) رواه أحمد (٣٧/ ٥٣٩)، وهو صحيح.
[ ٢٢٥ ]
ينفسح بها وينشرح، فتتقشع عند ذلك سحائب الضيق، ويتضمخ العيش بأريج الحياة الطيبة، وتنجلي منه روائح الشقاء والعناء. وفي هذه الجنة الوارفة الظلال يتسابق الوقت ويقصر، لكن اللذة تمتد وتطول، فلا يقطع هذه الحلاوة والساعة المباركة إلا لمعانُ سيف الفجر، فيعود المحب وقد دخل جنة لا يعرفها إلا القليل من الناس، وهو مازال يمشي على وجه الأرض.
فـ"ما عند المحبين ألذ من أوقات الخلوة بمناجاة محبوبهم الذي هو شفاء قلوبهم ونهاية مطلوبهم …
قال ثابت البناني ﵀: ما شيء أجده في قلبي ألذّ عندي من قيام الليل، وقال سفيان ﵀: إذا جاء الليل فرحت، وإذا جاء النهار حزنت، وقال أبو سليمان الداراني ﵀: لَأهلُ الطاعة بليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا" (^١).
سابعًا: الحُسن والبهجة على الوجوه، قيل للحسن: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خَلَوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره (^٢).
ففي صلاة الليل ينسكب النور على القائمين الخاشعين فتكتسي وجوههم حُللَ السناء والضياء، وتشرق قلوبهم فترى طريقها إلى الله تعالى، وتنشرح صدورهم فتعرف قدر كلامه سبحانه.
فأي وجوه أشد تلألأً من وجوه أهل تلك العبادة، فمن" كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" (^٣).
فإذا انقضت لحظات القرب من الرب رجع أولئك الأخيار سيماهم في وجوههم من
_________________
(١) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٤٣).
(٢) فضل قيام الليل والتهجد للآجري (ص: ٥).
(٣) قاله شريك بن عبد الله القاضي، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، للقزويني (١/ ١٧١).
[ ٢٢٦ ]
أثر بقائهم في تلك الرياض المشرقة ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، فعادوا كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، فبسق عود الإيمان، وتفرّعت أغصانه، وينعت ثماره سكينة وطمأنينة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
أسوة حسنة:
إن الصالحين الصادقين حينما عرفوا فضل قيام الليل وحسن أثره انطلقت أقدامهم عجلى إلى مواضع صلاتهم، تحمل أجسادًا تحذر الآخرة، وترجو رحمة ربها، وجافت جنوبهم مضاجعهم، والأنيسُ ودُود، والنوم لذيذ، والبرد شديد، ولكن الشوق إذا سما لا تهبطه نوازع المحابِّ الصادة، والمكاره الرادة، والغايةُ متى عظمت فما في الدنيا شاغل عنها.
فلما رأوا " الليل قد هجم عليهم ونظروا إلى أهل السآمة والغفلة قد سكنوا إلى فرشهم، ورجعوا إلى ملاذهم من الضجعة والنوم؛ قاموا إلى الله فرحين مستبشرين بما قد وهب لهم من حسن عبادة السهر وطول التهجد، فاستقبلوا الليل بأبدانهم وباشروا ظلمته بصفاح وجوههم، فانقضى عنهم الليل وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا ملت أبدانهم من طول العبادة، فأصبح الفريقان وقد ولى عنهم الليل بربح وغبن؛ أصبح هؤلاء قد ملوا النوم والراحة، وأصبح هؤلاء متطلعين إلى مجيء الليل للعبادة، شتان ما بين الفريقين، فاعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده؛ فإن المغبونَ من غُبن خير الليل والنهار، والمحروم من حرم خيرهما، إنما جعلا سبيلًا للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالًا على الآخرين للغفلة عن أنفسهم، فأحيا الله أنفسهم بذكره، فإنما تحيا القلوب بذكر الله. كم من قائم لله في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه، عندما يرى من كرامة الله للعابدين غدًا، فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام رحمكم الله" (^١). واقتدوا بمن سبق على هذا الطريق من القائمين
_________________
(١) التهجد وقيام الليل، لابن أبي الدنيا (ص: ٣٣٩).
[ ٢٢٧ ]
الخاشعين، واسمعوا بعض أخبارهم؛ لعل في ذلك شحذًا للهمة، وعونًا على القيام في الليالي المظلمة.
=عن عائشة ﵂ أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: (أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا). فلما كثر لحمه صلى جالسًا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع (^١).
=عن سالم عن ابن عمر ﵄ قال: (نعمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي بالليل). قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلا (^٢).
=عن الربيع بن عبد الرحمن قال: قال الحسن: "لقد صحبت أقوامًا يبيتون لربهم في سواد هذا الليل سجدًا وقيامًا، يقومون هذا الليل على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم، فمرة ركعًا ومرة سجدًا، يناجون ربهم في فكاك رقابهم، لم يملوا كلال السهر لما قد خالط قلوبهم من حسن الرجاء في يوم المرجع، فأصبح القوم بما أصابوا من النصب لله في أبدانهم فرحين، وبما يأملون من حسن ثوابه مستبشرين. فرحم الله امرءًا نافسهم في مثل هذه الأعمال، ولم يرضَ من نفسه لنفسه بالتقصير في أمره واليسير من فعله؛ فإن الدنيا عن أهلها منقطعة، والأعمال على أهلها مردودة، قال: ثم يبكي حتى تبتل لحيته بالدموع (^٣).
=وقال الفضيل بن عياض: "أدركت أقوامًا يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة، إنما هو على الجنب، فإذا تحرك قال: ليس هذا لكِ، قُومي خذي حظكِ من الآخرة (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٤/ ١٨٣٠) ومسلم (٤/ ٢١٧٢).
(٢) رواه البخاري (٣/ ١٣٦٧).
(٣) التهجد وقيام الليل، لابن أبي الدنيا (ص: ٣٤٠).
(٤) حلية الأولياء، لأبي نعيم (٨/ ١٠٨).
[ ٢٢٨ ]
=وكان عبيد بن عمير يقول إذا جاء الشتاء: يا أهل القرآن، طال الليل لصلاتكم، وقصر النهار لصيامكم، فاغتنموا (^١).
=وعن داود بن إبراهيم أن الأسد حبس الناس ليلة في طرق الحج، فلما كان في السحر ذهب عنهم، فنزل الناس يمينًا وشمالًا، وألقوا أنفسهم فناموا، وقام طاووس يصلي، فقال رجل لطاوس: ألا تنام؛ فإنك نصبت-تعبت- الليلة؟ قال طاوس: وهل يُنام السحر؟! (^٢).
=وقال إبراهيم بن شمّاس: كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام وهو يحيي اللّيل (^٣).
=وكان محمد بن واسع يصلي في طريق الحج طول ليله، ويأمر حاديه أن يرفع صوته؛ ليشغل الناس عنه. وكان بعضهم يقوم من وسط الليل ولا يدري به، فإذا كان قرب طلوع الفجر رفع صوته بالقرآن يوهم أنه قام تلك الساعة (^٤).
=وكان داود الطائي يقول في الليل: همُّك عطّل عليَّ الهموم، وخالف بيني وبين السهاد، وأوثقَ مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، وا شوقي إلى النظر إليك (^٥).
=قال ابن رجب: "من لم يشاركهم في هواهم ويذق حلاوة نجواهم لم يدر ما الذي أبكاهم، من لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الذي آلم قلب يعقوب!
من لم يبتْ والحبُّ حشوُ فؤادِهِ … لم يدرِ كيف تَفتّتُ الأكبادُ
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٣٤٤).
(٢) شعب الإيمان، للبيهقي (٣/ ١٦٦).
(٣) الآداب الشرعية، لابن مفلح (٢/ ١٦٢).
(٤) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٤٣).
(٥) التبصرة، لابن الجوزي (١/ ٣٩٠).
[ ٢٢٩ ]
يا حُسنَهم والليلُ قد جنَّهمُ … ونورُهمْ يفوقُ نورَ الأنجمِ
ترنّموا بالذِّكر في ليلهمُ … فعيشُهم قد طابَ في الترنُّم
قلوبُهمْ للذكر قد تفرّغت … دموعُهم كلؤلؤ منظَّم
أسحارُهمْ بهم لهم قد أشرقت … وخلِعُ الغفران خَيرُ القِسمِ" (^١).
_________________
(١) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٤٣).
[ ٢٣٠ ]