تقدمون لها، هذا هو طبعكم -أيها الناس- إلا مَنْ ذكر الله فصلى بعد أن آمن واهتدى، في حين أن الآخرة خير من الدنيا نوعًا وأبقى مدة، قال مالك بن دينار: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يُؤثَر خزفٌ يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى؟! (^١). وقال رسول الله ﷺ: ("اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الْآخِرَة) (^٢). " أي: لا هذا الفاني الزائل؛ لأنّ الآخرة باقية وعيشها باق، والدنيا ظل زائل. والقصد بذلك: فطم النفس عن الرغبة في الدنيا، وحملُها على الرغبة في الآخرة" (^٣). فعيشُ الآخرة هو: " العيش الكامل، وما سواه ظل زائل، وحال حائل" (^٤).
غير أن أكثر الناس مع سطوع هذه الحقيقة آثروا العاجلة وأحبوها، وتركوا الآخرة فلم يعملوا لها. قال ابن رجب: " وأما أكثر الناس فلم يزالوا في سكرة الدنيا والتكاثر فيها، فشغلهم ذلك عن الآخرة، حتّى فاجأهم الموتُ بغتةً على هذه الغِرة، فهلكوا وأصبحوا ما بين قتيل وأسير. وما أحسن قولَ يحيى بن معاذ الرازي: الدنيا خمرُ الشيطان، من سَكِرَ منها لم يُفِقْ إلا في عسكر الموتى نادمًا مع الخاسرين" (^٥).
فلذلك لم تكن الآخرة خيرًا إلا للمتقين الذي استعدوا لها، قال تعالى: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]، وقال: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
_________________
(١) أيسر التفاسير للجزائري (٥/ ٥٥٨).
(٢) رواه البخاري (٥/ ٢٣٥٧)، ومسلم (٣/ ١٤٣١).
(٣) التيسير بشرح الجامع الصغير - للمناوي (١/ ٤١٢).
(٤) فيض القدير، للمناوي (٥/ ٦٨).
(٥) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٤٢/ ٦).
[ ٣٦٤ ]
اجعلِ الآخرة همَّك:
فاستعد -أيها المسلم- لهذه الدار، وهيّءْ زاد النجاة الذي ينفعك عند الرحلة إليها، ولْتكن الآخرة هي همّك في هذه الحياة، وذِكرُها لا يغيب عن بالك، والعناية بها ملازمة لك في جميع أعمالك وأحوالك؛ فإن ذلك سبب سعادتك في دنياك وآخرتك. عن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كانت الدنيا همَّه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيَّتَه جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) (^١). قال مالك بن دينار: "بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج همُّ الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة كذلك يخرج هم الدنيا من قلبك" (^٢). وقال الفضيل بن عياض: " حزن الدنيا للدنيا يذهب بهمِّ الآخرة، وفرح الدنيا للدنيا يذهب بحلاوة العبادة" (^٣). وعن سلام بن مسكين قال: "كان الحسن كثيرًا ما يقول: يا معشر الشباب، عليكم بالآخرة فاطلبوها؛ فكثيرًا رأينا مَنْ طلب الآخرة فأدركها مع الدنيا، وما رأينا أحدًا طلب الدنيا فأدرك الآخرة مع الدنيا" (^٤). وقال الكتاني: "كن في الدنيا ببدنك، وفي الآخرة بقلبك" (^٥). وقال لقمان لابنه: "يا بني، إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعًا يذهبون، وإنه قد استدبرت الدنيا لتذهب واستقبلت الآخرة، وإن دارًا تسير إليها أقرب إليك من دار تخرج منها" (^٦). وقال ابن الجوزي: "همةُ المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكلُّ مَنْ شغله شيء فهمّته شغلُه؛ ألا ترى أنه لو دخل أرباب
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢/ ١٣٧٥)، والطبراني، المعجم الكبير (٥/ ١٤٣)، وهو صحيح.
(٢) الزهد الكبير، للبيهقي (ص: ١٣٤).
(٣) المرجع السابق (ص: ١٣٥).
(٤) المرجع السابق (ص: ٦٥).
(٥) الزهد الكبير، للبيهقي (ص: ١٤١).
(٦) المرجع السابق (ص: ٢٠١).
[ ٣٦٥ ]
الصنائع إلى دار معمورة، رأيت البزّاز ينظر إلى الفرش ويحزر قيمته، والنجار إلى السقف، والبنّاء إلى الحيطان، والحائك إلى النسيج المخيط. والمؤمن إذا رأى ظلمة ذَكرَ ظلمة القبر، وإن رأى مؤلمًا ذكر العقاب، وإن سمع صوتًا فظيعًا ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نيامًا ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذةً ذكر الجنة؛ فهمّتُهُ متعلقةٌ بما ثَمَّ، وذلك يشغله عن كل ما تمّ. وأعظمُ ما عندَه أنه يتخايلُ دوام البقاء في الجنة، وأنَّ بقاءه لا ينقطع ولا يزالُ ولا يعتريه منغصٌ، فيكاد إذا تخايل نفسه متقلبًا في تلك اللَّذَّات الدائمة التي لا تفنى يطيشُ فَرَحًا، ويسهُلُ عليه ما في الطريق إليها من ألم ومرض وابتلاءٍ، وفقد محبوبٍ، وهُجوم الموت ومعالجةِ غُصَصِهِ؛ فإنَّ المشتاق إلى الكعبة يهونُ عليه رمْلُ زَرُودَ، والتائِقُ إلى العافية لا يبالي بمرارة الدواء، ويعلم أن جوْدَةَ الثمر ثَمَّ على مقدار جودَةِ البَذْرِ ها هُنا؛ فهو يتخيَّرُ الأجودَ، ويغتنم الزرع في تشرين العمر من غير فتورٍ. ثم يتخايلُ المؤمن دخول النار والعقوبة، فيتنغص عيشهُ ويقوى قلقُه. فعنده بالحالين شغل عن الدنيا وما فيها، فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة، وفي صحراء الخوف أخرى، فما يرى البنيان .. " (^١).
أسرع ولا تبطئ:
فما أحسن أن تقضي عمرك في العمل للآخرة، وتسارع إلى كل عمل يسعدك فيها، وتتقرب إليه بما آتاك الله في هذه الحياة الدنيا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. وقال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]. وقال النبي ﷺ: (التؤدة في كل شيء خير، إلا في عمل الآخرة) (^٢).
وإياك والتسويف وطول الأمل؛ فإن الدنيا مولية عنك، والآخرة مقبلة عليك. قال
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٣٠٨).
(٢) رواه أبو داود (٤/ ٤٠٣)، والحاكم (١/ ١٣٢)، وهو صحيح.
[ ٣٦٦ ]
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل؛ فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبِرة، ألا وإن الآخرة قد ترحلت مقبِلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل" (^١). وقال بعضُ الحكماء: "عجبتُ ممَّنِ الدُّنيا موليةٌ عنه، والآخرة مقبلةٌ إليه يشتغلُ بالمدبرة، ويُعرِض عن المقبلة! " (^٢). وقال ابن الجوزي في مواعظه: "أيها العبد، تناهَ عن قبيح فعلك، قبل انبثاث جهلك، وانظر لنفسك في أمرك، قبل حلولك في قبرك. كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فكأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل. ووعظ أعرابي ابنه فقال: لا الدهر يعظك، ولا الأيَّام تنذرك، والساعات تعد عليك، والأنفاس تعد منك، أحب أمريك إليك أردهما بالمضرة عليك. ووجد على حجر مكتوب: ابنَ آدم، لو رأيتَ ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبتَ في الزيادة في عملك، ولقصَّرت من جهلك وحِيلك، وإنما يلقاك ندمُك إذا زلّتْ قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وباعدك الولد القريب، ورفضك الولد والنسيب، فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد، فاعمل ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة" (^٣). وقال ذو النون المصري: ثلاثة من أعلام حب الآخرة: كثرة البكاء، والذكر لها، ودوام الشوق إليها، وبغض الدنيا من أجلها (^٤).
حسن القصدة منجاة:
وليكن مع عملك للآخرة خوفٌ وحذر، لا عجب ولا غرور، ولا ركون ولا أمان؛ فالقلوب بيد الله، وقبول العمل لا يعلمه إلا هو، فاهتم بحسن القصد، وصحة القلب؛ فإن
_________________
(١) حلية الأولياء، لأبي نعيم (١/ ٧٦).
(٢) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٤٢/ ٣).
(٣) مواعظ ابن الجوزي (ص: ١٦).
(٤) الزهد الكبير، للبيهقي (ص: ٧١).
[ ٣٦٧ ]
سلامته طريق إلى العمل الخالص للآخرة، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. قال ابن كثير: " وقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أي: في حال عبادته خائف راجٍ، ولا بد في العبادة من هذا وهذا، وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ " (^١). قال ابن القيم: " وكلما صح القلب من مرضه ترحّل إلى الآخرة، وقرب منها، حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثرَ الدنيا واستوطنها، حتى يصير من أهلها" (^٢).
وتذكّر الوقوفَ بين يدي الله للمسألة والحساب في ذلك اليوم، واحضرِ الأحوال المذكّرة لك بالآخرة؛ فإن ذلك من أعظم ما يحث سيرك إلى العمل والاستعداد.
قال الفضيل لرجل: "كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة، قال له: أنت من ستين سنة تسير إلى ربك! يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: من علم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف، وأنه مسؤول، فليعد للمسألة جوابًا، فقال له الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: ماهي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى؛ فإنك إن أسأت فيما بقي أُخذت بما مضى وما بقي" (^٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (عُودُوا الْمَرضى، وَامْشُوا مَعَ الْجَنَائِزِ تُذَكِّرْكُمُ الْآخِرَةَ) (^٤).
اعرف حقيقة الدنيا:
إن أعظم ما يعلِّق قلب الإنسان بالآخرة، ويجعله يستعد لها، ويسارع إلى أعمالها: أن
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٩).
(٢) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٧١).
(٣) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ١٠٨).
(٤) رواه أحمد (١٧/ ٢٧٤)، وابن حبان (٧/ ٢٢١)، وهو صحيح.
[ ٣٦٨ ]
يعرف حقيقة الدنيا، ثم يزهد فيها، ويعرض عن زينتها وما يلهيه عن الآخرة من عرضها ومتاعها؛ فإن التعلق بالدنيا، والانغماس في شهواتها يقف عائقًا في طريق العمل للآخرة.
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (استحيوا من الله حق الحياء)، قلنا: يا رسول الله، إنا نستحيي والحمد لله، قال: (ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولْتذكرِ الموتَ والبِلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء) (^١).
قال المناوي: "قوله: (وليذكر الموت والبلى)؛ لأن من ذكر أن عظامه تصير بالية، وأعضاؤه متمزقة، هان عليه ما فاته من اللذات العاجلة، وأهمّه ما يلزمه من طلب الآجلة، وعمل على إجلال الله وتعظيمه، وهذا معنى قوله: (ومن أراد الآخرة) أي: الفوز بنعيمها (ترك زينة الدنيا)؛ لأن الآخرة خُلقت لحظوظ الأرواح، وقرة عين الإنسان، والدنيا خُلقت لمرافق النفوس وهما ضرتان: إذا أرضيت إحداهما أغضبت الأخرى، فمن أراد الآخرة وتشبث بالدنيا كان كمن أراد أن يدخل دار ملك دعاه لضيافته وعلى عاتقه جيفة، والملك بينه، وبين الدار عليه طريقُه، وبين يديه ممرُّه وسلوكه، فكيف يكون حياؤه منه؟ فكذا مريد الآخرة مع تمسكه بالدنيا، فإذا كان هذا حال من أراد الآخرة فكيف بمن أراد من ليس كمثله شيء؟ فمن أراد الله فليرفض جميع ما سواه استحياء منه بحيث لا يرى إلا إياه" (^٢). وقال أحمد بن أبي الحواري: "من عرف الدنيا زهد فيها، ومن عرف الآخرة رغب فيها، ومن عرف الله آثر رضاه" (^٣). وقال أيضًا: " سمعت أبا سليمان يقول: إذا سكنت الدنيا في القلب ترحّلت منه الآخرة" (^٤). وكتب عمر إلى أبي موسى: "إنك لن
_________________
(١) رواه الترمذي (٤/ ٦٣٧)، وهو حسن.
(٢) فيض القدير، للمناوي (١/ ٤٨٧).
(٣) الزهد الكبير، للبيهقي (ص: ١٤٠).
(٤) المرجع السابق (ص: ١٣٥).
[ ٣٦٩ ]
تنال عمل الآخرة بشيء أفضل من الزهد في الدنيا" (^١). وقال الحسن: "يا ابن آدم، بعْ دنياك بآخرتك تربحهما جميعًا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعًا (^٢).
القلب هناك:
فيا سعد من كان من أبناء الآخرة، ولم يكن من أبناء الدنيا، فاستعد لدار القرار، وانقطع لها بهمِّه وفكره وعمله، فأصبح في الدنيا بجسده وفي الآخرة بروحه، فعافَ هذه الحياة الفانية وهجرها، وأحب تلك الدار الباقية وهاجر بقلبه إليها، قال ابن القيم: " فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها، وخمدت من نفسه نيران الشهوات، وأخبت قلبه إلى الله، وعكفت همته على الله وعلى محبته وإيثار مرضاته، واستحدثت همة أخرى وعلومًا أُخر، ووُلِد ولادة أخرى تكون نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه، فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة، وكما كان بطن أمه حجابًا لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة، فخروج قلبه عن نفسه بارزًا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزًا إلى هذه الدار، وهذا معنى ما يذكر عن المسيح أنه قال: يا بني إسرائيل، إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين" (^٣).
_________________
(١) الزهد لوكيع (١/ ٥).
(٢) البيان والتبيين، للجاحظ (ص: ٤٥٠).
(٣) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ٢٧٦).
[ ٣٧٠ ]
واعظُ الموت
رحلة لابد منها، ومطيَّة لا مناص من ركوبها، وسفر لا مهرب من التخلف عنه، ونهاية لاشك في الوصول إليها، إنها رحلة الموت إلى القبور، ومطية الركوب إلى تلك الدور، وسفر الوداع إلى منازل الأجداث، ونهاية الحياة الدنيا، وابتداء الحياة الآخرة.
يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]. " يقول ﷿: وجاءت أيها الإنسان، سكرة الموت بالحق أي: كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك فلا محيد ولا مناص ولا فكاك ولا خلاص" (^١).
وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
"وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس؛ فإِنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإِذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها في صلب آدم وانتهت البرية، أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة" (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٧٠).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٥٣٥).
[ ٣٧١ ]