إن محبة الله تعالى عبادةٌ من أعظم العبادات، وقُربة من أجلِّ القربات، ودرجة عليا إذا صدق صاحبها فيها بلَّغته أعلى المقامات، وأنالته أحسنَ الهبات. فهي" حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذّة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلّا بها. وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمّه، واللّسان إذا فقد نطقه، بل فساد القلب إذا خلا من محبّة فاطره وبارئه وإلهه الحقّ أعظم من فساد البدن إذا خلا من الرّوح، وهذا الأمر لا يصدّق به إلّا من فيه حياة" (^١).
وهي" المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عَلَمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبرَوح نسيمها تروّح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون، وهي الحياة التي من حُرِمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشِّفاء الذي من عدمه حلّت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام.
وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدًا واصليها، وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة؛ إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر
_________________
(١) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ١٦٨).
[ ٨٣ ]
مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب، فيالها من نعمة على المحبين سابغة!
تالله لقد سبق القوم السُّعاة وهم على ظهور الفرش نائمون، وقد تقدموا الرَّكبَ بمراحل وهم في سيرهم واقفون.
مَنْ لي بمثلِ سَيْرك المدلَّلِ … تمشي رُويدًا وتجيْ في الأولِ
أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم: حي على الفلاح، وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم وكان بذلهم بالرضى والسماح، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح، تالله لقد حمدوا عند الوصول سُراهم، وشكروا مولاهم على ما أعطاهم، وإنما يحمد القومُ السُّرى عند الصباح" (^١).
وكيف لا نحب الله سبحانه وهو ربنا وخالقنا، ورازقنا، والمنعم علينا بكل نعمة نحن فيها؟!
ولا ريب أنه "لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها؛ فهو إلهها ومعبودها، ووليها ومولاها، وربها ومدبِّرها ورازقها، ومميتها ومحييها، فمحبته نعيم النفوس وحياة الأرواح، وسرور النفوس وقوت القلوب، ونور العقول وقرة العيون وعمارة الباطن، فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أسرَّ ولا أنعمَ من محبته، والأنس به والشوق إلى لقائه، والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة … فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب وله أحب وإليه أقرب؛ وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه ولا يعرف إلا بالذوق والوجد" (^٢).
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٦).
(٢) إغاثة اللهفان، لابن القيم (٢/ ١٩٧).
[ ٨٤ ]
" لو عرفنا حبيَبنا ما سلونا، ولكن قدره ما قَدَرنا، لو سعدنا بوصله ما شقينا، لو غنينا بفضله ما افتقرنا، لو روينا من حبِّه ما ظمئنا، لو سلكنا في طريقه ما عثرنا، هو نِعم الحبيب لكننا بئس المحبون" (^١).
إن المحبة علامة فارقة بين الموحدين والمشركين؛ فالموحدون صرفوها لله تعالى وحده، دون شريك؛ ولذلك كان" أصل التوحيد وروحه: إخلاص المحبة لله وحده، وهي أصل التأله والتعبد له، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه، وتسبق محبته جميع المحاب وتغلبها، ويكون لها الحكم عليها بحيث تكون سائر محاب العبد تبعًا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه. ومن تفريعها وتكميلها: الحب في الله، فيحب العبد ما يحبه الله من الأعمال والأشخاص، ويبغض ما يبغضه الله من الأشخاص والأعمال، ويوالي أولياءه ويعادي أعداءه، وبذلك يكمل إيمان العبد وتوحيده" (^٢).
وأما المشركون فأخلصوها لمعبوداتهم من دون الله، أو أشركوا بينهم وبينه فيها؛ "فمعلوم أن أصل الإشراك العملي بالله الإشراك في المحبة؛ قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ …﴾ [البقرة: ١٦٥]. فأخبر أن من الناس من يشرك بالله فيتخذ أندادًا يحبونهم كما يحبون الله، وأخبر أن الذين آمنوا أشد حبًا لله من هؤلاء، والمؤمنون أشد حبًا لله من هؤلاء لأندادهم ولله؛ فإن هؤلاء أشركوا بالله في المحبة فجعلوا المحبة مشتركة بينه وبين الأنداد، والمؤمنون أخلصوا دينهم لله الذي أصله المحبة لله فلم يجعلوا لله عدلًا في المحبة، بل كان الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما" (^٣).
_________________
(١) التذكرة في الوعظ، لابن الجوزي (ص: ٢٣).
(٢) القول السديد في مقاصد التوحيد، للسعدي (ص: ١٢٧).
(٣) قاعدة في المحبة (ص: ٦٩).
[ ٨٥ ]
المحبة الصادقة:
المحبة الصادقة لله: أن تهب إرادتك وعزمك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك له، وتجعلها حبسًا في مرضاته ومحابّه (^١).
قال ابن القيم: " أعظم صلاح العبد أن يصرف قوى حُبه كلها لله تعالى وحده، بحيث يحب الله بكل قلبه وروحه وجوارحه، فيوحد محبوبه ويوحد حبه .. والمحبة لا تصح إلا بذلك؛ فتوحيد المحبوب أن لا يتعدد محبوبه، وتوحيد الحب أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له" (^٢).
ومن تحقيق هذه المحبة: " أن لا يحب إلا في الله، ولا يبغض إلا فيه، ولا يوالي إلا فيه، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعطي إلا له ولا يمنع إلا له، ولا يرجو إلا إياه، ولا يستعين إلا به، فيكون دينه كله ظاهرًا وباطنًا لله، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه بل:
يعادي الذي عادى من الناس كلِّهم … جميعًا ولو كان الحبيبَ المصافيا
وحقيقة ذلك: فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمراضي ربه وحقوقه" (^٣).
مظاهر محبة العبد لله:
إن محبة الله تعالى قد يدعيها من ليس من أهلها، ويتفوه بها من هو كاذب في قولها؛ ولذلك كانت هناك مظاهر يُعرف بها المحب الصادق من المحب الكاذب أو المدعي للمحبة، فمن تلك المظاهر:
أولًا: موافقة الله فيما يحب وما يكره، فيحب المرء ما يحب الله تعالى من الأمكنة،
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ١٢).
(٢) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ١٩٩).
(٣) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ١٦٧).
[ ٨٦ ]
والأزمنة، والأشخاص والأعمال والأقوال، ويكره من ذلك ما يكرهه الله تعالى.
فمن" أحب الله وأحبه الله أحب ما يحبه الله، وأبغض ما يبغضه الله، ووالى من يواليه الله، وعادى من يعاديه الله، لا تكون محبة قط إلا وفيها ذلك بحسب قوتها وضعفها؛ فإن المحبة توجب الدنو من المحبوب والبعد عن مكروهاته، ومتى كان مع المحبة نبذ ما يبغضه المحبوب فإنها تكون تامة … وأما موادة عدوِّه فإنها تنافي المحبة، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] " (^١).
"فيجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦] " (^٢).
ثانيًا: البعد الشديد عن معصية الله سبحانه، وتصبير النفس على ترك مخالفته، فـ" المحبة تستبين بترك المخالفة، ولا تبين بكثرة الأعمال، كما قيل: أعمال البرّ يعملها البرّ والفاجر، والمعاصي لا يتركها إلا صديق" (^٣).
فليس صادقًا في حب الله من انهمك في معاصيه، وأسرف على نفسه بمخالفة ربه، كما قيل:
تعصي الإلهَ وأنت تُظهر حبَّه … هذا محالٌ في القياس بديعُ
_________________
(١) قاعدة في المحبة (ص: ٨٩).
(٢) المرجع السابق (ص: ٩٢).
(٣) قوت القلوب، لأبي طالب المكي (٢/ ٩٠).
[ ٨٧ ]
لو كان حبُّك صادقًا لأطعمتَه … إن المحبَّ لمن يحب مطيعُ (^١).
قال ابن القيم: " محبة الله هي أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانها، وفرقٌ بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفُه من سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبُّه لسيده، وفي هذا قال عمر: نِعمَ العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه. يعني: أنه لو لم يخف من الله لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته، فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى قلبه وجوارحه، وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامه. وههنا لطيفة يجب التنبه لها وهي أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه، فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياء والطاعة، وإلا فالمحبة الخالية عنهما إنما توجب نوعَ أُنس وانبساط وتذكر واشتياق؛ ولهذا يتخلف عنها أثرها وموجبها، ويفتش العبد قلبه فيرى نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه، وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم. فما عمر القلبَ شيءٌ كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه، وتلك من أفضل مواهب الله لعبده أو أفضلها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (^٢).
ولكن ينبغي أن يُعلم أن المعاصي التي لا تصل إلى حد الكفر لا تزيل أصل محبة الله بالكلية وإنما تنقصها بقدر تلك الخطايا. فـ" الذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك، لكن لا تزيل المحبة لله ورسوله إذا كانت ثابتة في القلب، ولم تكن الذنوب عن نفاق؛ كما في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب في الذي كان يشرب الخمر وكان النبي ﷺ يقيم عليه الحد، فلما كثر ذلك منه لعنه رجل، فقال النبي ﷺ:
_________________
(١) الكامل في اللغة والأدب، للمبرد (٢/ ٤).
(٢) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ٤٠٩).
[ ٨٨ ]
(لا تلعنه؛ فإنه يجب الله ورسوله) ". (^١).
ثالثًا: كمال الأنس بمناجاة الله تعالى، والتلذذ بالخلوة به. قال ابن قدامة المقدسي: " علامة المحبة: كمال الأنس بمناجاة المحبوب، وكمال التنعيم بالخلوة به، وكمال الاستيحاش من كل ما ينقض عليه الخلوة، ومتى غلب الحب والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرة عين تدفع جميع الهموم، بل يستغرق الحب والأنس قلبه" (^٢).
رابعًا: حب كلام الله تعالى، وما جاء من عنده، من غير إعمال الاختيار مما صدر عنه مما يوافق الهوى ورغبة النفس.
قال أبو طالب المكي: " ومن علامة حب اللّه: حب القرآن" (^٣).
خامسًا: اتباع رسول الله ﷺ، والاهتداء بهديه.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. قال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ، أنه قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِب، إنما الشأن أن تُحَب. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ " (^٤).
_________________
(١) قاعدة في المحبة (ص: ٧٢).
(٢) مختصر منهاج القاصدين للمقدسي (٤/ ١١٧).
(٣) قوت القلوب، لأبي طالب المكي (١/ ١٠٥).
(٤) تفسير ابن كثير (١/ ٤٤٠).
[ ٨٩ ]
وقال أبو العباس أحمد بن عبد الحليم: " محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات كما قال تعال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فإن اتباع رسوله هو من أعظم ما أوجبه الله تعالى على عباده وأحبه، وهو سبحانه أعظم شيء بغضًا لمن لم يتبع رسوله، فمن كان صادقًا في دعوى محبة الله اتبع رسوله لا محالة، وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" (^١).
سادسًا: كثرة ذكره ﷾.
"قال الربيع بن أنس: علامة حب الله: كثرة ذكره؛ فإنك لا تحب شيئًا إلا أكثرت من ذكره" (^٢).
سابعًا: الشفقة بالمؤمنين والشدة على الكافرين، والجهاد في سبيل الله، وعمل الطاعات من غير خوف لوم الناس عليها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
ففي هذه الآية الكريمة ذكر الله تعالى للمحبين الصادقين أربع علامات:
الأولى: أنّهم: أذلّة على المؤمنين، قيل: معناه: أرقاء رحماء مشفقين عليهم عاطفين عليهم، فلما ضمَّن أذلة هذا المعنى عدّاه بأداة (على). الثانية: أعزة على الكافرين، قال عطاء: للمؤمنين كالولد لوالده، والعبد لسيده، وعلى الكافرين كالأسد على فريسته، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
العلامة الثالثة: الجهاد في سبيل الله بالنفس واليد واللسان والمال، وذلك تحقيق دعوى المحبة.
_________________
(١) قاعدة في المحبة (ص: ٧٢).
(٢) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٢١٨).
[ ٩٠ ]
العلامة الرابعة: أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهذا علامة صحة المحبة، فكل محب يأخذه اللوم عن محبوبه فليس بمحب على الحقيقة (^١).
وما أجمل وصف ابن القيم عن براهين المحبة لله تعالى يوم قال: " لما كثر المدعون للمحبة طُولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى؛ فلو يُعطى الناس بدعواهم لادعى الخليُّ حرقة الشجي (^٢) فتنوع المدعون في الشهود فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة بتزكية: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾، فتأخر أكثر المحبين، وقام المجاهدون. فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فهلموا إلى بيعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. فلما عرفوا عظمة المشتري وفضل الثمن، وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع عرفوا قدر السلعة، وأن لها شأنًا، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك. فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم: مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معها: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] " (^٣).
الطريق إلى محبة الله تعالى:
إن محبة الله تعالى غاية عليّة، وهدف سامٍ لا يُوصل إليه بالأماني والدعاوى، وإنما يُسلك إليه طريقٌ معمور بالعمل الصالح الباطن والظاهر، وقد لخص ابن القيم طرق نيل
_________________
(١) المرجع السابق (٢/ ٢١٨) بتصرف.
(٢) الخلي: الفارغ البال من الهم. والشجي: الحزين.
(٣) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٨).
[ ٩١ ]
المحبة فقال: " فصل في الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها وهي عشرة:
أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه. الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض؛ فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة. الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر. الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى. الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة؛ ولهذا كانت المعطلة والفرعونية والجهمية قطّاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب. السادس: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة؛ فإنها داعية إلى محبته. السابع -وهو من أعجبها- انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى، وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات. الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة. التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر …
العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله ﷿.
فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة، ودخلوا على الحبيب. ومِلاك ذلك كله أمران: استعداد الروح لهذا الشأن، وانفتاح عين البصيرة " (^١).
ثمرات محبة الله تعالى:
إن الإنسان إذا وصل إلى درجة الحب الصادق لله تعالى نال بذلك ثمرات حسنة في
_________________
(١) المرجع السابق (٣/ ١٧).
[ ٩٢ ]
هذه الحياة، تبلغ به هذه الثمرات- إذا استمر عليها حتى الموت- إلى الفوز برضوان الله وجنته في الآخرة.
قال ابن القيم: "إذا غُرست شجرة المحبة في القلب، وسُقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب؛ أثمرت أنواع الثمار، وآتت أُكلها كل حين بإذن ربها، أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بسدرة المنتهى" (^١).
فمن تلك الثمرات اليانعة:
أولًا: الحصول على حلاوة الإيمان
قال النبي ﷺ: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) (^٢).
"وحلاوة الإيمان: ما يجده الإنسان في نفسه وقلبه من الطمأنينة والراحة والانشراح" (^٣)، وهذا من أعظم النعم، وأجل العطايا.
ثانيًا: جفاف ينابيع الشهوات، بحيث يجد المحب في لذة محبة الله والانشغال بها ما يسليه عن الشهوات ويزهده فيها، ويبغضها إليه؛ لمباينتها ما هو متنعم فيه.
قال ابن القيم: " لو تغذى القلب بالمحبة لذهبت عنه بطنة الشهوات
ولو كنتَ عُذريَّ الصبابةِ لم تكن بطينًا وأنساك الهوى كثرةَ الأكلِ" (^٤)
ثالثًا: الانشغال بحبه سبحانه عن حب غيره، حتى يغدو قلب المحب ليس فيه مكان
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٩).
(٢) رواه البخاري (١/ ١٤)، ومسلم (١/ ٦٦).
(٣) القول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (٢/ ٥٤).
(٤) الفوائد، لابن القيم (ص: ٧٧).
[ ٩٣ ]
يتسع لمزاحمة أحد لحب مولاه، ولا لديه رغبة للانتقال إلى حب ما سواه. قال ابن القيم: " وقال بعض المحبين: إن حبه ﷿ شغل قلوب محبيه عن التلذذ بمحبة غيره، فليس لهم في الدنيا مع حبه ﷿ لذة تداني محبته، ولا يؤملون في الآخرة من كرامة الثواب أكبر عندهم من النظر إلى وجه محبوبهم" (^١).
وقال أيضًا: " ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدِّم عليه حبًّا لغيره، ولا أُنسًا به" (^٢).
رابعًا: دوام ذكره، وعدم الغفلة عنه؛ حتى كأن المحبة قد تغلغلت في المحب فكانت جزء من حياته، فصار المحبوب سبحانه حيَّ الذكر لدى المحب ما بقيت في المحب حياة.
قال ابن القيم: " لو صحت محبتك لاستوحشت ممن لا يذكِّرك بالحبيب، واعجبًا لمن يدعى المحبة ويحتاج إلى من يذكره بمحبوبه، فلا يذكُرُه إلا بمذكِّر! أقل ما في المحبة أنها لا تنسيك تذكر المحبوب.
ذكرتُك لا أني نسيتُك ساعةً … وأيسرُ ما في الذِّكر ذِكرُ لساني
إذا سافر المحب للقاء محبوبه ركبت جنوده معه، فكان الحب في مقدمة العسكر، والرجاء يحدو بالمطي، والشوق يسوقها، والخوف يجمعها على الطريق، فإذا شارف قدوم بلد الوصل خرجت تقادم الحبيب باللقاء.
فداوِ سُقمًا بجسمٍ أنت مُتْلِفُهُ … وابردْ غرامًا بقلبٍ أنت مُضرمُهُ
ولا تكلني على بُعد الديار إلى … صبري الضعيفِ فصبري أنت تَعلمُهُ
تلقَّ قلبي فقد أرسلتُه عجِلًا … إلى لقائك والأشواقُ تَقدُمهُ
_________________
(١) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ١٦٧).
(٢) إغاثة اللهفان، لابن القيم (٢/ ١٩٨).
[ ٩٤ ]
فإذا دخل على الحبيب أفيضت عليه الخِلَع من كل ناحية؛ ليُمتَحن: أيسكن إليها فتكون حظه، أم يكون التفاته إلى من ألبسه إياها" (^١).
خامسًا: الرضا بقضائه وقدره، واستقبال ما جاء من المكاره من غير سخط ولا ضجر
كان عامر بن عبد قيس يقول: أحببت الله حبًا سهل عليَّ كل مصيبة، ورضّاني بكل قضية، فما أبالي مع حبي إياه ما أصبحت عليه وما أمسيت (^٢).
إن" المحب يجد في لذة المحبة ما ينسيه المصائب، ولا يجد من مسها ما يجد غيره، حتى كأنه قد اكتسى طبيعة ثانية ليست طبيعة الخلق، بل يقوى سلطان المحبة حتى يلتذ المحب بكثير من المصائب التي يصيبه بها حبيبه أعظم من التذاذ الخلي بحظوظه وشهواته، والذوق والوجد شاهد بذلك" (^٣).
سادسًا: الوقوف عند حدود الله، وبلوغ المراتب العالية في معراج العبودية، فالمؤمن المحب لا يتجاوز ما حدّ له محبوبه، بل يسعى إلى الترقي إلى أعلى رتب الذل والخضوع والانقياد لما جاء عنه سبحانه.
وما " حفظت حدود الله ومحارمه، ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته، فمتى خلا القلب من هذه الثلاث فسد فسادًا لا يرجى صلاحه أبدًا، ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضعف إيمانه بحسبه" (^٤).
"ولا ريب أن كمال العبودية تابع لكمال المحبة، وكمال المحبة تابع لكمال المحبوب في نفسه، والله سبحانه له الكمال المطلق التام في كل وجه الذي لا يعتريه توهمُ نقصٍ أصلًا،
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٧٧).
(٢) كيف نحب الله ونشتاق إليه، مجدي الهلالي (ص: ٩).
(٣) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٣٦).
(٤) متاح دار السعادة، لابن القيم (٢/ ٨٨).
[ ٩٥ ]
ومَن هذا شأنه فإن القلوب لا يكون شيء أحب إليها منه ما دامت فِطرها وعقولها سليمة، وإذا كانت أحب الأشياء إليها فلا محالة أن محبته توجب عبوديته وطاعته، وتتبع مرضاته واستفراغ الجهد في التعبد له والإنابة إليه، وهذا الباعث أكمل بواعث العبودية وأقواها حتى لو فرض تجرده عن الأمر والنهي والثواب والعقاب استفرغ الوسع واستخلص القلب للمعبود الحق، ومن هذا قول بعض السلف: إنه ليستخرج حبه من قلبي ما لا يستخرجه قوله" (^١).
قال ابن القيم: " وكلما ازداد له حبًا ازداد له عبودية وذلًا وخضوعًا، ورقًا له وحرية عن رق غيره، فالقلب لا يفلح ولا يصلح، ولا يتنعم ولا يبتهج، ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له جميع ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن إليها، ولم يسكن إليها، بل لا تزيده إلا فاقة وقلقًا حتى يظفر بما خُلق له وهيء له: من كون الله وحده نهاية مراده، وغاية مطالبه؛ فإن فيه فقرًا ذاتيًا إلى ربه وإلهه من حيث هو معبوده ومحبوبه، وإلهه ومطلوبه، كما أن فيه فقرًا ذاتيًا إليه من حيث هو ربه وخالقه ورازقه ومدبره، وكلما تمكنت محبة الله من القلب وقويت فيه أخرجت منه تألهه لما سواه وعبوديته له:
فأصبحَ حُرًَّا عزةً وصيانةً … على وجهه أنوارُه وضياؤه" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢١).
(٢) إغاثة اللهفان، لابن القيم (٢/ ١٩٨).
[ ٩٦ ]