وقال كذلك: " ومما ينبغي الاعتناء به علمًا ومعرفة، وقصدًا وإرادة: العلم بأن كل إنسان بل كل حيوان إنما يسعى فيما يحصِّل له اللذة والنعيم وطيب العيش، ويندفع به عنه أضداد ذلك، وهذا مطلوب صحيح يتضمن ستة أمور:
أحدها: معرفة الشيء النافع للعبد الملائم له الذي بحصوله لذته وفرحه وسروره وطيب عيشه. الثاني: معرفة الطريق الموصلة إلى ذلك. الثالث: سلوك تلك الطريق. الرابع: معرفة الضار المؤذي المنافر الذي ينكد عليه حياته. الخامس: معرفة الطريق التي إذا سلكها أفضت به إلى ذلك. السادس: تجنب سلوكها.
فهذه ستة أمور لا تتم لذة العبد وسروره وفرحه وصلاح حاله إلا باستكمالها، وما نقص منها عاد بسوء حاله وتنكيد حياته. وكل عاقل يسعى في هذه الأمور لكن أكثر الناس غلط في تحصيل هذا المطلوب المحبوب النافع؛ إما في عدم تصوره ومعرفته، وإما في عدم معرفته الطريقَ الموصلة إليه، فهذان غلطان سببهما الجهل، ويتخلّص منهما بالعلم" (^١).
المدح والذم في اللذة:
إن لذات الدنيا لا يتوجه المدح والذم لذِاتها، بل لطريقها أو عواقبها، فـ" اللذة من حيث هي مطلوبة للإنسان، بل ولكل حي فلا تذم من جهة كونها لذة، وإنما تذم ويكون تركها خيرًا من نيلها وأنفع إذا تضمنت فوات لذة أعظم منها وأكمل، أو أعقبت ألمًا حصوله أعظم من ألم فواتها. فههنا يظهر الفرق بين العاقل الفطن والأحمق الجاهل، فالعاقل متى عرف التفاوت بين اللذتين والألمين وأنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر هان عليه ترك أدنى اللذتين لتحصيل أعلاهما، واحتمال أيسر الألمين لدفع أعلاهما، وإذا تقررت هذه القاعدة فلذة الآخرة أعظم وأدوم ولذة الدنيا أصغر وأقصر، وكذلك ألم الآخرة وألم الدنيا، والمعول في ذلك على الإيمان واليقين، فإذا قوي اليقين وباشر القلب
_________________
(١) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه (ص: ٢٥).
[ ٣١٩ ]
آثر الأعلى على الأدنى في جانب اللذة، واحتمل الألم الأسهل على الأصعب" (^١).
" وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها فهي إنما تذم إذا أعقبت ألمًا أعظم منها، أو منعت لذة خيرًا منها، وتحمد إذا أعانت على اللذة الدائمة المستقرة، وهي لذة الدار الآخرة ونعيمها الذي هو أفضل نعيم وأجله؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٦، ٥٧]. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. " (^٢).
قال ابن القيم: " وكل لذة أعقبت ألمًا، أو منعت لذة أكمل منها فليست بلذة في الحقيقة، وإن غالطت النفس في الالتذاذ بها، فأي لذة لآكل طعام شهي مسموم يقطع أمعاءه عن قريب؟! وهذه هي لذات الكفار والفساق بعلوهم في الأرض وفسادهم، وفرحهم فيها بغير الحق ومرحهم" (^٣).
أنواع اللذة:
اللذة التي يلتذ بها الإنسان ليست نوعًا واحدًا، بل أنواع، باعتبار الجهة التي تتلذذ بها من نفس الإنسان، فهناك لذات حسية (ظاهرة)، وهناك لذات معنوية (باطنة)، أو بتعبير آخر هناك لذات بدنية، ولذات خيالية، ولذات روحية.
قال الغزالي: " اللذات تنقسم إلى ظاهرة؛ كلذة الحواس الخمس، وإلى باطنة؛ كلذة الرياسة والغلبة والكرامة والعلم وغيرها؛ إذ ليست هذه اللذة للعين ولا للأنف ولا الأذن ولا للمس ولا للذوق، والمعاني الباطنة أغلب على ذوى الكمال من اللذات
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٢٠٠).
(٢) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ١٥٦).
(٣) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ١٦١).
[ ٣٢٠ ]
الظاهرة" (^١).
وقال ابن القيم: " فأقسام اللذات ثلاثة: لذة جثمانية، ولذة خيالية وهمية، ولذة عقلية روحانية؛ فاللذة الجثمانية لذة الأكل والشرب والجماع، وهذه اللذة يشترك فيها مع الإنسان الحيوانُ البهيم، فليس كمال الإنسان بهذه اللذة لمشاركة أنقص الحيوانات له فيها، ولأنها لو كانت كمالًا لكان أفضل الناس وأشرفهم وأكملهم أكثرَهم أكلًا وشربًا وجماعًا، وأيضًا لو كانت كمالًا لكان نصيب رسل الله وأنبيائه وأوليائه منها في هذه الدار أكمل من نصيب أعدائه، فلما كان الأمر بالضد تبين أنها ليست في نفسها كمالًا، وإنما تكون كمالًا إذا تضمنت إعانة على اللذة الدائمة العظمى. وأما اللذة الوهمية الخيالية فلذة الرئاسة والتعاظم على الخلق والفخر والاستطالة عليهم. وهذه اللذة وإن كان طلابها أشرف نفوسًا من طلاب اللذة الأولى؛ فإن آلامها وما توجبه من المفاسد والمضار أعظم من التذاذ النفس بها؛ فإن صاحبها منتصب لمعاداة كل من تعاظم وترأس عليه؛ ولهذا شروط وحقوق تفوت على صاحبها كثيرًا من لذاته الحسية ولا يتم إلا بتحمل مشاق وآلام أعظم منها، فليست هذه في الحقيقة بلذة وإن فرحت بها النفس وسُرَّت بحصولها، وقد قيل: إنه لا حقيقة للذة في الدنيا وإنما غايتها دفع آلام كما يدفع ألم الجوع والعطش وألم الشهوة بالأكل والشرب والجماع؛ ولذلك يدفع ألم الخمول وسقوط القدر عند الناس بالرئاسة والجاه، والتحقيق: أن اللذة أمر وجودي يستلزم دفع الألم بما بينهما من التضاد.
وأما اللذة العقلية الروحانية فهي كلذة المعرفة والعلم والاتصاف بصفات الكمال؛ من الكرم والجود والعفة والشجاعة والصبر والحلم والمروءة وغيرها؛ فإن الالتذاذ بذلك من أعظم اللذات وهو لذة النفس الفاضلة العلوية الشريفة، فإذا انضمت اللذة بذلك إلى لذة معرفة الله تعالى ومحبته وعبادته وحده لا شريك له والرضا به عوضًا عن كل شيء ولا يتعوض بغيره عنه؛ فصاحب هذه اللذة في جنة عاجلة نسبتها إلى لذات الدنيا كنسبة لذة
_________________
(١) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٣٠٩).
[ ٣٢١ ]
الجنة إلى لذة الدنيا؛ فإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده، وقرة العين به والأنس بقربه والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا؛ ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام، فكيف بالإيمان الذي يمنع دخولها؟! قال بعض العارفين: من قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. ويكفي في فضل هذه اللذة وشرفها أنها تخرج من القلب ألم الحسرة على ما يفوت من هذه الدنيا، حتى إنه ليتألم بأعظم ما يلتذ به أهلها ويفر منه فرارهم من المؤلم، وهذا موضعٌ الحاكمُ فيه الذوق لا مجرد لسان العلم، وكان بعض العارفين يقول: مساكين أهل الدنيا؛ خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا طيب نعيمها، فيقال له: وما هو؟ فيقول: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه، ومعرفة أسمائه وصفاته. وقال آخر: أطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته، وألذ ما في الآخرة رؤيته وسماع كلامه بلا واسطة. وقال آخر: والله إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذه الحال إنهم لفي عيش طيب. وأنت ترى محبة من في محبته عذاب القلب والروح كيف توجب لصاحبها لذة يتمنى أنه لا يفارقه حبه؛ كما قال شاعر الحماسة:
تَشَكّى الْمُحبُّونَ الصَّبابَةَ ليْتَني … تَحَمَّلْتُ ما يَلْقَوْنَ منْ بَيْنِهمْ وحْدِي
فكَانَتْ لِنَفْسي لَذَّةُ الْحُبِّ كُلُّها … فلَمْ يَلْقَها قَبْلِي مُحِبٌّ ولَا بَعْدِي
قالت رابعة: شغلوا قلوبهم بحب الدنيا عن الله، ولو تركوها لجالت في الملكوت، ثم رجعت إليهم بطرائف الفوائد" (^١).
لذات الدنيا:
لا تخلو هذه الحياة من لذات يلتذ بها أهلها فيها، وتقر عيونهم بها، وهي لذات ظاهرة
_________________
(١) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ١٦٤).
[ ٣٢٢ ]
تتلذذ بها الحواس؛ كلذات مسموعة، ومرئية، ومطعومة، ومشمومة، ومحسوسة، ولذات باطنة؛ كالجاه والرئاسة والعلو، والغنى والشهرة والمعارف، وغير ذلك.
إلا أن لذات الدنيا إن سلمت من الحرام فهي لذات مكدَّرة ومنغَّصة؛ وهي بجانب لذات الآخرة قليلة لا كثيرة، صغيرة لا كبيرة، ناقصة غير كاملة، مشوبة غير خالصة، منقطعة غير دائمة، لا تنال فيها نفس الإنسان كاملَ غايتها، ولا تبلغ منها كل مرادها، فتظل النفس بذلك متشوِّفة للزيادة والتغيير والتنويع، فتكون بهذا غير مقنعِة، وغير مرضية.
قال الغزالي: " لذات الدنيا مكدرة مشوبة بأنواع المنغصات، ولذات الآخرة صافية غير مكدرة" (^١).
ويحكي ابن الجوزي أنه رأى رجلًا قد أعطاه الله من لذات الدنيا الظاهرة ما أعطاه ثم رآه مع كل ذلك وهو يبكي، فتعجب ما الذي يبكيه وهو في هذا النعيم؟! فأجاب ابن الجوزي على نفسه فقال: " فتفكرت فعلمت أن النفس لا تقف عند حد، بل تروم من اللذات ما لا منتهى له، كلما حصل لها غرض برد عندها وطلبت سواه، فيفنى العمر، ويضعف البدن، ويقع النقص، ويرقُّ الجاه، ولا يحصل المراد. وليس في الدنيا أبله ممن يطلب النهاية في لذات الدنيا، وليس في الدنيا على الحقيقة لذة، إنما هي راحة من مؤلم" (^٢). وقال أيضًا: " من تأمل الدنيا علم أنه ليس فيها لذة أصلًا، فإن وجدت لذة شيبت بالنغص التي تزيد على اللذة أضعافًا" (^٣). ثم ذكر أمثلة على لذات ممزوجة بالكدر ثم قال: " وهذا أنموذج لما لم يُذكر، فينبغي لمن وفقه الله سبحانه أن يأخذ الضروري الذي يميل إلى سلامة الدين والبدن والعافية، ويهجر الهوى الذي نغصه تتضاعف على لذته" (^٤).
_________________
(١) إحياء علوم الدين، للغزالي (٣/ ٣٨٠).
(٢) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٢٤٥).
(٣) المرجع السابق (ص: ٣٧١).
(٤) المرجع السابق (ص: ٣٧٢).
[ ٣٢٣ ]
هذا في لذات الدنيا المباحة، أما إذا كانت لذات محرمة أو شابها الحرام فإنها لذات وهمية، وطريق إلى شقاء منتظر؛ لما تعقبه من عذاب الله تعالى وسخطه. وقد كلف الله تعالى الإنسان البعد عنها؛ لما لها من سوء العاقبة العاجلة والآجلة، ولكن من غلبه هواه وانتصرت عليه نفسه لا يصبر على تركها؛ طلبًا للراحة والتنعم، ولكنه بذلك الاسترسال يخدع نفسه، ويجلب لها العناء الطويل. فلو " حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت ثم يعذب ولا بد في وقت آخر، وكثيرًا ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرِب من لذة الأظفار التي تحكه فهي تدمي الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما" (^١).
والحقيقة إن إقدام الإنسان على تلك اللذات المحرمة يبرهن على حمقه وجهله، ولو كان ذا عقل ورشد لما سلك طريق لذة عابرة تحرمه لذة باقية. قال ابن الجوزي: " وأجهل الجهال من آثر عاجلًا على آجل لا يأمن سوء مغبته، فكم قد سمعنا عن سلطان وأمير وصاحب مال أطلق نفسه في شهواتها، ولم ينظر في حلال وحرام فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذ، ولقي من مرير الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرة من كل لذة. ولو كان هذا فحسب لكفى حزنًا كيف والجزاء الدائم بين يديه، فالدنيا محبوبة للطبع لا ريب في ذلك ولا أنكر على طالبها ومؤثر شهواتها، ولكن ينبغي له أن ينظر في كسبها ويعلم وجه أخذها؛ ليسلم له عاقبة لذته، وإلا فلا خير في لذة من بعدها النار" (^٢). فـ"لا تؤثر لذة تفوِّت خيرًا كثيرًا، وصابِرْ المشقةَ تحصِّل ربحًا وافرًا" (^٣).
_________________
(١) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ١٠٠).
(٢) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ١٢٩).
(٣) المرجع السابق (ص: ٣٧٠).
[ ٣٢٤ ]
أما أهل الإيمان فهم يشاركون غيرهم في لذات الدنيا المباحة؛ من مأكول ومشروب ومنظور ومنكوح ومركوب ومحسوس وغير ذلك، غير أنهم يستعينون بذلك على طاعة الله التي توصلهم إلى اللذة التامة الباقية في الآخرة.
فـ" لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الدار الآخرة؛ ولذلك خُلقت؛ كما قال النبي ﷺ: (الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) (^١). فكل لذة أعانت على لذات الدار الآخرة فهي محبوبة مرضية للرب تعالى، فصاحبها يلتذ بها من جهتين: من جهة تنعمه وقرة عينه بها، ومن جهة إيصالها له إلى مرضاة ربه وإفضائها إلى لذة أكمل منها، فهذه هي اللذة التي ينبغي للعاقل أن يسعى في تحصيلها، لا اللذة التي تعقبه غاية الألم، وتفوت عليه أعظم اللذات؛ ولهذا يثاب المؤمن على كل ما يلتذ به من المباحات إذا قصد به الإعانة والتوصل إلى لذة الآخرة ونعيمها" (^٢).
قال ابن القيم: " لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه فأشرف الناس نفسًا وأعلاهم همة وأرفعهم قدرًا مَنْ لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه، فلذته في إقباله عليه وعكوف همته عليه ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء … وأكمل الناس لذة من جمع له بين لذة القلب والروح ولذة البدن، فهو يتناول لذاته المباحة على وجه لا ينقص حظه من الدار الآخرة، ولا يقطع عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه، فهذا ممن قال تعالى فيه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وأبخسهم حظًا من اللذة من تناولها على وجه يحول بينه وبين لذات الآخرة، فيكون ممن يقال لهم يوم استيفاء اللذات: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ
_________________
(١) رواه مسلم (٢/ ١٠٩٠).
(٢) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ١٥٧).
[ ٣٢٥ ]
بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. فهؤلاء تمتعوا بالطيبات وأولئك تمتعوا بالطيبات وافترقوا في وجه التمتع؛ فأولئك تمتعوا بها على الوجه الذي أذن لهم فيه، فجُمع لهم بين لذة الدنيا والآخرة، وهؤلاء تمتعوا بها على الوجه الذي دعاهم إليه الهوى والشهوة، وسواء أذن لهم فيه أم لا، فانقطعت عنهم لذة الدنيا وفاتتهم لذة الآخرة، فلا لذة الدنيا دامت لهم ولا لذة الآخرة حصلت لهم. فمن أحب اللذة ودوامها والعيش الطيب فليجعل لذة الدنيا موصلًا له إلى لذة الآخرة، بأن يستعين بها على فراغ قلبه لله وإرادته وعبادته، فيتناولها بحكم الاستعانة والقوة على طلبه لا بحكم مجرد الشهوة والهوى، وإن كان ممن زويت عنه لذات الدنيا وطيباتها فليجعل ما نقص منها زيادة في لذة الآخرة، ويجم نفسه ههنا بالترك ليستوفيها كاملة هناك، فطيبات الدنيا ولذاتها نعم العون لمن صح طلبه لله والدار الآخرة، وكانت همته لما هناك، وبئس القاطع لمن كانت هي مقصودة وهمته وحولها يدندن، وفواتها في الدنيا نعم العون لطالب الله والدار الآخرة، وبئس القاطع النازع من الله والدار الآخرة، فمن أخذ منافع الدنيا على وجه لا ينقص حظه من الآخرة ظفر بهما جميعًا وإلا خسرهما جميعًا" (^١).
وينفرد أهل الإيمان بلذة أخرى هي أعظم لذات الدنيا، بل هي نموذج من لذات الجنة عُجِّلت لأهلها في هذه الحياة، هذه اللذة هي لذة المعرفة والطاعة، لذة المعرفة لله تعالى والعلم به، ولذة التقرب إليه وعبادته. حيث يجد المؤمن أحسن لذاته في التفكر في آيات الله المشهودة الدالة على عظمته وجلاله وحكمته، وفي نعم الله على خلقه الدالة على عفوه ورحمته وفضله، كما يجدها في صلاة خاشعة وتلاوة متدبرة، وتضرع بين يدي مولاه، وإحسان يقدمه إلى عباد الله ابتغاء وجهه. وغير ذلك من أنواع العبادات اللازمة والمتعدية. فهذه اللذة حق خالص للطائعين ولا حظ فيها لأهل العصيان. قال الغزالي: " أجل اللذات وأعلاها معرفة الله تعالى، والنظر إلى وجهه الكريم" (^٢).
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٥٠).
(٢) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٣٠٧).
[ ٣٢٦ ]
وقال ابن القيم: " لذة النظر إلى وجه الله يوم القيامة تابعة للتلذذ بمعرفته ومحبته في الدنيا، وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجهه الأعلى سبحانه، فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له؛ فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة، فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم" (^١).
إن لذات الآخرة أشد وأعظم من لذات الدنيا بلا شك؛ لأنها لا آخر لها ولا كدورة فيها، وأما لذات الدنيا فإنها سريعة الدثور، وهى مشوبة بالمكدرات، فما فيها لذة صافية عن كدر، وكيف وفى التوبة عن المعاصي والإقبال على الطاعة تلذذ بمناجاة الله تعالى واستراحة بمعرفته وطاعته، وطول الأنس به، ولو لم يكن للمطيع جزاء على عمله إلا ما يجده من حلاوة الطاعة ورَوح الأنس بمناجاة الله تعالى لكان ذلك كافيًا فكيف بما ينضاف إليه من نعيم الآخرة! (^٢).
فأهل الإيمان لعلمهم بالله وحبهم له ومعرفتهم به أقبلوا على طاعته فوجدوا فيها غاية اللذة. وـ" اللذة تابعة للمحبة تقوى بقوتها وتضعف بضعفها، فكلما كانت الرغبة في المحبوب والشوق إليه أقوى كانت اللذة بالوصول إليه أتم، والمحبة والشوق تابع لمعرفته والعلم به، فكلما كان العلم به أتم كانت محبته أكمل فإذا رجع كمال النعيم في الآخرة، وكمال اللذة إلى العلم والحب فمن كان يؤمن بالله وأسمائه وصفاته ودينه أعرف كان له أحب، وكانت لذته بالوصول إليه مجاورته والنظر إلى وجهه وسماع كلامه أتم، وكل لذة ونعيم وسرور وبهجة بالإضافة إلى ذلك كقطرة في بحر فكيف يؤثر من له عقل لذة ضعيفة قصيرة مشوبة بالآلام على لذة عظيمة دائمة أبد الآباد. وكمال العبد بحسب هاتين القوتين: العلم والحب، وأفضل العلم العلم بالله، وأعلى الحب الحب له، وأكمل اللذة بحسبهما" (^٣).
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٣٣).
(٢) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٥٩) بتصرف.
(٣) الفوائد، لابن القيم (ص: ٥٣).
[ ٣٢٧ ]
فما أحسن ما يجده المؤمن في كنف الطاعات من الملذات والمسرات التي يجزيه الله تعالى بها على عمله الصالح في الدنيا قبل الآخرة، وهذا من الحياة الطيبة التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. قال ابن القيم: "وقد فُسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضى والرزق الحسن وغير ذلك، والصواب أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان، ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه؛ فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة" (^١).
لقد "فاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة، وحصلوا علي الحياة الطيبة في الدارين؛ فإن طيب النفس وسرور القلب، وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته وانشراحه، ونوره وسعته وعافيته من ترك الشهوات المحرمة والشبهات الباطلة؛ هو النعيم علي الحقيقة، ولا نسبة لنعيم البدن إليه؛ فقد قال بعض من ذاق هذه اللذة: لو علم الملوك وأبناء ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف … وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب وسلامة الصدر، ومعرفة الرب تعالى ومحبته والعمل على موافقته، وهل عيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم" (^٢).
وهذا النوع من اللذات يتنعم أهله فيه أعظم من تنعمهم باللذات البدنية. فالطاعات غذاء للقلب وسرور له وقرة عين في حقه ونعيم لروحه يتلذذ بها ويتنعم بملابستها أعظم مما يتنعم بملابسة الطعام والشراب واللذات الجسمانية؛ فإن اللذات الروحانية القلبية أقوى وأتم من اللذات الجسمانية (^٣).
ومن تلك اللذات الروحية: لذة الذكر، ولذة العلم، ولذة الانتصار على الهوى
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٢٥٩).
(٢) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ٨٤).
(٣) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ١٦٥) بتصرف.
[ ٣٢٨ ]
والنفسِ الأمارة بالسوء.
فـ" للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء، فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر والنعيم الذي يحصل لقلبه لكفى به؛ ولهذا سُميت مجالس الذكر رياض الجنة، قال مالك بن دينار: وما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله ﷿، فليس شيء من الأعمال أخف مؤنة منه ولا أعظم لذة ولا أكثر فرحة وابتهاجًا للقلب" (^١).
وأما لذة العلم بالله تعالى وبشرعه فإنها من أعظم اللذات في هذه الدنيا لمن صدق حبه للعلم، وأقبل عليه تمام الإقبال، ومن قرأ في سير العلماء يجد العجب العجاب من تلذذهم بالعلم وتغنِّيهم بذلك.
ينسب للشافعي قوله:
سَهَرِي لِتَنْقِيحِ العُلُومِ أَلَذُّ لي … مِنْ وَصْلِ غَانِية ٍ وَطيبِ عِنَاقِ
وصريرُ أقلامي على صفحاتها … أحلى منَ الدَّوكاءِ للعشاقِ
وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الفتاة لِدُفِّهَا … نقري لألقي الرَّملَ عن أوراقي
وتمايلي طربًا لحلِّ عويصةٍ … في الدَّرْسِ أَشْهَى مِنْ مُدَامَةِ سَاقِ
يا من يحاول بالأماني رتبتي … كم بين مستفل وآخرَ راقي
أأبيتُ سهرانَ الدُّجى وتبيتهُ نَوْمًا وَتَبْغي بَعْدَ ذَاكَ لِحَاقِي؟! (^٢).
وأما لذة الانتصار على الهوى وكبح جماح النفس الأمارة بالسوء فإنها لذة عظيمة؛ إذ حبس الهوى وإن كان على صاحبه مُرَّ الأوائل لكنه في آخره حلو العواقب. قال ابن الجوزي: " وفي قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة؛ ألا ترى إلى كل مغلوب بالهوى كيف يكون ذليلًا؟ لأنه
_________________
(١) الوابل الصيب، لابن القيم (ص: ١١٠).
(٢) ديوان الإمام الشافعي (ص: ١١).
[ ٣٢٩ ]
قُهر. بخلاف غالب الهوى فإنه يكون قوي القلب عزيزًا؛ لأنه قَهر. فالحذر الحذر من رؤية المشتهى بعين الحُسن، كما يرى اللص لذة أخذ المال من الحِرز، ولا يرى بعين فكره القطع، ولو يفتح عين البصيرة لتأمل العواقب واستحالت اللذة نغصة … وليتذكر الإنسان لذة قهر الهوى، مع تأمل فوائد الصبر عنه، فمن وفِّق لذلك كانت السلامة قريبة منه" (٣ (^١).
لذات الآخرة:
الآخرة هي الدار الباقية التي يُجزَى الناس فيها على أعمالهم في الدنيا ويصيرون إما إلى نعيم يلقى فيه أهله كل لذة، وإما إلى جحيم لا لذة فيه البتة.
والله تعالى "إنما خلق الخلق لدار القرار وجعل اللذة كلها بأسرها فيها، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]. وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن﴾ [السجدة: ١٧]. وقال النبي ﷺ يقول الله تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ (^٢) (^٣). أي: غير ما أطلعتم عليه. وهذا هو الذي قصده الناصح لقومه الشفيق عليهم حيث قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٨، ٣٩]. فأخبرهم أن الدنيا متاع يتمتع بها إلى غيرها، والآخرة هي المستقر" (^٤).
فلذلك كانت لذات الآخرة خاصة بأهل الجنة الذين تنعموا في الدنيا بلذة الطاعة، ثم رقّاهم الله تعالى في مصاعد اللذة فأدخلهم الجنة، التي يجدون فيها اللذات الكاملة للروح والجسد، والسمع والبصر، والزمان والمكان، والجار والأنيس.
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٣٩).
(٢) أي: دعوا ما أطلعتم عليه من نعيم الجنة وعرفتموه من لذاتها فإنه سهل يسير في جانب ما ادخرته لكم.
(٣) رواه البخاري (٤/ ١٧٩٤)، ومسلم (٤/ ٢١٧٤).
(٤) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ١٥٧).
[ ٣٣٠ ]
والمؤمن " يلتذ في الدنيا بكل ما يقصد به وجه الله ﷾ من الأكل والشرب واللباس والنكاح، وشفاء الغيظ بقهر العدو وجهاد في سبيله، فضلًا عما يلتذ به من معرفة ربه وحبه له وتوحيده والإثابة إليه، والتوكل عليه والإقبال عليه وإخلاص العمل له والرضا به وعنه، والتفويض إليه وفرح القلب وسروره بقربه والأنس به والشوق إلى لقائه؛ كما في الحديث الذي صححه ابن حبان والحاكم وأسألك: (لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك) وهذه اللذة لا تزال في الدنيا في زيادة مع تنقيصها بالعدو الباطن من الشيطان والهوى والنفس والدنيا والعدو الظاهر، فكيف إذا تجردت الروح وفارقت دار الأحزان والآفات واتصلت بالرفيق الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليمًا، فإذا أفضى إلى دار النعيم فهنالك من أنواع اللذة والبهجة والسرور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فبؤسًا وتعسًا للنفوس الوضيعة الدنيئة التي لا يهزها الشوق إلى ذلك طربا، ولا تتقد نار إرادتها لذلك رغبا، ولا تبعد عما يصد عن ذلك رهبا، فبصائرها كما قيل:
خفافيشُ أعشاها النهارُ بضوئهِ … ولاءمَها قِطْعٌ من الليل مظلمُ
تجول حول الحُش (^١) إذا جالت النفوس العلوية حول العَرش، وتندس في الأحجار، إذا طارت النفوس الزكية إلى أعلى الأوكار" (^٢).
بيد أن لذات الجنة لا تتم إلا باللذة العظمى والنعمة الكبرى ألا وهي النظر إلى وجه الله الكريم، "قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وهذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى، وهي اللذة الكبرى التي يُنسى فيها نعيمُ أهل الجنة (^٣).
_________________
(١) الحش: الكنيف والمتوضَأ. المعجم الوسيط (١/ ١٧٦).
(٢) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ١٦٠).
(٣) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٥٤٣).
[ ٣٣١ ]
جاء في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتُنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿).
قال ابن القيم: " فبين ﵊ أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم في الجنة لم يعطهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما كان ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين، ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين ألبتة؛ ولهذا قال ﷾ في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. فجمع عليهم نوعي العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأوليائه نوعي النعيم: نعيم التمتع بما في الجنة، ونعيم التمتع برؤيته" (^١).
وفي حديث عمار بن ياسر عن النبي ﷺ: (… وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك) (^٢). "قال الطيبي: قيّد النظر باللذة لأن النظر إلى الله تعالى إما نظر هيبة وجلال في عرصات القيامة، وإما نظر لطف وجمال في الجنة ليؤذن بأن المراد هذا" (^٣).
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٣٢).
(٢) رواه النسائي (٣/ ٥٤)، والحاكم (١/ ٦٩٧)، وهو صحيح.
(٣) مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح، للتبريزي (٨/ ٦٠١).
[ ٣٣٢ ]
هذه هي الدنيا!
الإنسان العاقل ينظر إلى الأمور بعين عقله، لا بعين هواه، ويقيسها بلُبِّه لا بشهواته، ويتأمل في مآلاتها ولا ينظر إلى لذاتها العاجلة التي تعقب حسرات دائمة، فشيء مفروح بأوله محزون بآخره لا ينبغي الالتفات إليه، وشيء قليل مكدر، لا يقدَّم على شيء كثير غيرِ مشوب.
هكذا يأمرنا الله تعالى أن ننظر إلى الحياة الدنيا بالبصيرة لا بالبصر، وبعاقبة أمرها، لا بإقبال أوائلها، يقول تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠]، " أي: تتمتعون بها أيام حياتكم، ثم هي إلى فناء وانقضاء، ﴿وما عند الله خير وأبقى﴾؛ لأن منافع الآخرة خالصة عن الشوائب وهي دائمًا غير منقطعة، ومنافع الدنيا كالذرة بالقياس إلى البحر العظيم ﴿أفلا تعقلون﴾ أي: أن الباقي خير من الفاني، وقيل: من لم يرجح الآخرة على الدنيا فليس بعاقل؛ ولهذا قال الشافعي: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صُرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله؛ لأن أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير، وما هم إلا المشتغلون بطاعة الله تعالى" (^١).
قال ابن مسعود ﵁: "الدنيا دارُ من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (^٢).
_________________
(١) تفسير الخازن (٥/ ١٧٩).
(٢) عدة الصابرين، لابن القيم (ص: ١٩٢).
[ ٣٣٣ ]