مهما كان للعلوم النافعة من شرف ومنزلة، فإنها لن تساوي العلم بالله تعالى ومعرفته، ومهما كان لها من فائدة وأثر فإنها لن تعدل أثر معرفة الرب تعالى والعلم به؛ لأن هذا العلم الأعظم هو علم غاية يُطلب لذاته، وما سواه من العلوم فعلوم وسيلة يتوصل بها إلى غيرها. و" شرف العلم بحسب شرف معلومه، وشدة الحاجة إليه، وليس ذلك إلا العلم بالله وتوابع ذلك" (^١). فـ" أفضل العلم العلم بالله، وأعلى الحب الحب له " (^٢).
فلذلك كان" العلم بالله وأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق، وهو مطلوب لنفسه مراد لذاته، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. فقد أخبر سبحانه أنه خلق السموات والأرض ونزل الأمر بينهن ليعلم عباده أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]. فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته، وإن كان لا يكتفى به وحده، بل لا بد معه من عبادته وحده لا شريك له، فهما أمران مطلوبان لأنفسهما: أن يعرف الرب تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن يُعبد بموجبهما ومقتضاهما، فكما أن عبادته مطلوبة مرادة لذاتها فكذلك العلم به ومعرفته " (^٣).
إن العلم بالله ومعرفته هو سبب السعادة في الدنيا والآخرة؛ فلهذا كان هذا العلم"
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٥٣).
(٢) المرجع السابق.
(٣) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ١٧٨).
[ ٥٦ ]
أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته" (^١).
قال ابن القيم: " أشرف ما في الآخرة وأجل المقاصد معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره، وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة، وهذا هو الغاية التي تُطلب لذاتها، وإنما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة إذا انكشف له الغطاء وفارق الدنيا ودخل الآخرة وإلا فهو في الدنيا، وإن شعر بذلك بعض الشعور فليس شعوره به كاملًا" (^٢).
وقال أيضًا: " معرفة الله وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه، وإخلاص العمل له ومحبته والرضا به، والقيام في خدمته هو الغاية التي خلق لها الخلق، وثبت بها الأمر، وذلك أمر مقصود لنفسه، والمنهيات إنما نهي عنها لأنها صادة عن ذلك أو شاغلة عنه أو مفوِّتة لكماله؛ ولذلك كانت درجاتها في النهي بحسب صدها عن المأمور وتعويقها عنه وتفويتها لكماله، فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه" (^٣).
وهذا العلم الأعلى هو دعوة الرسل ﵈ وما سواه من العلوم الصالحة التي علّمتها الرسل أممها إنما هو تابع لذلك" فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان: أحدهما: تعريف الطريق الموصلة إليه وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه. الثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم الذي لا ينفد وقرة العين التي لا تنقطع. وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول، ومبنيان عليه، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ٨٦).
(٢) عدة الصابرين، لابن القيم (ص: ٩٣).
(٣) المرجع السابق (ص: ٢٨).
[ ٥٧ ]
الموصل إليه، وأعرفهم بحال السالكين عند القدوم عليه" (^١).
قال ابن القيم: " فمدار العلوم كلها على معرفة الله وأمره وخلقه، وذلك مسلم إلى الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، فهم أعلم الخلق بالله وأمره وخلقه وحكمته في خلقه وأمره" (^٢).
فما أعظم هذا العلم وأشد حاجة الخلق إليه، وما أخسر من لم يكن له حظ من هذا العلم والمعرفة به! ولو حصَّل مِنْ سواه من العلوم ما حصل ونبغ فيها ما نبغ. " فأي شيء عرف من لم يعرف الله ورسله، وأي حقيقة أدرك من فاتته هذه الحقيقة، وأي علم أو عمل حصل لمن فاته العلم بالله والعمل بمرضاته، ومعرفة الطريق الموصلة إليه ومآله بعد الوصول إليه" (^٣).
إن العالم بالله تعالى معمور القلب بتعظيمه وإجلاله، ومحبته والأنس به، والانقياد التام لما جاء عنه، لا يتسع لمزاحمة غيره له في التعلق والاستسلام والحب والرهبة والرغبة. وجوارحه مشغولة بالجِدِّ في مرضاته؛ عملًا بأوامره، وتركًا لنواهيه، ووقوفًا عند حدوده.
يعيش في الدنيا غريبًا مسافرًا؛ لأن الله تعالى لم يرضها له دار وطن، بل جعلها دار ضعن، يرتحل منها إلى الدار التي جعلها ربه دارَ أحبابه؛ فلذلك يظل في هذه الحياة القصيرة مشتاقًا لا يغادره الشوق حتى ينزل في تلك الدار فيلقى مولاه الحبيب سبحانه.
آثار معرفة الله تعالى والعلم به:
لاشك أن من ظفر بمعرفة الله تعالى ونال علمًا به أنه سينال خيرًا كثيرًا في الدنيا
_________________
(١) الصواعق المرسلة، لابن القيم (١/ ١٥١).
(٢) الطب النبوي، لابن القيم (٦١/ ١١).
(٣) هداية الحيارى، لابن القيم (ص: ١٩٢).
[ ٥٨ ]
والآخرة، فمن ذلك الخير:
أولًا: الحصول على نعمة الأُنس بالله تعالى، وامتلاء القلب بمحبته، وما أعظمها من نعمة يوم يجد العبد الأنس بربه في خلوته وجلوته فلا يجد بينه وبينه وحشة تكدر عليه حاله حتى تمنعه من كثرة التقرب إليه والتلذذ بطاعته. وما ذلك الأنس وعدم الاستيحاش إلا أثر امتلاء القلب بمحبته ﵎، فإنْ أنِس الناسُ بأحبابهم حينما يجتمعون، ويستوحشون حين يفترقون، فإن القلب المملوء بحب الله يجعل صاحبه يرى أنسه وراحته حينما يخلو بمناجاة ربه صلاةً ودعاء وتفكرًا، فلا يجد في تلك الوحدة وحشة كما تجدها القلوب الفارغة من محبة ربها. قال الحسن: "من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها" (^١).
وقال هرم بن حيان: "المؤمن إذا عرف ربه ﷿ أحبه، وإذا أحبه أقبل إليه، وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة، ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة" (^٢).
ثانيًا: نيل اللذة، ووجدان حلاوة الإقبال على الله تعالى، فلذاتُ شهوات الدنيا لذاتٌ مكدَّرة، وهي إحساس مؤقت لا يدوم، غير أن اللذة الناتجة عن معرفة الله لذة غير مكدرة، وهي مستمرة ما استمرت المعرفة، ومن زادت معرفته زادت لذته.
قال ذو النون بن إبراهيم المصري: " من عرف ربه وجد طعم العبودية، ولذة الذكر والطاعة، فهو بين الخلق ببدنه قد نأى عنهم بالهموم والخطرات" (^٣).
وقال الغزالي: " اعلم أن سعادة كل شيء ولذته وراحته تكون بمقتضى طبعه، وطبع كل شيء ما خُلق له؛ فلذة العين في الصور الحسنة، ولذة الأذن في الأصوات الطيبة،
_________________
(١) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٢٩٥).
(٢) المرجع السابق (٤/ ٢٩٦).
(٣) الزهد الكبير، للبيهقي (ص: ١١١).
[ ٥٩ ]
وكذلك سائر الجوارح بهذه الصفة. ولذة القلب خاصة بمعرفة الله ﷾؛ لأنه مخلوق لها. وكلُّ ما لم يعرفه ابن آدم إذا عرفه فرِحَ به .. وكذلك إذا وقع في معرفة الله ﷾، وفرح بها، ولم يصبر عن المشاهدة؛ لأن لذة القلب المعرفة. وكلما كانت المعرفة أكبر كانت اللذة أكبر؛ ولذلك فإن الإنسان إذا عرف الوزير فرح، ولو عرف الملك لكان أعظم فرحًا. وليس موجودًا أشرف من الله ﷾؛ لأن شرف كل موجود به ومنه، وكل عجائب العالم آثار صنعته؛ فلا معرفة أعز من معرفته، ولا لذة أعظم من لذة معرفته " (^١).
وهذه اللذة هي أعلى اللذات وأرفعها، ولا ينالها إلا أشرف الناس وأرفعهم عند الله، قال ابن القيم: " لذة كل أحد على حسب قدره وهمّته وشرف نفسه، فأشرف الناس نفسًا وأعلاهم همّا وأرفعهم قدرًا مَنْ لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه، فلذته في إقباله عليه، وعكوف همته عليه، ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله" (^٢).
ثالثًا: الرضا بقضاء الله وقدره، فمن عرف الله تعالى وعلم به لم يتسخط قضاءه وقدره، ولم يتضجر مما نزل به من المكاره، بل يقابل ذلك كله بالرضا والتسليم؛ لأنه يعلم أن أفعال مَنْ عرفه سبحانه كلها حميدة، وأقضيته كلها عدل وحكمة.
قال ابن الجوزي: " إن الرضى من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته رضيت بقضائه، وقد يجري في ضمن القضاء مراراتٌ يجد بعض طعمها الراضي. أما العارف فتقل عنده المرارة، لقوة حلاوة المعرفة. فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة، صارت مرارة الأقدار حلاوة، كما قال القائل:
_________________
(١) كيمياء السعادة، للغزالي (ص: ٥).
(٢) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٥٠).
[ ٦٠ ]
عذابُه فيك عذْبُ … وبُعدُه عنك قربُ
وأنت عندي كروحي … بل أنتَ منها أحبُّ
حسبي من الحُب أني … لما تُحب أحب
وقال بعض المحبين في هذا المعنى:
ويَقبحُ مِنْ سواك الفعلُ عندي … فتفعلُه فيحسن منك ذاكا" (^١)
رابعًا: حلاوة العيش، وهدوء البال، واستقرار النفس، فمعرفة الله تعالى تصرف عن نفس صاحبها الكدر والاضطراب والشتات، حتى يحيا سعيدًا وهو في جوف الأخطار، مبتسمًا وهو بين أشداق الأضرار، ناعمًا وهو في حضن الأكدار. فمن" عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كلّ شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأَنِس بالله. ومن عرف الله قرّت عينه بالله وقرّت به كلُّ عين، ومن لم يعرف الله تقطَّع قلبه على الدّنيا حَسَرَاتٍ، ومن عرف الله لم يبق له رغبةٌ فيما سواه" (^٢).
قال ابن الجوزي: " ليس في الدنيا ولا في الآخرة أطيب عيشًا من العارفين بالله ﷿؛ فإن العارف به مستأنس به في خلوته، فإن عمّت نعمةٌ علم من أهداها، وإن مرَّ مُرٌّ حلا مذاقه في فيه، لمعرفته بالمبتلي، وإن سأل فتعوق مقصوده، صار مراده ما جرى به القدر؛ علمًا منه بالمصلحة بعد يقينه بالحكمة، وثقته بحسن التدبير" (^٣).
وقال أحمد بن عبد الحليم: " فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه، إنما هو في معرفة الله ﷾ وتوحيده والإيمان به: وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٦٨).
(٢) بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز، للفيروزآبادي (ص: ١١١٢) بتصرف.
(٣) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ١٠٢).
[ ٦١ ]
فيها: إن كان أهل الجنة في هذه الحال إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر: لَتمرُّ على القلب أوقات يرقص فيها طربًا. وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة" (^١).
وقال ابن القيم: "فاللذة التامة والفرح والسرور وطيب العيش والنعيم إنما هو في معرفة الله وتوحيده، والأنس به والشوق إلى لقائه واجتماع القلب والهمّ عليه؛ فإن أنكد العيش عيش من قلبه مشتت وهمه مفرّق، فليس لقلبه مستقر يستقر عنده، ولا حبيب يأوي إليه ويسكن إليه؛ كما أفصح القائل عن ذلك بقوله:
وما ذاق طعمَ العيشِ من لم يكن له … حبيبٌ إليه يطمئن ويسكُنُ
فالعيش الطيب والحياة النافعة وقرة العين في السكون والطمأنينة إلى الحبيب الأول، ولو تنقل القلب في المحبوبات كلها لم يسكن ولم يطمئن إلى شيء منها، ولم تقر به عينه حتى يطمئن إلى إلهه وربه ووليه الذي ليس له من دونه ولي ولا شفيع، ولا غنى له عنه طرفة عين؛ كما قال القائل:
نقِّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى … ما الحب إلا للحبيب الأولِ
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى … وحنينه أبدًا لأولِ منزلِ
فاحرص أن يكون همك واحدًا، وأن يكون هو الله وحده، فهذا غاية سعادة العبد، وصاحب هذه الحال في جنة معجلة قبل جنة الآخرة، وفي نعيم عاجل، كما قال بعض الواجدين: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب … وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم أهل الجنة إلا هذا؛ ولهذا قال النبي ﷺ: (حُبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) (^٢). فأخبر أنه حبب إليه من الدنيا شيآن: النساء والطيب، ثم قال: وجعلت قرة عيني في الصلاة. وقرة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣١).
(٢) رواه أحمد (١٩/ ٣٠٥)، والنسائي (٧/ ٦١)، والحاكم (٢/ ١٧٤)، وهو صحيح.
[ ٦٢ ]
العين فوق المحبة؛ فإنه ليس كل محبوب تقر به العين، وإنما تقر العين بأعلى المحبوبات" (^١).
ويقول ابن القيم عن شيخه العالم بالله أبي العباس أحمد بن عبد الحليم: " وعلمَ اللهُ ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا وأقواهم قلبًا وأسرِّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنتَه قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من رَوحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها. وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. وقال آخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها. قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره. أو نحو هذا. وقال آخر: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا. وقال آخر: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. فمحبة الله تعالى ومعرفته ودوام ذكره والسكون إليه، والطمأنينة إليه وإفراده بالحب والخوف والرجاء والتوكل والمعاملة بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته؛ هو جنة الدنيا والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قوة عين المحبين وحياة العارفين، وإنما تقر عيون الناس به على حسب قرة أعينهم بالله ﷿، فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات" (^٢).
خامسًا: ذهاب الحزن والضيق، ورحيل الغموم والهموم، فمن ذاق حلاوة معرفة
_________________
(١) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه (ص: ٢٩ - ٣١).
(٢) الوابل الصيب، لابن القيم (ص: ٦٧).
[ ٦٣ ]
الله والقرب منه والأنس به لم تدم لديه مرارات الحياة، ولا تطيل عنده الإقامة.
قال بعض الصالحين: " من عرف الله اتَّسَع عليه كلُّ ضيق" (^١).
وقال ابن القيم: "وقوله-يعني: الهروي-: (معرفة الله جلا نورُها كلَّ ظلمة، وكشف سرورُها كل غمة) كلام في غاية الحسن؛ فإن من عرف الله أحبه ولا بد، ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات، وانكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبَه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كل جانب؛ فإنه لا حزن مع الله أبدًا؛ ولهذا قال- حكاية عن نبيه أنه قال لصاحبه أبي بكر-: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. فدل أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما لَه والحزن، وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن حصل الله له فعلى أي شيء يحزن؟ ومن فاته الله فبأي شيء يفرح؟ قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]. فالفرح بفضله ورحمته تبع للفرح به سبحانه، فالمؤمن يفرح بربه أعظم من فرح كل أحد بما يفرح به؛ من حبيب أو حياة أو مال أو نعمة أو ملك يفرح المؤمن بربه أعظم من هذا كله، ولا ينال القلب حقيقة الحياة حتى يجد طعم هذه الفرحة والبهجة، فيظهر سرورها في قلبه، ونضرتها في وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقّاهم الله نضرة وسرورًا، فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. فهذا هو العلم الذي شمر إليه أولو الهمم والعزائم، واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم" (^٢).
سادسًا: تقليل شأن النفس، واستصغار ما تقوم به من العمل الصالح، وعدم استعظام مكانها في ميدان العبودية. فمن عرف الله تعالى حقًا رأى أن أعماله مهما عظمت وحسنت لا ترقى إلى رتبة استحقاق القبول وحسن الجزاء؛ فحق الله تعالى عليه، ونعمه التي أسداها إليه لا يستطيع بتلك الأعمال شكرها وجزاءها. وهذا الشعور يدعوه إلى
_________________
(١) بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز، للفيروزآبادي (ص: ١١١٢).
(٢) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ٤٢٠).
[ ٦٤ ]
الاستزادة من العمل والقرب، وعدم القناعة بما يقدِّم من الأعمال، ولا يجعله ناظرًا إلى نفسه بعين الرضا فيكسل ويبطئ في طريقه إلى ربه. فمن " تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء، وأحواله بعين الدعوى، وأقواله بعين الافتراء، وكلما عظم المطلوب في قلبك صغرت نفسك عندك، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله، وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية، وعرفت الله وعرفت النفس وتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملِك الحق ولو جئت بعمل الثقلين؛ خشيت عاقبته، وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله، ويثيبك عليه أيضًا بكرمه وجوده وتفضله" (^١).
الطريق إلى معرفة الله:
إن معرفة الله تعالى لما كانت بهذه المنزلة من الشرف والأثر؛ كان جديرًا بالعاقل أن يبحث عن الطريق إلى تحصيلها وتكريم نفسه بنيلها وجعله من أهلها، فمن طرق ذلك:
أولًا: معرفة الإنسان حقيقة نفسه؛ فمعرفة النفس بالعيوب والنقائص والحاجات طريق إلى معرفة الله بنعوت الكمال، وصفات الجلال والجمال، وحسن الفعال، فمن عرف نفسه بالجهل المطلق عرف ربه بالعلم المطلق، ومن عرف نفسه بالفقر المطلق، عرف خالقه بالغنى المطلق، ومن عرف نفسه بالضعف المطلق عرف بارئه بالقوة المطلقة، ومن عرف نفسه بالعجز المطلق عرف الله تعالى بالقدرة المطلقة، وهكذا في بقية الصفات. فـ"من لم يعرف نفسه كيف يعرف خالقه؟ " (^٢).
فـ" مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس، كما قال ﷾: ﴿سَنُريهِم آياتِنا في الآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ﴾ … وليس شيء أقرب إليك من نفسك، فإذا لم تعرف نفسك، فكيف تعرف ربك؟ فالواجب عليك أن تعرف نفسك بالحقيقة؛ حتى تدرك أي شيء أنت، ومن أين جئت إلى هذا المكان، ولأي شيء خلقت، وبأي شيء
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ١٧٦).
(٢) المرجع السابق (ص: ١٧٨).
[ ٦٥ ]
سعادتك، وبأي شيء شقاؤك؟ " (^١).
ثانيًا: التفكر في آيات الله في الوجود، ففي الحياة مشاهد تدل على عظمة الله وقدرته وتوحيده، وقوته وحكمته وحسن خلقه، وإتقان ما أوجد وإحكامه؛ ولهذا دعا الله تعالى وأمر في آيات عديدة من القرآن الكريم بالنظر في مخلوقات الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠]. وقال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] ﴿وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠].
قال ابن القيم: "لمعرفة الله طريقان: النظر في مفعولاته، والتفكر في آياته وتدبرها. فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة" (^٢).
ثالثًا: قراءة كلام الله وتدبره ووعيه والعمل به؛ فالقرآن العظيم تضمن الأدلة المعرِّفة بالله تعالى، المبرهنة على كماله وجماله وجلاله، وذلك يدعو إلى معرفته والعلم به.
و"معرفة الله سبحانه نوعان: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس البر والفاجر والمطيع والعاصي، والثاني: معرفة توجب الحياء منه والمحبة له وتعلق القلب به، والشوق إلى لقائه وخشيته والإنابة إليه والأنس به والفرار من الخلق إليه، وهذه هي المعرفة الخالصة الجارية على لسن القوم وتفاوتهم فيها لا يحصيه إلا الذي عرفهم بنفسه، وكشف لقلوبهم من معرفته ما أخفاه عن سواهم، وكلٌّ أشار إلى هذه المعرفة بحسب مقامه وما كشف له منها، وقد قال أعرف الخلق به: (لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (^٣) وأخبر أنه
_________________
(١) كيمياء السعادة، للغزالي (ص: ١).
(٢) الفوائد، لابن القيم (٢٢).
(٣) رواه مسلم (١/ ٣٥٢).
[ ٦٦ ]
سبحانه (يفتح عليه يوم القيامة من محامده بما لا يحسنه الآن) (^١).
ولهذه المعرفة بابان واسعان: باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله، والباب الثاني: التفكر في آياته المشهودة وتأمل حكمته فيها، وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط على خلقه، وجِماع ذلك: الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها وتفرده بذلك وتعلقها بالخلق والأمر، فيكون فقيهًا في أوامره ونواهيه، فقيهًا في قضائه وقدره، فقيهًا في أسمائه وصفاته، فقيهًا في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" (^٢).
قال ابن القيم: " من الناس من يعرف الله بالجود والإفضال والإحسان، ومنهم من يعرفه بالعفو والحلم والتجاوز، ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام، ومنهم من يعرفه بالعلم والحكمة، ومنهم من يعرفه بالعزة والكبرياء، ومنهم من يعرفه بالرحمة والبر واللطف، ومنهم من يعرفه بالقهر والملك، ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته وإغاثة لهفته وقضاء حاجته. وأعلم هؤلاء معرفةً من عرفه من كلامه؛ فإنه يعرف ربًا قد اجتمعت له صفات الكمال ونعوت الجلال، منزّه عن المثال، بريء من النقائص والعيوب، له كل اسم حسن، وكل وصف كمال، فعّال لما يريد، فوق كل شيء ومع كل شيء، وقادر على كل شيء، ومقيم لكل شيء، آمر ناهٍ متكلم بكلماته الدينية والكونية، أكبر من كل شيء، وأجمل من كل شيء، أرحم الراحمين، وأقدر القادرين، وأحكم الحاكمين. فالقرآن أُنزل لتعريف عباده به، وبصراطه الموصل إليه، وبحال السالكين بعد الوصول إليه" (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٤/ ١٧٤٥)، ومسلم (١/ ١٨٤).
(٢) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٧٠).
(٣) المرجع السابق (ص: ١٨٠).
[ ٦٧ ]