حقيقة الدنيا:
وإن الناظر في حقيقة الدنيا يجد أنها لا تستحق هذا اللهث الكثير وراءها، والانشغال الكبير بها، والحرص الشديد عليها، والتقاتل الدائم من أجلها؛ فهي أحقر من ذلك كله؛ لأن المخلوق عليها مسافر عنها غير مقيم بها، واللبيب لا ينشغل بدار سفره التي عما قليل سينتقل عنها إلى دار إقامته التي سيبقى فيها دائمًا.
فالدنيا فانية والآخرة باقية، ومن العجب إيثار الفاني على الباقي! قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، "يقول تعالى مخبرًا عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها وغاية ما فيها لهو ولعب: ﴿وَإِنّ الدّارَ الآخرة لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ أي: الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لآثروا ما يبقى على ما يفنى" (^١).
وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠].
فـ"الحياة الدنيا تكون أولًا شابة ثم تكتهل ثم تكون عجوزًا شوهاء، والإنسان يكون كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه غضًا طريًا لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه ويفقد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخًا كبيرًا ضعيف القوى، قليل الحركة يعجزه الشيء اليسير كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٥١٠).
[ ٣٣٤ ]
مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ ولما كان هذا المثل دالًا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا وإما هذا: إما عذاب شديد، وإما مغفرة من الله ورضوان. وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: هي متاع فانٍ غارّ لمن ركن إليه؛ فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى دار الآخرة … عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾) وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة والله أعلم" (^١).
زَخرف الرشيد يومًا منازله وأكثر الطعام والشراب واللذات فيها، ثم استدعى أبا العتاهية فقال له: صف لنا ما نحن فيه من العيش والنعيم، فقال أبو العتاهية:
عِشْ ما بَدَا لكَ سالمًا … في ظِلّ شاهقَةِ القُصورِ
يسْعَى عليكَ بِمَا اشتهيْتَ … لدَى الرَّوَاح أوِ البُكُورِ
فقال: حسن ثم ماذا؟
فقال:
فإذا النّفوسُ تَقعَقَعَتْ … في ظلّ حَشرجَةِ الصّدورِ
فَهُناكَ تَعلَم، مُوقِنًا … مَا كُنْتَ إلاَّ فِي غُرُورِ
فبكى الرشيد بكاء كثيرًا شديدًا (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٧٧).
(٢) البداية والنهاية، لابن كثير (١٠/ ٢١٧).
[ ٣٣٥ ]
قال بعض الشعراء:
أَلَا إنَّمَا الدُّنْيَا كَأَحْلَامِ نَائِمِ … وَمَا خَيْرُ عَيْشٍ لَا يَكُونُ بِدَائِمِ
تَأَمَّلْ إذَا مَا نِلْت بِالْأَمْسِ لَذَّةً … فَأَفْنَيْتَهَا هَلْ أَنْتَ إلَّا كَحَالِمِ
فَكَمْ غَافِلٍ عَنْهُ وَلَيْسَ بِغَافِلٍ … وَكَمْ نَائِمٍ عَنْهُ وَلَيْسَ بِنَائِمِ (^١).
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
تَمَتَّعْ مِنْ الْأَيَّامِ إنْ كُنْت حَازِمًا … فَإِنَّك مِنْهَا بَيْنَ نَاهٍ وَآمِرِ
إذَا أَبْقَتْ الدُّنْيَا عَلَى الْمَرْءِ دِينَهُ … فَمَا فَاتَهُ مِنْهَا فَلَيْسَ بِضَائِرِ
فَلَنْ تَعْدِلَ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ … وَلَا وَزْنَ ذَرٍّ مِنْ جَنَاحٍ لِطَائِرِ
فَمَا رَضِيَ الدُّنْيَا ثَوَابًا لِمُؤْمِنٍ … وَلَا رَضِيَ الدُّنْيَا جَزَاءً لِكَافِرِ (^٢).
والعيش في الدنيا كالاستظلال تحت شجرة ثم تُتترك ويُنتقل عنها إلى غيرها، فكيف ينشغل عاقل بالظل عن مواصلة طريقه إلى هدفه المنشود؟! فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء، فقال: (ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) (^٣).
والدنيا بجانب الآخرة قليلة، فأيُّ لبيب يدع الكثير ويقبل على القليل؟!
قال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. يعني: ما الدنيا " التي مالت بكم، وقدمتموها على الآخرة ﴿إِلا قَلِيلٌ﴾ أفليس قد جعل اللّه لكم عقولا
_________________
(١) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ١٣٤).
(٢) المرجع السابق (ص: ١٣٥).
(٣) رواه الترمذي (٤/ ٥٨٨)، وابن ماجه، (٢/ ١٣٧٦)، وهو صحيح.
[ ٣٣٦ ]
تَزِنُون بها الأمور، وأيها أحق بالإيثار؟. أفليست الدنيا -من أولها إلى آخرها- لا نسبة لها في الآخرة. فما مقدار عمر الإنسان القصير جدًا من الدنيا حتى يجعله الغاية التي لا غاية وراءها، فيجعل سعيه وكده وهمه وإرادته لا يتعدى حياته الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار، المشحونة بالأخطار. فبأي رَأْيٍ رأيتم إيثارها على الدار الآخرة الجامعة لكل نعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون، فواللّه ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه، ولا من جزل رأيه، ولا من عُدَّ من أولي الألباب" (^١).
وقال رسول الله ﷺ: (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بمَ يرجع) (^٢).
وعن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: "الدنيا قليل، فلْيضحكُوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعتِ الدنيا وصاروا إلى الله تعالى استأنفوا بكاءً لا ينقطعُ أبدًا" (^٣).
متاع قليل منغَّص:
فمهما أُعطي الإنسان من لذات الدنيا وأسباب الفرح بها فإنها متاع قليل، عما قريب سيذهب عن الإنسان، أو يذهب عنه الإنسان، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠]. "أي: فهو شيء شأنه أن يتمتع ويتزين به أيامًا قلائل، وما عند الله -وهو الثواب- خير في نفسه من ذلك؛ لأنه لذة خالصة عن شوائب الألم، وبهجة كاملة عارية عن سمة الهم، وأبقى؛ لأنه أبدي. ﴿أفلا تعقلون﴾ ألا تتفكرون فلا تعقلون هذا الأمر الواضح فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير" (^٤).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٣٣٧).
(٢) رواه مسلم (٤/ ٢١٩٣).
(٣) الدر المنثور، للسيوطي (٤/ ٢٥٦).
(٤) تفسير أبي السعود (٧/ ٢٠).
[ ٣٣٧ ]
ولا ريب أن هذه الدنيا لما كانت كذلك فإنها لا تنفك عن المنغصات والغموم، والأحزان والهموم، فالمكاره ملازمة لها، والآلام لا تنقطع عنها، فدارٌ هذه حالها لا تستحق التنافس عليها.
وقد نغصها الله تعالى لعبده المؤمن حتى لا يركن إليها، وينشغل بها، ولكي يشتاق إلى لقائه في دار الآخرة، وإلى الجنة التي أعدها له إن آمن به وأحسن العمل له.
وحتى إن وجد العبد في هذه الدنيا المسرات، وذاق فيها الملذات، ولقي فيها أسباب الفرح والحبور؛ فإنها لا تدوم ولا تبقى، ولا تسلم من مشوب يكدر صفوها، فالتقلب شأنها، والتغير حالها، فلا يأمنن الإنسان إدبارها بعد إقبالها، وأتراحها بعد أفراحها، وضيقها بعد سعتها، وخوفها بعد أمنها، وسقمها بعد صحتها، وأخذها بعد عطائها، وفناءها بعد العيش فيها.
"قال بعض السلف: من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب، ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث: هم لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضي، وذلك أن محبها لا ينال منها شيًئا إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه؛ كما في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: (لو كان لابن آدم واديانِ من مال لابتغى لهما ثالثًا) وقد مثل عيسى بن مريم ﵇: محب الدنيا بشارب الخمر؛ كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا!) (^١).
قال أعرابي: " العاقل حقيق أن يسخى بنفسه عن الدنيا؛ لعلمه أن لا ينال أحد فيها شيئًا إلا قل إمتاعه به، أو كثر عناؤه فيه، واشتدت مرزئته عليه عند فراقه، وعظمت التبعة فيه بعده" (^٢).
وقال في الحكم العطائية: "لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمتَ في هذه الدار؛ فإنها ما
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٣٧).
(٢) الأمالي في لغة العرب، للقالي (٢/ ٤١).
[ ٣٣٨ ]
أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها" (^١).
قال التهامي:
طُبعتْ على كدرٍ وأنت تريدُها … صفوًا من الأقذاء والأكدار
ومكلّف الأيَّامٍ ضدَّ طباعها … متطلّبٌ في الماءِ جذوة نار (^٢).
ومن كلام جعفر الصادق: من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يُرزق، قيل له: وما ذاك؟ قال: الراحة في الدنيا. وأخذ بعضهم هذا المعنى فقال:
تطلب الراحة في دار العنا … خاب من يطلب شيئًا لا يكونْ (^٣).
وقال صفي الدين الحليّ:
قالَ العذولُ لمَ اعتزلتَ عن الورَى … وأقمتَ نفسكَ في المقامِ الأوهنِ
نادَيتُ طالبُ راحةٍ، فأجابَني … أتعبتها بطلابِ ما لم يمكن (^٤).
وقال آخر:
ومن رام في الدنيا حياة سليمة … من الهم والأكدار رام محالا (^٥).
وقال الماوردي: " الدنيا إذا وصلت فتبعاتٌ موبقة، وإذا فارقت ففجعات محرقة، وليس لوصلها دوام، ولا من فراقها بد، فرُضْ نفسك على قطيعتها لتسلم من تبعاتها، وعلى فراقها لتأمن فجعاتها، فقد قيل: المرء مقترض من عمره المنقرض، مع أن العمر وإن
_________________
(١) شرح الحكم العطائية (ص: ٣٦).
(٢) ديوان علي بن محمد التهامي (ص: ٢٧٦).
(٣) شرح الحكم العطائية (ص: ٣٦).
(٤) ديوان صفي الدين الحلي (ص: ١٢٠٩).
(٥) شرح الحكم العطائية (ص: ٣٧).
[ ٣٣٩ ]
طال قصير، والفراغ وإن تمَّ يسير" (^١).
وقال بعض البلغاء: "الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا تخلو من محنة، فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك، واستبدل بها قبل أن تستبدل بك؛ فإن نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وتبعاتها تبقى" (^٢).
وقال علي ﵁ يصف الدنيا": أولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، من صحَّ فيها سقم، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فُتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته، ومن نظر بها بصَّرته" (^٣).
وقال يزيد الهاشمي: " عيوب الدنيا بادية وهي تغيرها، ومواعظها منادية، لكن حبها يُعمي ويصم، فلا يسمع محبُّها نداءها، ولا يرى كشفها للغير وإيذاءها
قد نادتِ الدنيا على نفسِها … لو كان في العالم من يسمعُ
كم واثقٍ بالعمر أفنيته … وجامعٍ بددتُ ما يجمعُ
كم قد تبدل نعيمها بالضر والبؤس، كم أصبح من هو واثق بملكها وأمسى وهو منها قنوط بؤوس " (^٤).
"وقال بعض البلغاء: إن الدنيا تقبل إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب، وتصل وصال الملول، وتفارق فراق العجول، فخيرها يسير، وعيشها قصير، وإقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية، فاغتنم غفوة الزمان، وانتهز فرصة
_________________
(١) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ١٣٣).
(٢) المرجع السابق.
(٣) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ١٣٤).
(٤) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٢٧).
[ ٣٤٠ ]
الإمكان، وخذ من نفسك لنفسك، وتزود من يومك لغدك" (^١).
وقال أبو العتاهية:
هِيَ الدَّارُ دَارُ الْأَذَى وَالْقَذَى … وَدَارُ الْفَنَاءِ وَدَارُ الْغِيَرْ
فَلَوْ نِلْتهَا بِحَذَافِيرِهَا … لَمِتَّ وَلَمْ تَقْضِ مِنْهَا الْوَطَرْ
أَيَا مَنْ يُؤَمِّلُ طُولَ الْخُلُودِ … وَطُولُ الْخُلُودِ عَلَيْهِ ضَرَرْ
إذَا مَا كَبِرْت وَبَانَ الشَّبَابُ … فَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ الْكِبَرْ (^٢).
"وعن أمير المؤمنين عُمَرَ بن عبد العزيز، ﵀، أنه بكى يومًا بين أصحابه، فسُئل عن ذلك، فقال: فَكَّرتُ في الدنيا ولذاتها وشهواتها، فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تَنْقَضِي حتى تكدرها مرارتُها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادّكر" (^٣) ..
وقال ابن القيم: " الدنيا كامرأة بغيٍّ لا تثبت مع زوج، إنما تخطب الأزواج ليستحسنوا عليها فلا ترضى بالدياثة.
ميَّزتُ بين جمالها وفعالِها … فإذا الملاحةُ بالقباحة لا تَفي
حلفتْ لنا أن لا تخونَ عهودَنا … فكأنها حلفتْ لنا أن لا تَفي
السير في طلبها سيرٌ في أرض مسبعة، والسباحة فيها سباحة في غدير التمساح، المفروح به منها هو عين المحزون عليه، آلامها متولدة من لذاتها، وأحزانها من أفراحها.
مآربُ كانت في الشباب لأهلها … عِذابًا فصارت في المشيب عَذابا (^٤).
_________________
(١) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ١٣٤).
(٢) المرجع السابق (ص: ١٣٧).
(٣) تفسير ابن كثير (٢/ ١٨٥).
(٤) الفوائد، لابن القيم (ص: ٤٦).
[ ٣٤١ ]
الموفَّقون في الدنيا:
إن الفوز في هذه الحياة طريقُه إماتة الهوى، والاستيقاظ من نوم الغفلة، والنظر إلى المقصد الأعلى، الذي يقرب بعيد الغاية، ويسلِّي النفس عند مواجهة مشاقها.
فالموفقون لما عرفوا " قدر الحياة الدنيا وقلة المقام فيها أماتوا فيها الهوى؛ طلبًا لحياة الأبد، ولما استيقظوا من نوم الغفلة استرجعوا بالجد ما نهبه العدو منهم في زمن البطالة، فلما طالت عليهم الطريق تلمحوا المقصد فقرَّب عليهم البعيد، وكلما مرَّت لهم الحياة حلا لهم تذكر: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
وركبٍ سَروا والليل مُلقٍ رواقَه … على كل مغبرِّ المطالع قاتمِ
حدوا عزماتٍ ضاعت الأرضُ بينها … فصار سُراهم في ظهور العزائم
تُريهمْ نجومَ الليل ما يبتغونه … على عاتق الشِّعرى (^١) وهام النعائم
إذا اطّردتْ في معرك الجِدِّ قصَّفوا … رماحَ العطايا في صدور المكارم (^٢).
وحينما عرف هؤلاء الفطناء حقيقة هذه الدنيا تخفَّفوا منها، وأزالوا عن طريقهم إلى الله العوائق، واستجابوا لداعي الحق، فأبصروا" قصدهم، وبذلوا في الطلب جهدهم، وعلموا أن العلائق عوائق، وأن المخف هو السائق، فخففوا أنفسهم وأظهرهم من أثقال الأشغال؛ لعلمهم بأن الطريق كثير المزالق، هذه سنة الكرام في طلب ذي الجلال والإكرام، فأين المقتدون؟ وهذه سبيل هداة الأنام ودار السلام، فأين المهتدون؟ عاقنا -والله- عن اقتفاء آثارهم والتعلق بأذيال غبارهم فضولُ الكلام والطعام، وشغل القلب والجوارح بكسب الحطام، استُنفِزنا في سبيل الله فثبطنا، ودُعينا إلى الجناب العالي فأبينا، إن لنا همة دنية لا تشتاق إلى العالي، ولا تنافس في طلب الغالي، ولا تأنف من الهوى ولا
_________________
(١) الشِّعرى: كوكب.
(٢) الفوائد، لابن القيم (ص: ٤٦).
[ ٣٤٢ ]
تبالي" (^١).
لم تكن الدنيا لدى الموفّقين كبيرة ولا عظيمة؛ حتى انشغلوا بها ونسوا الآخرة، بل كانت لديهم حقيرة صغيرة لا تستحق الانشغال بها.
قال الحسن البصري: " ولقد رأيت أقوامًا كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه، ولقد رأيت أقوامًا يمسي أحدهم وما يجد عنده إلا قوتًا فيقول: لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن بعضه لله ﷿، فيتصدق ببعضه، وإن كان هو أحوج ممن يتصدق به عليه! " (^٢).
إن نور التوفيق جعل محبِّي الآخرة ينظرون إلى الدنيا بعين بصيرتهم المشرقة فأبصروها فانية، ذات لذات زائلة، فتركوا الركون إليها، والانكباب عليها؛ خشية الخسران في الآخرة.
قال الشاعر:
إنِّي رَأَيْتُ عَوَاقِبَ الدُّنْيَا … فَتَرَكْتُ مَا أَهْوَى لِمَا أَخْشَى
فَكَّرْتُ فِي الدُّنْيَا وَعَالَمِهَا … فَإِذَا جَمِيعُ أُمُورِهَا تَفْنَى
وَبَلَوْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا فَإِذَا … كُلُّ امْرِئٍ فِي شَأْنِهِ يَسْعَى
أَسْنَى مَنَازِلِهَا وَأَرْفَعُهَا … فِي الْعِزِّ أَقْرَبُهَا مِنْ الْمَهْوَى
تَعْفُو مَسَاوِيهَا مَحَاسِنَهَا … لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّعْيِ وَالْبُشْرَى
وَلَقَدْ مَرَرْتُ عَلَى الْقُبُورِ فَمَا … مَيَّزْتُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى (^٣).
_________________
(١) التذكرة في الوعظ، للقرشي (ص: ٥٢).
(٢) حلية الأولياء، لأبي نعيم (٢/ ١٣٤).
(٣) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ٣٧٢).
[ ٣٤٣ ]
هكذا فكن معها:
فيا أيها العاقل، لا تغتر بدنياك فتنسى آخرتك؛ فالدنيا زهرة فانية عما قريب ستذبل، ولا تنظر إليها بعين الإعجاب والطمع؛ فإنها لا تستحق تلك النظرة على الحقيقة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]. وقال: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
ولا تنظر إلى أولئك الذين فرحوا بما أُوتوا من أعراض الدنيا ومتاعها الزائل فألهاهم عن الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦].
فإن هذه الدار دار خيال ولهو ولهب، وليس بعاقل من انصرف إلى ذلك وترك دار الحقيقة والخلود، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢].
فخذ من دنياك ما يكفيك ولا يلهيك، وأعرض عنها احتقارًا لشأنها، واستصغارًا لما فيها فذلك هو الزهد، فعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس) (^١).
"كتب أبو الدرداء إلى بعض إخوانه: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عند الله؛ فإنك إذا فعلت ذلك أحبك الله؛ لرغبتك فيما عنده، وأحبك الناس؛ لتركك لهم دنياهم، والسلام" (^٢).
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢/ ١٣٧٣)، وهو حسن.
(٢) شعب الإيمان، للبيهقي (٧/ ٣٨١).
[ ٣٤٤ ]
وانظر إليها نظر الكاره المبغض، ولا تنظر إليها نظر العاشق المحب؛ فإن المحب مفتون بمحبوبه، مستجيب لما يأمر به.
عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول لله ﷺ قال: (من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى) (^١).
وقال بعض الحكماء: "انظر إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق لها، ولا تتأملها تأمل العاشق الوامق بها" (^٢).
وإذا أينعت دنياك فإياك أن تميل إلى الانشغال بقطف ثمارها، والتلهي بمتاعها، والتنافس عليها؛ فإن ذلك قد أهلك من قبلك، واعتبر بمن غرَّتهم من السالفين ماذا أخذوا منها، وما كانت عاقبتهم عليها؟ قال رسول الله ﷺ: (فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم) (^٣).
"وقال أبو حازم: إن الدنيا غرَّت أقوامًا فعملوا فيها بغير الحق، فعاجلهم الموت فخلَّفوا مالهم لمن لا يحمدهم، وصاروا لمن لا يعذرهم، وقد خلقنا بعدهم فينبغي أن ننظر للذي كرهناه منهم فنجتنبه، والذي غبطناهم به فنستعمله (^٤).
وإن تجمَّلت لك بزخارفها، وأبدت لك مفاتنها فغض بصرك عنها؛ حتى تسلم من فتنتها؛ فإنها شَرك الهلاك، ومصيدة الشقاء، فعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) (^٥).
_________________
(١) رواه أحمد (٣٢/ ٤٧٠)، وابن حبان (٢/ ٤٨٦)، وهو صحيح.
(٢) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ٢٤).
(٣) رواه البخاري (٣/ ١١٥٢)، ومسلم (٤/ ٢٢٧٣).
(٤) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ١٥١).
(٥) رواه مسلم (٤/ ٢٠٩٨).
[ ٣٤٥ ]
قال ابن الجوزي: "الدنيا فخٌّ، والجاهل بأول نظرة يقع، فأما العاقل المتقِي فهو يصابر المجاعة، ويدور حول الحَب والسلامة بعيدة. فكم من صابر اجتهد سنين، ثم في آخر الأمر وقع. فالحذر الحذر؛ فقد رأينا من كان على سَنن الصواب، ثم زل على شفير القبر" (^١).
فـ" ينبغي للعبد المؤمن بربه إذا نظر إلى زهرة الدنيا فدعته إلى نفسها برونقها البهيج أن يقول لها بلسان الحال: إليك عني يا سريعة الزوال، إنما تصلحين للتشويق إلى دار ليس لساكنها عنها انتقال، أنت خزفٌ فانٍ، وتلك جوهر باق، فلتفرِّقْ بين الدارين عقولُ الرجال.
خلِّ عن منزل الفنا والزوالِ … ثم يمِّمْ نحو الجنابِ العالي
منزلِ الكرامة والأنس والبرْ … رِّ ونيلِ المنى ونيل النوال
تلك والله دارُ قوم شَروَها … بنفيسِ النفوس والأموال
حين زُفّت إليهمُ خطوبها … ثم ساقوا لها المهورَ الغوالي (^٢).
وخذ من الدنيا ما حلَّ لك بالطرق المشروعة من غير كد في الطلب ولا حرص ولا تهافت على الشبهات والحرام، فقد " جمع النبي في قوله: (فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) بين مصالح الدنيا والآخرة، ونعيمُها ولذاتها إنما ينال بتقوى الله. وراحةُ القلب والبدن وترك الاهتمام، والحرص الشديد والتعب والعناد والكد والشقاء في طلب الدنيا إنما ينال بالإجمال في الطلب. فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها، ومن أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها، فالله المستعان" (^٣).
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ١٤١).
(٢) التذكرة في الوعظ (ص: ٢٤).
(٣) الفوائد، لابن القيم (ص: ٥٩).
[ ٣٤٦ ]
وإياك أن تسلم للدنيا جلَّ همك، وتعطيها مفتاح قلبك، بل صاحبها "ببدنك وفارقها بقلبك وهمك؛ فإنك موقوف على عملك، فخذ مما في يديك لما بين يديك، وعند الموت يأتيك الخبر" (^١).
قال الحسن: " ابنَ آدم، لا تعلِّق قلبك في الدنيا فتعلقه بشر معلَق، اقطع حبالها، وغلِّق أبوابها، حسبك -يا ابن آدم- منها ما يبلغك المحل"، وكان يقول: إن قومًا أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينُوها فأهنا ما تكون إذا أهنتموها، هيهات هيهات ذهبت الدنيا وبقيت الأعمال قلائد في الاعناق (^٢).
وإياك أن تركب للدنيا مطيةَ الهوى، فتوصلك إلى متاهات الفتنة؛ فإن "الهوى مطية الفتنة، والدنيا دار المحنة، فانزل عن الهوى تسلم، وأعرض عن الدنيا تغنم، ولا يغرنك هواك بطيب الملاهي، ولا تفتنك دنياك بحسن العواري؛ فمدة اللهو تنقطع، وعارية الدهر ترتجع، ويبقى عليك ما ترتكبه من المحارم، وتكتسبه من المآثم" (^٣).
ولا تأمل البقاء عليها طويلا، ولا تركن إلى محاسنها كثيرا؛ فإنها لن تدوم، ولن تبقى.
"قال بعض العلماء: إن الدنيا كثيرة التغيير، سريعة التنكر، شديدة المكر، دائمة الغدر، فاقطع أسباب الهوى عن قلبك، واجعل أبعدَ أملِك بقية يومك، وكُن كأنك ترى ثواب أعمالك" (^٤).
وإياك أن تغفل عن الدار الآخرة؛ فإنها هي الوطن، وأما الدنيا فإنها دار غربة، ودار ممر لا دار مقر، وأنت فيها غريب أو عابر سبيل، فتحمل في طريق غايتك عناءَ سفرك، وكآبة غربتك.
_________________
(١) حلية الأولياء، لأبي نعيم (١/ ٣٠٦).
(٢) عدة الصابرين، لابن القيم (ص: ١٩٣).
(٣) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ٢٤).
(٤) المرجع السابق (ص: ١٣٦).
[ ٣٤٧ ]
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك (^١).
قال ابن القيم: "الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة أو النار، والعاقل يعلم أن السفر مبنِي على المشقة وركوب الأخطار، ومن المحال عادة أن يطلب فيه نعيم ولذة وراحة، إنما ذلك بعد انتهاء السفر، ومن المعلوم أن كل وطأة قدم أو كل آنٍ من آنات السفر غير واقفة، ولا المكلف واقف وقد ثبت أنه مسافر على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل، وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدم الاستعداد للسير" (^٢).
موعظة جامعة:
وما أحسن موعظة الحسن البصري ﵀ حيث يقول: " إن الدنيا دار عمل، من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها، سعد بها ونفعته صحبتها، ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقِي بها، وأجحف بحظه من الله عز وجل، ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه ولا طاقة له به من عذاب الله، فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله تعالى ولِي ميراثها، وأهلها محولون عنها إلى منازل لا تبلى ولا يغيرها طول الثواء (^٣) فاحذروا -ولا قوة إلا بالله- ذلك الموطن، وأكثروا ذكر ذلك، واقطع -يا ابن آدم- من الدنيا أكثرَ همك، أو لتقطعن حبالها بك، فينقطع ذكر ما خلقت له من نفسك، ويزيغ عن الحق قلبك، وتميل إلى الدنيا فترديك، وتلك منازل سوء بيِّنٌ ضرها، منقطع نفعها، مفضية
_________________
(١) رواه البخاري (٥/ ٢٣٥٨).
(٢) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٩٠).
(٣) الثواء: الإقامة.
[ ٣٤٨ ]
والله بأهلها إلى ندامة طويلة، وعذاب شديد، فلا تكونن -يا ابن آدم- مغترًا، ولا تأمن مالم يأتك الأمان منه؛ فإن الهول الأعظم ومفظعات الأمور أمامك، لم تخلص منها حتي الآن، ولا بد من ذلك المسلك، وحضور تلك الأمور، إما يعافيك من شرها وينجيك من أهوالها، وإما الهلكة وهي منازل شديدة مخوفة محذورة مفزعة للقلوب؛ فلذلك فاعدُد، ومن شرها فاهرب، ولا يلهينك المتاع القليل الفاني، ولا تربص بنفسك فهي سريعة الانتقاص من عمرك، فبادر أجلك ولا تقل غدًا غدًا؛ فإنك لا تدري متى إلى الله تصير، واعلموا أن الناس أصبحوا جادين في زينة الدنيا، يضربون في كل غمرة (^١) وكلٌّ معجب بما هو فيه، راضٍ به، حريص على أن يزداد منه، فما لم يكن من ذلك لله ﷿ وفي طاعة الله فقد خسر أهله، وضاع سعيه، وما كان من ذلك في الله وفي طاعة الله فقد أصاب أهله به وجه أمرهم، ووفقوا فيه بحظهم، عندهم كتاب الله وعهده وذكر ما مضى وذكر ما بقِي والخبر عمن وراءهم كذلك أمر الله اليوم وقبل ذلك أمره فيمن مضى، … وحق على من جاءه البيان من الله بأن هذا أمره وهو واقع أن يصغر في عينه ما هو عند الله صغير، وأن يعظم في نفسه ما هو عند الله عظيم، أوَ ليس ما ذكر الله من الكراهة لأهلها فيما بعد الموت والهوان ما يطيب نفس امرئ عن عيشة دنياه؛ فإنها قد آذنت بزوال، لا يدوم نعيمها، ولا يؤمن فجائعها، يبلى جديدها، ويسقم صحيحها، ويفتقر غنيها، ميالة بأهلها، لعَّابة بهم على كل حال، ففيها عبرة لمن اعتبر، وبيان فعلِي منتظر. يا ابن آدم، أنت اليوم في دار هي لافظتك، وكأن قد بدا لك أمرها، فإلى الصرام (^٢) ما يكون سريعًا، ثم يفضي بأهلها إلى أشد الأمور وأعظمها خطرًا، فاتق الله -يا ابن آدم- وليكن سعيك في دنياك لآخرتك؛ فإنه ليس لك من دنياك شيء إلا ما صدرت أمامك، فلا تدخرن عن نفسك مالك، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك، ولكن تزود لبعد الشُّقة، واعدد العدة أيام حياتك، وطول مقامك قبل أن ينزل بك من قضاء الله ما هو نازل، فيحول دون
_________________
(١) الغمرة: الضلالة.
(٢) الصرام: الانقطاع.
[ ٣٤٩ ]
الذي تريد فإذا أنت -يا ابن آدم- قد ندمت حيث لا تغني الندامة عنك. ارفض الدنيا ولتسخُ بها نفسُك، ودع منها الفضل؛ فإنك إذا فعلت ذلك أصبت أربح الأثمان من نعيم لا يزول، ونجوت من عذاب شديد ليس لأهله راحة ولا فترة، فاكدح لما خلقت له قبل أن تفرق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها، صاحب الدنيا بجسدك وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما قد سلف بين يديك من العمر، وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه؛ فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزدك إعجاب أهلها بها زهدًا فيها، وحذرًا منها؛ فإن الصالحين كذلك كانوا. واعلم -يا ابن آدم- أنك تطلب أمرًا عظيمًا لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فلا تركب الغرور وأنت ترى سبيله، ولا تدع حظك وقد عرض عليك وأنت مسئول ومقول لك، فأخلص عملك، وإذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإن أنجى الناس من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء، وأمر العباد بطاعة الله وطاعة رسوله؛ فإنكم أصبحتم في دار مذمومة خلقت فتنة، وضُرب لأهلها أجل، إذا انتهوا إليه يبيد، أخرج نباتها، وبث فيها من كل دابة، ثم أخبرهم بالذي هم إليه صائرون، وأمر عباده فيما أخرج لهم من ذلك بطاعته، وبين لهم سبيلها يعني سبيل الطاعة، ووعدهم عليها الجنة، وهم في قبضته ليس منهم بمعجز له، وليس شيء من أعمالهم يخفى عليه، سعيهم فيها شتى بين عاص ومطيع له، ولكل جزاء من الله بما عمل ونصيب غير منقوص، ولم أسمع الله تعالى فيما عهد إلى عباده وأنزل عليهم في كتابه رغب في الدنيا أحدًا من خلقه، ولا رضي له بالطمأنينة فيها، ولا الركون إليها، بل صرف الآيات وضرب الأمثال بالعيب لها، والنهي عنها ورغب في غيرها، وقد بين لعباده أن الأمر الذي خلقت له الدنيا وأهلها عظيم الشأن، هائل المطلع، نقلهم عنها إلى دار لا يشبه ثوابها ثوابًا ولا عقابها عقابًا، لكنها دار خلود يُدِين الله تعالى فيه العبادَ بأعمالهم، ثم ينزلهم منازلهم، لا يتغير فيها بؤس عن أهلها ولا نعيم. فرحم الله عبدًا طلب الحلال جهده حتى إذا دار في يده وجهه وجهه الذي هو وجهه. ويحك يا ابن آدم، ما يضرك الذي أصابك من شدائد الدنيا إذا خلص لك خير الآخرة؟ ﴿أَلْهَاكُمُ
[ ٣٥٠ ]
التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١، ٢]، هذا فضح القوم ألهاكم التكاثر عن الجنة عند دعوة الله تعالى وكرامته. والله لقد صحبنا أقوامًا كانوا يقولون: ليس لنا في الدنيا حاجة، ليس لها خُلقنا، فطلبوا الجنة بغدوهم ورواحهم وسهرهم، نعم- والله- حتى أهرقوا فيها دماءهم، ورجوا فأفلحوا ونجوا" (^١).
ففكِّر-يا عبد الله- في الآخرة وما فيها من الثواب الجزيل، والعطاء الكثير لمن آمن وعمل صالحًا؛ فإن ذلك يمحو حب الدنيا من قلبك، ويشحذ همتك بالجد في الاستعداد لجنة الله ورضوانه. قال الغزالي: "وأما حب الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد، وهو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين علاجه، ولا علاج له إلا الإيمان باليوم الآخر وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب، ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا؛ فإن حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير، فإذا رأى حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلها، وإن أُعطِي ملك الأرض من المشرق إلى المغرب، وكيف وليس عنده من الدنيا إلا قدر يسير مكدر منغص، فكيف يفرح بها أو يترسخ في القلب حبها مع الإيمان بالآخرة، فنسأل الله تعالى أن يرينا الدنيا كما أراها الصالحين من عباده" (^٢).
_________________
(١) حلية الأولياء، لأبي نعيم (٢/ ١٤٠ - ١٤٢).
(٢) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٤٥٧).
[ ٣٥١ ]
نذيرُ الشيب
الموت مصير لابد منه، ومآل سيؤول إليه كل حي، وهو أجلٌ معلوم لا يدري المخلوق متى يلاقيه. ولما كان الممات ميعادًا ينقطع بلقياه الأمل، وتنتهي بنزوله مهلةُ العمل، ويكثر عنده ندم المفرّطين، لانتقالهم به من دار التكليف إلى دار الحساب؛ فقد رحم اللهُ تعالى خلقه بإرساله رسلًا تنذرهم بقرب المنية؛ حتى يجدّ المبطئ، ويتوب المسرف المفرِّط، وينتبه الغافل، ويصحو اللاهي. فمن تلك النذر بقدوم الموت: الشّيب الذي يسلُّ حسام موعظته ببريقه على سواد الشعور، ويزجر صاحبها ببياضه عن الفتور والقصور.
فـ" من نزل به الشيب فهو بمنزلة الحامل التي تمت شهور حملها، فما تنتظر إلا الولادة، كذلك صاحب الشيب لا ينتظر إلا الموت، فقبيحٌ منه الإصرار على الذنب.
أيُّ شيءٍ تريدُ مني الذنوبُ … شَغُفتْ بي فليس عني تغيبُ
ما يضرُّ الذنوبَ لو أعتقتني … رحمةً بي فقد علاني المشيبُ (^١).
إن الشيب ضياء يلمع في قافية ليل الحياة بعد أن قطع ذلك الليلُ مسيرةً طويلة أوشك بعدها على الذهاب والانتهاء، فقدّمَ بين يديه طليعةً للإخبار بقرب رحيل صاحبه عن الدنيا، فمن أصغى لخبر النذير استعد له وأخذ للأمر أُهبته، ومن لم يسمع نصيحته فاجأه جيشُ المنية فأنزل به ما يكره من النكال.
ولا ريب أن الإنسان في الحياة الدنيا لا يبقى على قوته وقدرته، بل يدركه العجز والضعف، وينتقل من تمامه إلى نقصانه، ومن سعة زمانه إلى ضيق أوانه، ومن حياته إلى
_________________
(١) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٣٧٠).
[ ٣٥٢ ]