رحلة لكل مخلوق:
إن كل حي سيؤول إلى ذلك المصير، ولن يتخلف عنه مخلوق، سواء كان صغيرًا أم كبيرًا، صحيحًا أم عليلًا، إنسيًا أم جنيًا أم مَلكًا، أم حيوانًا، ولن يبقى إلا الحي القيوم ﷾، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال سبحانه: ﴿كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىَ وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ﴾، فـ"يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا" (^١).
متى ما نزل الأجل فلا حصن يعصم من نزوله، ولا مانع يمنع من أخذته، ولو تدرع الإنسان بكل مانع، وتترس بكل عاصم، قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]. " والمقصود أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء، سواء جاهد أو لم يجاهد؛ فإن له أجلًا محتومًا، ومقامًا مقسومًا، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء، وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: حصينة منيعة عالية رفيعة … أي: لا يغني حذر وتحصن من الموت، كما قال زهير بن أبي سلمى:
ومَن هابَ أسباب المنايا ينلْنه … ولو رامَ أسبابَ السماء بسلَّمِ" (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٢٩).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٦٥٠).
[ ٣٧٢ ]
وقال الآخر:
لا تَأُمَنِ الموتَ في طَرْفٍ ولا نَفَسِ … ولو تَسَتَّرْتَ بِالأبواب والحَرَسِ
واعْلَمْ بأنّ سِهامَ الموت قاصدةٌ … لكلِّ مُدَّرعٍ منّا ومُتَّرِسِ
ترجو النجاةَ ولم تَسْلُكْ طَرِيقَتها … إنّ السفينةَ لا تَجْرِي على اليَبسِ (^١).
إن قَدَر الموت ذهابٌ عن الدنيا بلا عودة، ومغادرة للحياة القصيرة الفانية إلى حياة طويلة باقية، ورجوع إلى الله تعالى بعد رحلة التكليف إلى دار الدنيا، فمن تمنى الأوبة إلى الدنيا وسألها؛ ليعمل صالحًا؛ فلن يعطى مناه، ولن ينال سؤله. قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠، ١١]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠]. فـ" الكافر والمفرط في عمل الخير إذا حضر أحدهما الموت طلبا الرجعة إلى الحياة، ليعملا العمل الصالح الذي يدخلهما الجنة، ويتداركا به ما سلف منهما من الكفر والتفريط وأنهما لا يجابان لذلك، كما دل عليه حرف الزجر والردع الذي هو كلا" (^٢). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢] " يعني: ثم رد العباد بالموت إلى الله في الآخرة" (^٣).
نظرة العاقل:
فمن أيقن بأن الموت يطلبه، وأن عساكره تنتظره، ولن يجد من قبضته شيئًا يمنعه،
_________________
(١) الأغاني، للأصفهاني (٤/ ١١٢).
(٢) أضواء البيان، للشنقيطي (٥/ ٣٥٤).
(٣) تفسير الخازن (٢/ ١٤٢).
[ ٣٧٣ ]
وأنه سيذهب به عن دنياه بلا عودة، وسيلقى ربه فيحاسبه على ما قدم؛ فإن سيستعد للموت بما ينجيه بعد الموت، ويفرحه بلقاء هذا القدر المحتوم، ومن كان مستعدًا للموت في كل وقت ذهبت عنه سِنَة الغفلة، وأخذ لما بعد الموت الأُهبة، فجهّز زاد النجاة، وملأ حقائب سفره بما ينفعه عند لقاء ربه، وقصر من أمله، وتخلّص من مظالم الخلق وحقوقهم عليه، وظل مشغولَ البال بالرحيل، فإذا ناداه منادي الرحيل أجابه فرحًا مشتاقًا، غيرَ فزِعٍ ولا مشعوف، ولا آبق ولا حزين، وقال: مرحبًا بحبيب جاء على موعد.
فعن ابن مسعود ﵁ قال: خط النبي ﷺ خطًا مربعًا، وخط خطًا في الوسط خارجًا منه، وخط خُطَطًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال: (هذا الإنسان وهذا أجله محيط به - أو قد أحاط به - وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الْخُطَطُ الصغار الأعراض (^١)، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا) (^٢). وفي هذا الحديث: " تنبيه من النبي لأمته على تقصير الأمل، واستشعار الأجل؛ خوف بغتة الأجل، ومن غيب عنه أجله فهو حري بتوقعه وانتظاره؛ خشية هجومه عليه في حال غِرَّة وغفلة، ونعوذ بالله من ذلك، فليرُضْ المؤمن نفسه على استشعار ما نبه عليه، ويجاهد أمله وهواه ويستعين بالله على ذلك؛ فإن ابن آدم مجبول على الأمل" (^٣).
قال ابن الجوزي: " الواجب على العاقل أخذ العدة لرحيله؛ فإنه لا يعلم متى يفجؤه أمرُ ربه، ولا يدري متى يُستدعى؟ وإني رأيت خلقًا كثيرًا غرهم الشباب، ونسوا فقد الأقران، وألهاهم طول الأمل. وربما قال العالم المحض لنفسه: أشتغل بالعلم اليوم ثم أعمل به غدًا! فيتساهل في الزلل بحجة الراحة، ويؤخر الأهبة لتحقيق التوبة، ولا يتحاشى من غيبة أو سماعها، ومن كسب شبهة يأمل أن يمحوها بالورع. وينسى أن الموت
_________________
(١) الأعراض" جمع عرض- بفتحتين-: وهو ما ينتفع به له الدنيا في الخير وفي الشر. فتح الباري (١١/ ٢٣٨).
(٢) رواه البخاري (٥/ ٢٣٥٩).
(٣) شرح صحيح البخاري، لابن بطال (١٠/ ١٥٠).
[ ٣٧٤ ]
قد يبغت. فالعاقل من أعطى كل لحظة حقها من الواجب عليه؛ فإن بغته الموت رؤي مستعدًا، وإن نال الأمل ازداد خيرًا " (^١).
وقال أيضًا: " إذا علم الإنسان بأنّ الموت يقطعه عن العمل، عمل في حياته ما يدوم له أجره بعد موته. فإن كان له شيء من الدّنيا وقف وقفًا وغرس غرسًا وأجرى نهرًا، ويسعى في تحصيل ذرّيّة تذكر اللّه بعده فيكون الأجر له، أو أن يصنّف كتابًا من العلم؛ فإنّ تصنيف العالم ولده المخلّد. وأن يكون عاملًا بالخير عالمًا فيه، فينقل من فعله ما يقتدي الغير به، فذلك الّذي لم يمت قد مات قوم وهم في الناس أحياء" (^٢).
وقال المناوي: " وترحل عن الدنيا حتى تنزل بالآخرة، وتحل فيها حتى تبقى من أهلها، وأنك جئت إلى هذه الدار كغريب يأخذ منها حاجته ويعود إلى الوطن الذي هو القبر، وقد قال علي ﵁: (إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، والآخرة ترحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل). فكأنك بالموت وقد سقاك كأسه على غفلة، فصرت من عسكر الموتى، فنزِّل نفسك منزلة من قضى نحبه، واترك الحرص واغتنم العمل وقصر الأمل، ومن تصور في نفسه أنه يعيش غدًا لا يهتم له ولا يسعى لكفايته، فيصير حرًا من رِقِّ الحرص والطمع والذل لأهل الدنيا، قال ابن الجوزي: إذا رأيت قبرًا فتوهمه قبرك، وعُدْ باقي الحياة ربحًا" (^٣).
"وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ مُدْرِكُهُ … وَالْقَبْرَ مَسْكَنُهُ وَالْبَعْثَ مُخْرِجُهُ
وَأَنَّهُ بَيْنَ جَنَّاتٍ سَتُبْهِجُهُ … يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ نَارٍ سَتُنْضِجُهُ
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٤).
(٢) المرجع السابق (ص: ٨).
(٣) فيض القدير، للمناوي (١/ ٥٥٠).
[ ٣٧٥ ]
فَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى التَّقْوَى بِهِ سَمْجٌ … وَمَا أَقَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ أَسْمَجُهُ
تَرَى الَّذِي اتَّخَذَ الدُّنْيَا لَهُ وَطَنًا … لَمْ يَدْرِ أَنَّ الْمَنَايَا سَوْفَ تُزْعِجُهُ" (^١).
وقال غيره:
يا أيها الرجل الناسي منيَّتَه … لا تأمننَّ فإن الموت مكتوبُ
على الخلائق إن سرّوا وإن كرهوا … فالموت حتمٌ لذي الآمال منصوبُ
لا تبنينَّ ديارًا لستَ ساكنَها … وراجع النُّسْك كيما يغفر الحُوبُ" (^٢).
دائم الحضور:
إن المستعد للموت لا يغفل عن تذكره، بل يبقى الموت في باله حاضرًا، يقوده إلى الخيرات، ويكفه عن التقصير والسيئات، ويصرفه عن الانشغال بالدنيا إلى الانشغال بالآخرة، ويفسح بالأمل باله إن كان في ضيق، ويكبح جماح نفسه عن الاسترسال في مراتع اللذات والشهوات الدنيوية الفانية التي تلهيه عن الآخرة.
عن معاذ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: (اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله عند كل حجر وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر والعلانية بالعلانية) (^٣).
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بمجلس وهم يضحكون فقال: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) أحسبه قال: (فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسّعه، ولا في سعة إلا ضيقه عليه) (^٤)
_________________
(١) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ١٤٨).
(٢) بستان الواعظين ورياض السامعين، لابن الجوزي (ص: ١٩٤).
(٣) رواه الطبراني، المعجم الكبير (٢٠/ ١٧٥)، وهو حسن.
(٤) رواه البزار (٢/ ٣٢٧)، وهو حسن.
[ ٣٧٦ ]
قال المُناوي: " قال العسكري: لو فكر البلغاء في هذا اللفظ لعلموا أنّ المصطفى أوفى بهذا القليل على كل ما قيل في الموت نظمًا ونثرًا، قال الغزالي: وللعارف في ذكره-أي: الموت- فائدتان: النفرة عن الدنيا، والثانية: الشوق إلى لقاء الله، ولا يصير إلى إقبال الخلق على الدنيا إلا قلة التفكر في الموت" (^١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (استحيوا من الله حق الحياء) قال: قلنا: يا نبي الله، إنا لنستحي، والحمد لله، قال: (ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء) (^٢).
وقال رسول الله ﷺ: (أفضل المؤمنين أحسنهم خلقًا، وأكيسهم-يعني: أعقلهم- أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم له استعدادًا، أولئك الأكياس) (^٣).
"قال الحسن: إن الموت قد فضح الدنيا فلم يدع لذي لب بها فرحًا، وقال مطرف: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا نعيمًا لا موت فيه، وقال يونس بن عبيد: ما ترك ذكر الموت لنا قرة عين في أهل ولا مال" (^٤).
فيا عجبًا لغافل عن تذكر الموت، وأسبابُ الموت تطرق بابه، وخُطاه تقترب من لقائه، ورصيد عمره على وشك النفاد، والاقترابِ من مفارقة الحياة!
قال ابن الجوزي: "إني أعجب من عاقل يرى استيلاء الموت على أقرانه وجيرانه كيف يطيب عيشه، خصوصًا إذا علت سنه؟!. واعجبًا لمن يرى الأفاعي تدب إليه وهو لا
_________________
(١) التيسير بشرح الجامع الصغير - للمناوي (١/ ٤٠٣).
(٢) رواه أحمد (٦/ ١٨٧)، والترمذي (٤/ ٦٣٧)، والحاكم (٤/ ٣٥٩)، وهو حسن.
(٣) رواه ابن ماجه (٢/ ١٤٢٣)، والبيهقي في الزهد الكبير (٥٢/ ٢)، وهو حسن.
(٤) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٢٧).
[ ٣٧٧ ]
ينزعج. أما يرى الشيخ دبيب الموت في أعضائه، قد أخرج سكين القوى، وأنزل الضعف، وقلب السواد بياضًا، ثم في كل يوم يزيد الناقص، ففي نظر العاقل إلى نفسه ما يشغله عن النظر إلى خراب الدنيا وفراق الإخوان، إن كان ذلك مزعجًا، ولكن شغل من احترق بيته بنقل متاعه يلهيه عن ذكر بيوت الجيران. إنه لمما يسلي عن الدنيا ويهون فراقها استبدال المعارف بمن تكره، فقد رأينا أغنياء كانوا يؤثرون، وفقراء كانوا يصبرون، ومحاسبين لأنفسهم يتورعون، فاستبدل السفهاء عن العقلاء، والبخلاء عن الكرماء، فيا سهولة الرحيل، لعل النفس تلقى من فقدت، فتلحق بمن أحبت" (^١).
وقال ابن المعتز:
نَسِيرُ إلَى الْآجَالِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ … وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وَهُنَّ رَوَاحِلُ
وَلَمْ نَرَ مِثْلَ الْمَوْتِ حَقًّا كَأَنَّهُ … إذَا مَا تَخَطَّتْهُ الْأَمَانِيُّ بَاطِلُ
وَمَا أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبَا … فَكَيْفَ بِهِ وَالشَّيْبُ فِي الرَّأْسِ نَازِلُ
تَرَحَّلْ عَنْ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنْ التُّقَى … فَعُمْرُك أَيَّامٌ -تُعَدُّ- قَلَائِلُ" (^٢).
بوابة العطايا:
إن الموت وإن كان مُرًّا على النفوس بالنظر إلى الطبيعة، لكنه للمؤمن بوابة نيل العطايا الجزيلة، والتخلص من تعب الدنيا وشقائها. فعن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ مُرَّ عليه بجنازة فقال: (مستريح ومستراح منه) قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: (العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) (^٣).
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٣١٧).
(٢) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ١٥١).
(٣) رواه البخاري، (٥/ ٢٣٨٨)، ومسلم (٢/ ٦٥٦).
[ ٣٧٨ ]
ويزداد حب المؤمن للموت حينما تبشره الملائكة عند الموت بحسن المنقلب، وكرم الوفادة عند ربه ﷾، فعن عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) فقلت: يا نبي الله، أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت؟ فقال: (ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه) (^١).
قال النووي: " ومعنى الحديث: أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل توبته ولا غيرها، فحينئذ يبشر كل إنسان بما هو صائر إليه، وما أعد له، ويكشف له عن ذلك، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله؛ لينتقلوا إلى ما أعد لهم، ويحب الله لقاءهم، وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه؛ لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه، ويكره الله لقاءهم. وليس معنى الحديث أن سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك، ولا أن حبه لقاء الآخرين حبهم ذلك، بل هو صفة لهم" (^٢).
وقال القرطبي: " وهذه الكراهة للمرت هي الكراهية الطبيعية التي هي راجعة إلى النفرة عن المكروه والضرر، واستصعاب ذلك على النفوس. ولا شك في وجدانها لكلِّ أحد، غير أن مَنْ رزقه الله تعالى ذوقًا من محبته، وانكشف له شيء من جمال حضرته، غلب عليه ما يجده من خالص محبته، فقال عند أزوف رحلته، مخاطبًا للموت وسكرته، كما قال معاذ ﵁: " حبيبٌ جاء على فاقة، لا أفلح اليوم من ندم" (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٥/ ٢٣٨٦)، ومسلم (٤/ ٢٠٦٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ٤٧)، بتصرف.
(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٨/ ١٢٠).
[ ٣٧٩ ]
أولُ منازلِ الآخرة
إذا وُلِد الإنسان من بطن أمه إلى هذه الدنيا فله ثلاثة منازل يسكنها: منزل في الدنيا، ومنزل في القبر، ومنزل في الآخرة: إما في الجنة، وإما في النار. فمَن أحسن العمل في منزله الأول أُحسِن له الجزاء في منزله الثاني والثالث، ومن أساء لقيَ جزاء عمله السيء في ثاني منازله وثالثها.
إن الإنسان في دار الدنيا هو في دار تكليف ينتقل بعدها إلى دار جزاء، فأول ما يلقى جزاء عمله في قبره؛ فإن القبر أول منازل الآخرة، ومنه تبدأ رحلة النعيم والهناء، أو العذاب والشقاء، فمن نال النعيم فيه فهو بشرى حسنة لما بعده، ومن بقي معذبًا فيه فما بعده هو أشد عليه.
فعن هانئ مولى عثمان بن عفان قال: كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكُر الجنة والنار فلا تبكي، وتذكر القبر فتبكي! فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد) قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما رأيت منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه) (^١).
ولقد أكرم الله تعالى الإنسان بمواراته في التراب في قبر يضم بدنه، ويستره عن أعين الأحياء لما يحدث لجثته من التغير، ويكرم أقاربه أن لا يرى الناس قريبهم وهو على تلك الحال التي يصير إليها الأموات، قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٥٠٣)، والترمذي (٤/ ٥٥٣)، والحاكم (١/ ٥٢٦)، وابن ماجه (٢/ ١٤٢٦)، وهو حسن.
[ ٣٨٠ ]