أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى بِالْمَوْصِلِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جميل الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ حَبِيبٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن يوقن أن الأشياء كلها قد فرغ منها فمنها مَا هو كائن لا محالة ومالا يكون فلا حيلة للخلق في تكوينه فإن دفعه الوقت إلى حال شدة يجب أن يتزر بإزار له طرفان أحدهما الصبر والآخر الرضا ليستوفي كمال الأجر لفعله ذلك فكم من شدة قد صعبت وتعذر زوالها على العالم بأسره ثم فرج عنها السهل في أقل من لحظة
[ ١٥٧ ]
ولقد أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي كم من أمر قد تضايقت به فأتاني الله منه بالفرج
ولعبد مؤيس قربه قدر الله فعاد بالنهج
فله الحمد على ذي سرمدا مَا أضاء الصبح يوما وبلج
وكذاك اللَّه رب قادر يصلح الأمر الذي فيه عوج
وله الحمد على آلائه يستديم اليسر منه والفلج
حدثنا أَبُو خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَن أَبِي الحجاج الأزدي قَالَ سألنا سلمان مَا الإيمان بالقدر قَالَ إذا علم العبد أن مَا أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه
وأنشدني الأبرش هون على نفسك من سعيها فليس مَا قدر مردود
وارض بحكم اللَّه في خلقه كل قضاء الله محمود
أنبأنا عَبْد اللَّه بْن قحطبة الطرحي حَدَّثَنَا منصور بْن قدامة الواسطي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كثير عَن معمر قَالَ لما حاصر الحجاج ابن الزبير بمكة جعلت الحجارة تضرب الحائط فقيل له لا نأمن عليك أن يصيبك منها حجر فقال ابن الزبير هون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها
أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن بشار الرمادي حَدَّثَنَا سُفْيَان عَن مسعر أن رجلا ركب البحر فكسر به فوقع في جزيرة من جزائر البحر فمكث فيها ثلاثا لا يرى أحدا ولا يأكل طعاما ولا يشرب شرابا فأيس من الحياة فتمثل إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب
[ ١٥٨ ]
فأجابه مجيب يقول عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب
فنظر فإذا سفينة في البحر فلوح لهم فأتوه فحملوه وأصاب معهم خيرا ورجع إلى أهله سالما
وأنشدني مُحَمَّد بْن جعفر الهمذاني بصور على ساحل بحر الروم لاتضيقن في الأمور فقد تكشف غماؤها بغير اختيال ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري عسى فرج يأتي به اللَّه إنه له كل يوم في خليقته أمر
عسى ما ترى أن لا يدوم وأن ترى له فرجا مما ألح به العسر
إذا اشتد عسرفارج يسرا فإنه قضى اللَّه أن العسر يتبعه اليسر
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الطَّبَرِيُّ بِالصَّيْمَرَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعِجْلِيُّ قَالَ لَمَّا حَدَّثَ شَرِيكٌ بِحَدِيثِ الأَعْمَشِ عن سلمان عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَإِذَا خَالَفُوكُمْ فَضَعُوا سُيُوفَكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ فأببيدوا خَضْرَاءَهُمْ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَكُونُوا زَرَّاعِينَ أَشْقِيَاءَ فسعى به إلى المهدي فبعث إلى شريك فأتاه فقال حدثت بها قَالَ قلت نعم قال عمن رويتها قلت عَن الأعمش قَالَ ويلي عَلَيْهِ لو عرفت مكان قبره لأخرجته فأحرقته بالنار قلت إن كان لمأمونا على مَا روى قال يا زنديق لأقتلنك قلت الزنديق من يشرب الخمر ويسفك الدم قَالَ والله لأقتلنك قلت أو يكفي اللَّه قَالَ فخرجنا من عنده فاستقبلني الفضل بْن الربيع فقال ليس لك موضع تهرب إليه قلت بلى قَالَ فإنه قد أمر بقتلك قَالَ فخرجت إلى جبل فخرجت يوما أتجسس الخبر فأقبل ملاح من بغداد
[ ١٥٩ ]
فاستقبله ملاح آخر من البصرة فسأله مَا الخبر قَالَ مات أمير المؤمنين قلت يا ملاح قرب فقرب وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي تجري المقادير إن عسرا وإن يسرا وللمقادير أسباب وأبواب
ما اشتد عسر ولا انسدت مذاهبه إلا تفتح من مسروره باب
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي ألا رب عسر قد أتى اليسر بعده وغمرة كرب فرجت لكظيم
هو الدهر يوم يوم بؤس وشدة ويوم سرور للفتى ونعيم
أنبأنا أَبُو عوانة يعقوب بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الوهاب النيسابوري حَدَّثَنَا بشر بْن عَبْد الحكم عَن علي بْن عثام قَالَ رئي إِبْرَاهِيم بْن أدهم متنفط الرجلين رافعهما على ميل وهو يقول ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾
أنبأنا القطان بالرقة حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ حَدَّثَنَا عَبْد العزيز بْن عمير عَن عطاء الأزرق عَن عَبْد الواحد بْن زيد قَالَ قلت للحسن يا أبا سَعِيد من أين أتي هذا الخلق قَالَ من قلة الرضا عَن اللَّه قلت ومن أين أوتى قلة الرضا عَن اللَّه قَالَ من قلة المعرقة بالله
[ ١٦٠ ]
قال أَبُو حاتم ﵁ يجب على العاقل إذا كان مبتدئا أن يلزم عند ورود الشدة عَلَيْهِ سلوك الصبر فإذا تمكن منه حينئذ يرتقي من درجة الصبر إلى درجة الرضا فإن لم يرزق صبرا فليلزم التصبر لأنه أول مراتب الرضا ولو كان الصبر من الرجال لكان رجلا كريما إذ هو بذر الخير وأساس الطاعات
ولقد أخبرني مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا طاهر بْن الفضل بْن سَعِيد حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عبينه قَالَ سمعت رجلا من أهل الكتاب أسلم قَالَ أوحى اللَّه إلى داود يا داود اصبر على المؤنة تأتك مني المعونة
وأنشدني عَبْد اللَّه بْن الأحوص بْن عمار القاضي صبرا جميلا على مَا ناب من حدث والصبر ينفع أحيانا إذا صبروا
الصبر أفضل شيء تستعين به على الزمان إذا مامسك الضرر
وأنشدني إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بن سهل أنشدني أَبُو يعلى الموصلي إني رأيت وفي الأيام تجربة للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جد في شيء يحاوله فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش أتاك الروح والفرج القريب وساعدك القضاء فلا تخيب
صبرت فنلت عقبى كل خير كذاك لكل مصطبر عقيب
أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن علي قَالَ سمعت مضر أبا سَعِيد يقول قَالَ عَبْد الواحد بْن زيد مَا أحببت أن شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا ولا أعلم درجة أشرف ولا أرفع من الرضا وهو رأس المحبة
قال أَبُو حاتم ﵁ الصبر جماع الأمر ونظام الحزم ودعامة العقل وبذر الخير وحيلة من لا حيلة له
وأول درجته الاهتمام ثم التيقظ ثم التثبت ثم التصبر ثم الصبر
[ ١٦١ ]
ثم الرضا وهو النهاية في الحالات
ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا شعيب بْن عَبْد اللَّه البزار حَدَّثَنَا غيلان عَن معبد عَن أَبِي المليح عَن ميمون بْن مهران قَالَ مَا نال عَبْد شيئا من جسم الخير من نبي أو غيره إلا بالصبر
وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري فما شدة يوما وإن جل خطبها بنازلة إلا سيتبعها يسر
وإن عسرت يوما على المرء حاجة وضاقت عَلَيْهِ كان مفتاحها الصبر
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي تعز فإن الصبر بالحر أجمل وليس على ريب الزمان معول
فإن تكن الأيام فينا تبدلت بنعمى وبؤسى والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبة ولا ذللتنا للذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوسا كريمة تحمل مالا تستطيع فتحمل
وأنشدنا عمرو بْن محمد الأنصاري أنشدنا الغلابي إني رأيت الخير في الصبر مسرعا وحسبك من صبر تحوز به أجرا
عليك بتقوى اللَّه في كل حالة فإنك إن تفعل تصيب به ذخرا
قال أَبُو حاتم ﵁ الصبر على ضروب ثلاثة فالصبر عَن المعاصي والصبر على الطاعات والصبر عند الشدائد المصيبات فأفضلها الصبر عَن المعاصي
فالعاقل يدبر أحواله بالتثبت عند الأحوال الثلاثة التي ذكرناها بلزوم الصبر على المراتب التي وصفناها قبل حتى يرتقي بها إلى درجة الرضا عَن اللَّه جل وعلا في حال العسر واليسر معا أسأل اللَّه الوصول إلى تلك الدرجة بمنه
[ ١٦٢ ]
وأنشدني عَبْد اللَّه بْن الأحوص تعز بحسن الصبر عَن كل هالك ففي الصبر مسلاة الهموم اللوازم
إذا أنت لم تسل اصطبارا وخشية سلوت على الأيام مثل البهائم
وليس يذود النفس عَن شهواتها من الناس إلا كل ماضي العزائم
وأنشدني ابن زنجي البغدادي غاية الصبر لذيذ طعمها وبدي الصبر منه كالصبر
إن في الصبر لفضلا بينا فاحمل النفس عَلَيْهِ تصطبر
وأنشدني الكريزي صبرت ومن يصبر يجد غب صبره ألذ وأحلى من جنى النحل في الفم
ومن لا يطب نفسا ويستبق صاحبا ويغفر لأهل الود يضرم ويصرم
أنبأنا مُحَمَّد بْن زنجويه القشيري حدثنا عبد الأعلى عن حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سلمة عَن ثابت البناني عَن معاذة امرأة صلة بْن أشيم قالت لما أتاها نعي زوجها وابنها جاءها النساء فقالت إن كنتن جئتن لتهنئتنا بما أكرمنا اللَّه به وإلا فارجعن
قال ثابت وكان صلة يأكل يوما فأتاه رجل فقال مات أخوك قَالَ هيهات قد نعى الى اجلس فكل قَالَ الرجل مَا سبقني إليك أحد فقال قَالَ اللَّه ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾
حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا ابن عائشة قَالَ كتب بعض الحكماء إلى أخ له يعزيه عَن ابن له يقال له محمد اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد
وإذا ذكرت محمدا ومصابه فاذكر مصابك بالنبي مُحَمَّد
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي
[ ١٦٣ ]
.. يعزي المعزي ثم يمضي لشأنه ويبقى المعزى في أحر من الجمر
ويرمى المعزي بعد ذاك بسلوة ويثوي المعزي عنه في وحشة القبر
وأنشدني المنتصر بْن بلال من يسبق السلوة بالصبر فاز بفضل الحمد والأجر
يا عجبي من هلع جازع يصبح بين الذم والوزر
مصيبة الإنسان في دينه أعظم من جائحة الدهر
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش تجري المقادير إن عسرا وإن يسرا حاذرت واقعها أو لم تكن حذرا
والعسر عَن قدر يجري إلى يسر والصبر أفضل شيء وافق الظفرا
سمعت إِسْحَاق بْن أَحْمَد القطان البغدادي بتستر يقول كان لنا جار ببغداد كنا نسميه طبيب القراء وكان يتفقد الصالحين ويتعاهدهم فقال لي دخلت يوما على أَحْمَد بْن حنبل فإذا هو مغموم مكروب فقلت مَا لك يا أبا عَبْد اللَّه قَالَ خير قلت وما الخير قَالَ امتحنت بتلك المحنة حتى ضربت ثم عالجوني وبرأت إلا أنه بقي في صلبي موضع يوجعني هو أشد علي من ذلك الضرب قَالَ قلت اكشف لي عَن صلبك قَالَ فكشف لي فلم أر فيه إلا أثر الضرب فقط فقلت ليس لي بذي معرفة ولكن سأستخبر عَن هذا قَالَ فخرجت من عنده حتى أتيت صاحب الحبس وكان بيني وبينه فضل معرفة فقلت له أدخل الحبس في حاجة قَالَ ادخل فدخلت وجمعت فتيانهم وكان معي دريهمات فرقتها عليهم وجعلت أحدثهم حتى أنسوا بي ثم قلت من منكم ضرب أكثر قَالَ فأخذوا يتفاخرون حتى اتفقوا على واحد منهم أنه أكثرهم ضربا وأشدهم صبرا قَالَ فقلت له أسألك عَن شيء فقال هات فقلت شيخ ضعيف ليس صناعته كصناعتكم ضرب على الجوع
[ ١٦٤ ]
للقتل سياطا يسيرة إلا أنه لم يمت وعالجوه وبرأ إلا أن موضعا في صلبه يوجعه وجعا ليس له عَلَيْهِ صبر قال فضحك فقلت مالك قَالَ الذي عالجه كان حائكا قلت أيش الخبر قَالَ ترك في صلبه قطعة لحم ميتة لم يقلعها قلت فما الحيلة قَالَ يبط صلبه وتؤخذ تلك القطعة ويرمى بها وإن تركت بلغت إلى فؤاده فقتلته قَالَ فخرجت من الحبس فدخلت على أحمد ابن حنبل فوجدته على حالته فقصصت عَلَيْهِ القصة قَالَ ومن يبطه قلت أنا قَالَ أو تفعل قلت نعم قَالَ فقام فدخل البيت ثم خرج وبيده مخدتان وعلى كتفه فوطة فوضع إحداهما لي والأخرى له ثم قعد عليها وقال استخر اللَّه فكشفت الفوطة عَن صلبه وقلت أرني موضع الوجع فقال ضع إصبعك عَلَيْهِ فإني أخبرك به فوضعت إصبعي وقلت ها هنا موضع الوجع قَالَ ههنا أَحْمَد الله على العافيه فقلت ها هنا قَالَ هاهنا أَحْمَد اللَّه على العافية فقلت هاهنا قَالَ هاهنا أسأل اللَّه العافية قَالَ فعلمت انه موضع الوجع فال فوضعت المبضع عَلَيْهِ فلما أحس بحرارة المبضع وضع يده على رأسه وجعل يقول اللهم اغفر للمعتصم حتى بططته فأخذت القطعه الميتة ورميت بها وشددت العصابة عَلَيْهِ وهو لا يزيد على قوله اللهم اغفر للمعتصم قَالَ ثم هدأ وسكن ثم قَالَ كأني كنت معلقا فأصدرت قلت يا أبا عَبْد اللَّه إن الناس إذا امتحنوا محنة دعوا على من ظلمهم ورأيتك تدعو للمعتصم قَالَ إني أفكرت فيما تقول وهو ابن عم رَسُول اللَّهِ ﷺ فكرهت أن آتي يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابته خصومة هو مني في حل
[ ١٦٥ ]