حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ ومحمود ابن غَيْلانَ قَالا حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن يضم إلى رعاية مَا ذكرنا من شعب العقل في كتابنا هذا لزوم ذكر الموت على الأوقات كلها وترك الاغترار بالدنيا في الأسباب كلها إذ الموت رحى دوارة بين الخلق وكأس يدار بها عليهم لا بد لكل ذي روح أن يشربها ويذوق طعمها وهو هاذم اللذات ومنغص الشهوات ومكدر الأوقات ومزيل العاهات
ولقد أنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان أيا هاذم اللذات ما منك مهرب تحازر نفسي منك ما سيصيبها
أرأيت المنايا قسمت بين أنفس ونفسي سيأتي بعدهن نصيبها
وأنشدني الكريزي إن من عاش آمنا في سرور قاعد من سروره في غرور
ما لمن يذكر المقابر والموت إذا كان عاقلا من سرور
حدثنا عمرو بن محمد الغلابي حَدَّثَنَا مهدي بْن سابق قال قرىء على قصر هذه الأبيات
[ ٢٨٣ ]
.. هذى منازل أقوام عهدتهم في ظل عيش عجيب ماله خطر
صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا إلى القبور فلا عين ولا أثر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمُ الْخَالِدِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد حدثني إبراهيم ابن عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ الْحَلَبِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ كَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ أَنَا وَاللَّهِ مِنْ زَرْعٍ قَدِ اسْتُحْصَدَ وَنُعِيَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنْهُ وَالآخَرُ دُونَهُ فَقَالَ إِذَا سَارَ من خلف امريء وَأَمَامَهُ وَأُفْرِدَ مِنْ إِخْوَانِهِ فَهْوَ سَائِرُ
حدثنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مصعب الشافعي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد قَالَ سمعت عُبَيْد اللَّه بْن مسلم بْن زياد الهمداني قَالَ سمعت عمر بْن ذر يقول ورث فتى من الحي دارا عَن آبائه وأجداده فهدمها ثم ابتناها وشيدها فأتى في منامه فقيل له إن كنت تطمع في الحياة فقد ترى أرباب دارك ساكنوا الأموات
أني تحس من الأكرام ذكرهم خلت الديار وبادت الأصوات
قال فأصبح الفتى مغتاظا قد أمسك عَن كثير مما كان يصنع وأقبل على نفسه
حدثنا عمر ن حفص البزاز حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن الضيف حَدَّثَنَا جعفر بْن عون قَالَ سمعت مسعرا يقول ومشيد دارا ليسكن داره سكن القبور وداره لم يسكن
وأنشدني ابن زنجي البغدادي لوأنني أعطيت سؤلي لما سألت إلا العفو والعافيه
فكم فتى قد بات في نعمة فسل منها الليلة الثانية
حدثنا حمزة بْن داود بن سليان بالأبلة حدثنا ذهل بْن أَبِي شراعة القيسي قال حدثتني سكينه وكانت علامة قالت قَالَ لي أَبُو العتاهية دخلت
[ ٢٨٤ ]
على هارون أمير المؤمنين فلما بصر بي قَالَ أَبُو العتاهية قلت أَبُو العتاهية قَالَ الذي يقول الشعر قلت الذي يقول الشعر قَالَ عظني بأبيات شعر وأوجز فأنشدته لا تأمن الموت في طرف ولا نفس ولو تمنعت بالحجاب والحرس
واعلم بأن سهام الموت قاصدة لكل مدرع منا ومترس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
قال فخر مغشيا عَلَيْهِ أو كما قَالَ
حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا أَبُو جعفر البغدادي قَالَ قرأت على باب قصر بالسند نزل الموت منزلا سلب القوم وارتحل
فقلت مَا هذا فقالوا مات أهل القصر كلهم فأصبحوا وهذا الكتاب على الباب لا يدري من كتبه وأنشدني البسامي قد يصح المريض بعد إياس كان منه ويهلك العواد
يصاد القطا فينجو سليما بعد هلك ويهلك الصياد
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا ينسى ذكر شيء هو مترقب له ومنتظر وقوعه من قدم إلى قدم ومن لحظة إلى شزرة فكم من مكرم في أهله معظم في قومه مبجل في جيرته لا يخاف الضيق في المعيشة ولا الضنك في المصيبة إذ ورد عَلَيْهِ مذلل الملوك وقاهر الجبابرة وقاصم الطغاة فألقاه صريعا بين الأحبة وجيرانه مفارقا لأهل بيته وإخوانه لا يملكون له نفعا ولا يستطيعون عنه دفعا فكم من أمة قد أبادها الموت وبلدة قد عطلها وذات بعل قد أرملها وذي أب أيتمه وذي إخوة أفرده
فالعاقل لا يغتر بحالة نهايتها تؤدي إلى مَا قلنا ولا يركن إلى عيش مغبته مَا ذكرنا ولا ينسى حالة لا محالة هو مواقعها وما لا شك يأتيه إذ الموت طالب لا يعجزه المقيم ولا ينفلت منه الهارب
[ ٢٨٥ ]
ولقد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الْخَالِدِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد حدثني سلمة ابن شبيب حَدَّثَنَا سهل بْن عاصم قَالَ سمعت الوضاح بْن حسان يقول سمعت ابن السماك يحدث قَالَ بينما صياد في الدهر الأول يصطاد السمك إذ رمى بشبكة في البحر فخرج فيها جمجمة إنسان فجعل الصياد ينظر إليها ويبكي ويقول عزيز فلم تترك لعزك غني فلم تترك لغناك فقير فلم تترك لفقرك جواد فلم تترك لجودك شديد فلم تترك لشدتك عالم فلم تترك لعلمك يردد هذا الكلام ويبكي
وأنشدني الكريزي أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
والنفس تكلف بالدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك مَا فيها
فلا الإقامة تنجي النفس من تلف ولا الفرار من الأحداث ينجيها
وكل نفس لها زور يصبحها من المنية يوما أو يمسيها
حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي قَالَ سمعت ابن واقد المديني قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد المنعم الرياحي قَالَ فقد مالك بْن دينار يوما فقالوا أين كنت يا أبا يَحْيَى قَالَ خرجت إلى الأبلة قالوا مَا أحسن مَا رأيت قَالَ مَا رأيت شيئا أعجبت به إلا أني رأيت امرأة تصلى فقالوا له يا أبا يَحْيَى فما أعجب شيء رأيت قَالَ رأيت بالبحرين قصرا مشيدا وإذا على بابه مكتوب طلبت العيش أسعد ناعميه وعشت من المعايش والنعيم
فلم ألبث ورب الناس طورا سلبت من الأقارب والحميم
وأنشدني الأبرش وللنفوس وإن كانت على وجل من المنية آمال تقويها
والمرء يبسطها والدهر يقبضها والنفس تنشرها والموت يطويها
أنبأنا حمزة بْن داود بن سليمان بالأبلة حدثنا الهاديء حَدَّثَنَا جليس الكلبي
[ ٢٨٦ ]
عَن سَعِيد بْن أَبِي عروبة عَن قَتَادَة قَالَ لقيني عمران بْن حطان فقال لي يا أعمى إنني عالم بخلافك ولكنك رجل تحفظ فاحفظ عني هذه الأبيات حتى متى تسقى النفوس بكأسها ريب المنون وأنت لاه ترتع
أفقد رضيت بأن تعلل بالمنى وإلى المنية كل يوم تدفع
أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع
فتزودن ليوم فقرك دائبا واجمع لنفسك لا لغيرك تجمع
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ نَوْفَلٍ المروزي قَالَ سمعت أبا داود السنجي يقول خرج أَبُو معاذ النحوي يوما مع أصحابه فقال إنه قد نعيت إلى نفسي البارحة أتاني آت فقال يا أيها الإنسان إنك ميت عما قليل ثم لنفسك واقعد
فكأن مَا قد كان لم يك إذ مضى وكأن مَا هو كائن فكأن قد
حدثنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا حرملة بْن يَحْيَى قَالَ سمعت الشافعي كثيرا مَا ينشد تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد
حدثنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الشافعي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بن محمد حدثني إسماعيل ابن عَبْد اللَّه العجلي قَالَ أنشدنا رجل ونحن في المقابر ألا يا عسكر الأحياء هذا عسكر الموتى
أجابوا الدعوة الصغرى وهم منتظروا الكبرى
يحثون على الزاد وما زاد سوى التقوى
يقولون لكم جدوا فهذا آخر الدنيا
قال أَبُو حاتم ﵁ إن اللَّه جل وعلا خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها فأكلوا من ثمارها وشربوا من أنهارها ثم لا محالة تنزل
[ ٢٨٧ ]
المنية بهم وتغنيهم عَن السعي والحركات مع تعطل الجثث والآلات ثم تعيدهم إلى الأرض التي منها خلقهم حتى تأكل لحومهم كما أكلوا أثمارها وتشرب دماءهم كما شربوا من أنهارها وتقطع أوصالهم كما مشوا على ظهرها فالقبر أول منزل من منازل الآخرة وآخر منزل من منازل الدنيا فطوبى لمن مهد في دنياه لقبره وقدم منها لآخرته فكم عفرت الأرض من عزيز وأفقدت الغير من أنيس
حدثني مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الخالدي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد حدثني مُحَمَّد بْن عباس حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن يزيد قَالَ رأيت أعرابيا وقف على مقبرة وهو يقول لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد
وما إن ترى دارا لحي قد أقفرت وقبرا لميت بالفناء جديد
فهم جيرة الأحياء أما محلهم فدان وأما المتقى فبعيد
وأنشدني أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه الكرجي لعمر بْن شبة في نفسه يا ابن سبعين وعشر وثمان كاملات
غرضا للموت مشغولا بخد منى وهات
ويك لا تعلم ماتلقى به بعد الممات
من صغار موبقات وكبار مهلكات
يا ابن من قد مات من آبائه والأمهات
هل ترى من خالد من ذي طغاة وعتاة
إن من يبتاع بالدين خسيسات الحياة
لغبي الرأي محفوف بطول الحسرات
حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا شعيب بْن واقد المري عَن عَبْد المنعم الرياحي قال سمعت صالح المري يقول دخلت المقابر يوما في شدة الحر فنظرت إلى القبور خامدة كأنهم قوم صموت فقلت يا سبحان اللَّه من يجمع بين أرواحكم وأجسامكم بعد إفتراقها ثم يحييكم وينشئكم من طول البلى قَالَ
[ ٢٨٨ ]
فناداني مناد من بين تلك الحفر يا صالح (٣٠ ٢٥) ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون﴾ قَالَ فسقطت والله مغشيا علي
قال أَبُو حاتم ﵁ قد ذكرنا اليسير من الكثير من الآثار والقليل من الجسيم من الأخبار في كتابنا هذا بما نرجوا أن القاصد إلى سلوك سبيل ذوي الحجى والسالك مقصد سبيل أولي النهى يكون له فيها غنية إن تدبرها واستعملها وإن كنا تنكبنا طرق المسانيد وتخريج الحكايات وأناشيد الأشعار إلا مَا لم نجد بدا من إخراجها كالإيماء إلى الشيء والإشارة إلى القصد جعلنا اللَّه ممن دعته تباشير التوفيق الى القيام بحقائق التحقيق إنه منتهى الغاية عند رجاء المؤمنين والمان على أوليائه بمنازل المقربين وصلى اللَّه على مُحَمَّد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين الطيبين والحمد لله رب العالمين وجد في النسخة الأصلية ما صورته
فرغ من نسخه بعون الله ورحمته العبد الفقير إلى عفو ربه أحمد بن محمد ابن سالم بن جناب المنبجى بالرها المحروسة يوم الثلاثاء حادى عشر المحرم سنة ثمان وعشرين وستمائة ختم الله بخير ولوالديه ولجميع المسلمين
[ ٢٨٩ ]