أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُسْتَنِيرِ بِالْمَصَّيْصَةِ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلا إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ فَقَالَ ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل ترك الطمع إلى الناس كافة بكماله الإياس عنهم إذ الطمع فيما لا يشك في وجوده فقر حاضر فكيف بما أنت شاك في وجوده أو عدمه
ولقد أحسن الذي يقول لأجعلن سبيل اليأس لي سبلا مَا عشت منك ودار الهم أوطانا
والصبر أجعله غرما أنال به في الناس قربا وعند اللَّه رضوانا
فالنفس قانعة والأرض واسعة والدار جامعة مثنى ووحدانا
وأنشدني عمرو بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه النسائي قَالَ أنشدني الحسين بن أحمد ابن عثمان
[ ١٤١ ]
.. اليأس أدبني ورفع همتي واليأس خير مؤدب للناس
إني رأيت مواضع الطمع الذي يضع الشريف مواضع الأخساس
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي فأجمعت يأسا لا لبانة بعده ولليأس أدنى للعفاف من الطمع
والنفس تطمع هشة إن أطمعت وتنال باليأس السلو فتقنع
أنبأنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا يزيد بْن عَبْد الصمد حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن صالح حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَبْد العزيز عَن سعد بن عمارة أنه لما قَالَ لابنه يا بني أظهر اليأس فإنه غنى وإياك والطمع فإنه فقر حاضر
قال أَبُو حاتم ﵁ أشرف المنى ترك الطمع إلى الناس إذ لا غنى لذي طمع وتارك الطمع يجمع به غاية الشرف فطوبى لمن كان شعار قلبه الورع ولم يعم بصره الطمع
ومن أحب أن يكون حرا فلا يهوى مَا ليس له لأن الطمع فقر كما أن اليأس غنى ومن طمع ذل وخضع كما أن من قنع عف واستغنى
ولقد أنشدني الكريزي لا خير في عزم بغير روية والشك عجز إن أردت سراحا
واليأس مما فات يعقب راحة ولرب مطمعة تعود ذباحا
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي فكنت لي أملا دهلا أطالبه فغيرته صروف الدهر أطوارا
صرفت باليأس عنه النفس فانصرفت فما أبالى أقام الدهر أم سار
أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي شيبة حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مروان حدثنا محمد بن هانيء الطائي قَالَ بعث أَبُو الأسود الديلي الى جار
[ ١٤٢ ]
يقترض منه فلم يقرضه واعتل عَلَيْهِ وكان حسن الظن به فقال أبو الأسود لاتشعرن النفس يأسا فإنما يعيش بجد عاجز وجليد
ولا تطمعن في مال جار لقربه فكل قريب لا ينال بعيد
وفوض إلى الله الأمور فإنما يروح بأرزاق العباد جدود
أنبأنا القطان بالرقة حَدَّثَنَا المروزي قَالَ سمعت أَحْمَد بْن حنبل يقول سمعت ابن السماك يقول الرجاء حبل في قلبك وقيد في رجلك فأخرج الرجاء من قلبك ينفك القيد من رجلك
قال أَبُو حاتم ﵁ الطمع غدة من قلب المرء له طرفان أحدهما القيد في رجليه والآخر الطبع على لسانه فما دامت العقدة فائمة لا تنفك رجلاه ولا ينطق لسانه فإذا أخرج الطمع من قلبه انفك القيد من رجليه وزال الطبع عَن لسانه فسعى إلى مَا شاء وقال مَا أحب
ودواء زوال الطمع عَن القلب هو رؤية الأشياء من مكونها بدوام الخلوة وترك الناس كما أنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش كن اقعر البيت حلسا وارض بالوحدة أنا
[ ١٤٣ ]
.. لست بالواجد حرا أو ترد اليوم أمسا
فاغرس اليأس بأرض الزهد ما عمرت غرسا
وليكن يأسك دون الطمع الكاذب ترسا
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يجتنب الطمع الى الأصدقاء فإنه مذلة ويلزم اليأس عَن الأعداء فإنه منجاة وتركه مهلكة والإياس هو بذر الراحة والعز كما أن الطمع هو بذر بالتعب والذل فكم من طامع تعب وذل ولم ينل بغيته وكم من آيس استراح وتعزز وقد أتاه مَا أمل وما لم يأمل
وأنشدني الأبرش يعرى ويغرث من أمسى على طمع من المكارم وهو الطاعم الكاسي
إن المطامع ذل للرقاب ولو أمسى أخوها مكان السيد الراس
وأنشدني محمد بن اسحق الواسطي ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت على طمع لم أَنَس أن أتكرما
ولست بلوام على الأمر بعد مَا يفوت ولكن على أن أتقدما
أنبأنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا الفضيل بْن يُوسُف الكوفي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه ابن جبلة الكناني عَن معاوية بْن عمار عَن أَبِي جعفر قَالَ اليأس عما في أيدي الناس عز ثم قَالَ أما سمعت قول حاتم الطائي إذا مَا عزمت اليأس ألفيته الغنى إذا عرفته النفس والطمع الفقر
ذكر الحث على مجانبة المسألة وكراهيتها
حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ خَالِدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيُّ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَنَا عبد الواحد ابن غِيَاثٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لأَنْ يَأْخُذَ أحدكم حبلا فيأتي بحزمة حَطَبٍ فَيَبِيعَهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ
[ ١٤٤ ]
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل مجانبة المسألة على الأحوال كلها ولزوم ترك التعرض لأن الإفكار في العزم على السؤال يورث المرء مهانة في نفسه ويحطه رتوة عَن مرتبته وترك العزم على الإفكار في السؤال يورث المرء عزا في نفسه ويرفعه درجة عَن مرتبته
ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا الفيض بْن الخضر التميمي حدثني عَبْد اللَّه ابن خبيق قَالَ قَالَ موسى بْن طريف إن الحاجة تعرض لي إلى الرجل فيخرج عزي من قلبي قطع الحاجة من ناحيته فيرجع عزي إلى قلبي
وأنشدني الكريزي قَالَ أنشدنا الحسن بْن أَحْمَد لعلي بْن الجهم هي النفس مَا حملتها تتحمل وللدهر أيام تجور وتعدل
وعاقبة الصبر الجميل جميلة وأفضل أخلاق الرجال التفضل
فلا غار إن زالت عَن الحر نعمة ولكن عارا أن يزول التجمل
أخبرنا زكريا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا خَالِدُ ابن عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عمر بن الخطاب قَالَ مَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ مَالَهُ فَإِنَّمَا هُوَ رَضْفٌ مِنَ النَّارِ يَلْقُمُهُ فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ فَارِسٍ الدَّلالُ حَدَّثَنَا الحسن بْن مُحَمَّد بْن الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا أَبُو عَبَّادٍ يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَوْصَى بَنِيهِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ يَا بَنِيَّ إِيَّاكُمْ وَمَسْأَلَةَ النَّاسِ فَإِنَّهَا آخِرُ كَسْبِ الرَّجُلِ
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يسأل الناس شيئا فيردوه ولا يلحف في المسألة فيحرموه ويلزم التعفف والتكرم ولا يطلب الأمر مدبرا ولا يتركه
[ ١٤٥ ]
مقبلا لأن فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها وإن من يسأل غير المستحق حاجة حط لنفسه مرتبتين ورفع المسؤول فوق قدره
أخبرني مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مؤمل المصري قَالَ سمعت حامد بْن يَحْيَى يقول سمعت سُفْيَان بْن عيينه يقول من يسأل نذلا حاجة فقد رفعه عَن قدره
أنشدني ابن زنجي البغدادي ذل السؤال شجى في الحلق معترض من دونه شرف من خلفه جرض
ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت من ماء وجهي إذا أفنيته عوض
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه المؤدب ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله عوضا وإن نال الغنى بسؤال
وإذا السؤال مع النوال وزنته رجح السؤال وخف كل نوال
وإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا فابذله للمتكرم المفضال
أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا أَبُو جعفر ابن ابنة أَبِي سَعِيد التغلبي الدمشقي حَدَّثَنَا حاجب بْن أَبِي علقمة العطاردي قَالَ سمعت أَبِي يقول قَالَ مطرف بْن عَبْد اللَّه بْن الشخير لابن أخيه يا بني أخي إذا كانت لك حاجة الى فاكتب بها في رقعة فإني أصون وجهك عن ذل السؤال
وأنشدني ذلك يا أيها المتعب بذل السؤال وطالب الحاجات من ذوي النوال
لا تحسبن الموت موت البلى فإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت ولكن ذا أعظم من ذاك لذل السؤال
قال أَبُو حاتم ﵁ أعظم المصائب سوء الخلف والمسألة من الناس والهم بالسؤال نصف الهرم فكيف المباشرة بالسؤال ومن عزت عَلَيْهِ نفسه
[ ١٤٦ ]
صغرت الدنيا في عينيه ولا ينبل الرجل حتى يعف عما في أيدي الناس ويتجاوز عما يكون منهم والسؤال من الإخوان ملال ومن غيرهم ضد النوال
وأنشدني الأبرش أنبل بنفسك أن تكون حريصة إن الحريص إذا يلح يهان
من يكثر التسآل من إخوانه يستثقلوه وحظه الحرمان
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي أتيت أبا عمرو أرجي عطاءه فزاد أَبُو عمرو على حزني حزنا
فكنت كباغي القرن أسلم أذنه فبات بلا أذن ولم يستفد قرنا
حدثنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا خطاب بْن عَبْد الرحمن الجندي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سليمان قَالَ كان أكثم بْن صيفي يقول السؤال وإن قل أثمن من النوال وإن جل
قال أَبُو حاتم ﵁ لا يجب للعاقل أن يبذل وجهه لمن يكرم عَلَيْهِ قدره ويعظم عنده خطره فكيف بمن يهون عَلَيْهِ رده ولا يكرم عَلَيْهِ قدره وأبعد اللقاء الموت وأشد منه الحاجة إلى الناس دون السؤال وأشد منه التكلف بالسؤال لأن السؤال إذا كان بجناح الحاجة مقرونا لم يخل من أن يكون فيه ذل السؤال وإذا الحاجة لم تقض كان فيه ذلان موجودان ذل السؤال وذل الرد
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي لا يحس الصديق منك بفقر لا ولا والد ولا مولود
ذاك ذل إذا سألت بخيلا أو سألت الذي عليك يجود
أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بِبَغْدَادَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ الْمَعْرُورَ بْنَ سُوَيْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ إِنَّ فِي
[ ١٤٧ ]
طَلَبِ الرَّجُلِ الْحَاجَةَ إِلَى أَخِيهِ فِتْنَةً إِذَا أَعْطَاهُ حَمِدَ غَيْرَ الَّذِي أَعْطَاهُ وَإِنْ مَنَعَهُ ذَمَّ غَيْرَ الَّذِي مَنَعَهُ
قال أَبُو حاتم ﵁ لو لم يكن في السؤال خصلة تذم إلا وجود التذلل في النفس عند الاهتمام بالسؤال وإبدائه لكان الواجب على العاقل أن لو اضطره الأمر إلى أن يستف الرمل ويمص النوى أن لا يتعرض للسؤال أبدا مَا وجد إليه سبيلا فأما من دفعه الوقت إلى ذلك فسأل من يعلم أنه يقضي حاجته أو ذا سلطان لم يحرج في فعله ذلك كما لم يحرج في القبول إذا أعطي من غير مسألة ومن استغنى بالله أغناه الله ومن تعزز بالله لم يفقره كما أن من أعتز بالعبيد أذله
ولقد أَنْبَأَنَا سَعِيد بْن مُحَمَّد القزاز حَدَّثَنَا أَبُو الهيثم الرازي حَدَّثَنَا خالد بْن يزيد حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن موسى حَدَّثَنَا هشام بْن يُوسُف عَن معمر قَالَ قَالَ أَبُو معاوية رجل من ولد كعب بْن مالك لقد رأيتني أنضح أول النهار وأضرب آخر النهار على بطني بالمعول في المعدن قَالَ قلت لقد لقيت مؤونة قَالَ أجل إنا طلبنا الدراهم من أيدي الرجال ومن الحجارة فوجدناها من الحجارة أسهل علينا