أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْدِ السَّلامِ بِبَيْرُوتَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ وَحَدَّثَنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ عَن عَمْرِو بْنِ وَاقِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال أَوَّلَ شَيْءٍ نَهَانِي عَنْهُ رَبِّي بعد عبادة الأوثان لعن الحمير وَمُلاحَاةِ الرِّجَالِ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن يعلم أن من يوده لم يحسده ومن لم يحسده لم يعاده فيكون للعدو المكاتم أشد حذرا منه للعدو المبارز ومن وجد عنده مغترا وكان ممن لا يعفو ثم لا ينتصف منه أصابته الندامة والرأي إذا كان من الأريب كان أبلغ في هلاك العدو من العدد الكثير من الجنود وترك العداوة على الأحوال كلها أحوط للعاقل من الخوض في سلوكها
أَنْبَأَنَا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا حبان بْن موسى أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن هارون هو الأعور عَن إِسْمَاعِيل قَالَ لا تشترين عداوة رجل بمودة ألف رجل
وأنشدني عمرو بْن مُحَمَّد قَالَ حدثنا الغلابي قال أنشدني مهدي ابن سابق تكثر من الإخوان مَا استطعت إنهم عماد إذا استنجدتهم وظهور
وليس كثيرا ألف خل لصاحب وإن عدوا واحدا لكثير
قال أَبُو حاتم ﵁ لا يجب على العاقل أن يكافيء الشر بمثله وأن يتخذ اللعن والشتم على عدوه سلاحا إذ لا يستعان على العدو بمثل إصلاح العيوب وتحصين العورات حتى لا يحد العدو إليه سبيلا
[ ٩٤ ]
والعاقل لا يرحم من يخافه ولا يترك إحصاء معائب العدو ويتفقد عثراتهم مع السكوت عَن ثلبه ولا يستضعف عدوا بحيلة فإن من استضعف الأعداء اغتر ومن اغتر لم يسلم اللهم إلا أن يكون العدو ذليلا فإذا كان كذلك عطف عَلَيْهِ بالإغضاء لأن العدو الذليل أهل أن يرحم كما أن المستجير الخائف أهل أن يؤمن والمماداة للعاقل خير من المصافاة للجاهل
وأنشدني الخلادي أنشدني أَحْمَد بْن مُحَمَّد البكري وولمن يعادي عاقلا خير له من أن يكون له صديق أحمق
فارغب بنفسك أن تصادق أحمقا إن الصديق على الصديق مصدق
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
أبصر لرجلك قبل الخطو موضعها فمن علا قلة عَن غرة زلجا
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يبصر موضع خطواته قبل أن يضعها ثم يقارب عدوه بعض المقاربة لينال حاجته ولا يقاربه كل المقاربة فيجترأ عَلَيْهِ والعاقل لا يعادي مَا وجد إلى المحبة سبيلا ولا يعادي من ليس له منه بد ولا العدو الحنق الذي لا يطاق فإنه ليس له حيلة إلا الهرب منه وحيلة السبيل إلى القدرة على العدو وجود الغرة فيه وأن يرى العدو أنه لا يتخذه عدوا ثم يصادق أصدقاءه فيدخل بينه وبينهم
وأحزم الأمور في أمر العدو أن لا يذكره بسوء إلا عند الفرصة وإن من أيسر الظفر بالأعداء اشتغال بعضهم ببعض وإن مما يستعين به المرء على عدوه مجانبة من يعاشره ويصحب عدوه
[ ٩٥ ]
أخبرني مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حدثني أَحْمَد بْن زهير بْن حرب قَالَ سمعت يَحْيَى بْن معين يقول قَالَ ابن السماك لا تخف ممن تحذر ولكن احذر ممن تأمن
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي تمنيت أن أبقى معافى وأن أرى على من يناويني تدور الدوائر
فيصبح مخذولا وأمسي سالما إلى اللَّه داع بالكفاية ناصر
سمعت مُحَمَّد بْن محمود يقول سمعت علي بْن خشرم يقول سمعت الفضل ابن موسى الشيباني يقول كان صياد يصطاد العصافير في يوم ريح قَالَ فجعلت الرياح تدخل في عينيه الغبار فتذرفان فكلما صاد عصفورا كسر جناحه وألقاه في ناموسه فقال عصفور لصاحبه مَا أرقه علينا ألا ترى إلى دموع عينيه فقال له الآخر لا تنظر إلى دموع عينيه ولكن انظر إلى عمل يديه
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يأمن عدوه على كل حال إن كان بعيدا لم يأمن مغادرته وإن كان قريبا لم يأمن مواثبته والعاقل لا يخاطر بنفسه في الانتقام من عدوه لأنه إن هلك في قصده قِيلَ أضاع نفسه وإن ظفر قِيلَ القضاء فعله
والمعاداة بعد الخلة فاحشة عظيمة لا تليق بالعاقل ارتكابها فإن دفعه الوقت إلى ركوبها ترك للصلح موضعا
وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي الأسود الدؤلي وأحبب إذا أحببت حنا مقاربا فإنك لا تدري متى أنت نازع
[ ٩٦ ]
.. وأبغض إذا أبغضت غير مجانب فإنك لا تدري متى أنت راجع
وكن معنا للحلم واصفح عن الأذى فإنك لاراء مَا عملت وسامع
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي إذا أنت عاديت أمرءا بعد خلة فدع في غد للعود والصلح موضعا
فإنك إن نابذت من زل زلة ظللت وحيدا لم تجد لك مفزعا
أنبأنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الثقفي حَدَّثَنَا أَبُو همام حَدَّثَنَا ابن وهب أخبرني يونس ابن يزيد عَن ابن شهاب قَالَ اجتمع مروان بْن الحكم وابن الزبير يوما عند عائشة فجلسا في حجرتها وبينها وبينهما الحجاب فسألا عائشة شعرا وحديثا ثم قَالَ مروان ومن يشإ الرحمن يخفض بقدره وليس لمن لم يرفع اللَّه رافع
وقال ابن الزبير وفوض إلى اللَّه الأمور إذا اعترت وبالله لا بالأقربين تدافع
وقال مروان وداو ضمير القلب بالبر والتقى ولا يستوي قلبان قاس وخاشع
وقال ابن الزبير ولا يستوي عبدان عَبْد مكلم عتل لأرحام الأقارب قاطع
وقال مروان وعبد يجافي جنبه عَن فراشه يبيت يناجي ربه وهو راكع
وقال ابن الزبير وللخير أهل يعرفون بهديهم إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع
وقال مروان
[ ٩٧ ]
.. وللشر أهل يعرفون بشكلهم تشير إليهم بالفجور الأصابع
قال فسكت ابن الزبير فلم يجب مروان بشيء
فقالت عائشة يا عَبْد اللَّه مالك لم تجب صاحبك والله مَا سمعت تجاوب رجلين تجاولا نحو مَا تجاولتما فيه أعجب إلي من مجاولتكما
قال ابن الزبير اني خفت عول القول فكففت فقالت عائشة إن لمروان في الشعر مَا ليس لك
أنبأنا مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا عصام بْن الفضل الداري حدثني الزبير بْن بكار عَن مُحَمَّد بْن حرب قَالَ قَالَ عَبْد اللَّه بْن حسن لابنه مُحَمَّد إياك ومعاداة الرجال فإنها لا تعدمك مكر حليم أو مباذاة جاهل
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يعادي على الحالات كلها لأن العداوة لا تخلو من أن تكون لأحد رجلين إما حليم لا يؤمن مكره أو جاهل لا يؤمن شتمه ولا يجب على العاقل إذا عادى أن يغره إحسانه الى عدوه ما يرى من سكونه إليه فإن الماء وإن أطيل إسخانه ليس بمانعه ذلك من إطفاء النار إذا صب عليها ولا يجب أن يعظم عَلَيْهِ حمله عدوه على عاتقه إذا وثق بحسن عاقبته لأن اللين والمكر أنكى في العدو من الفظاظة والمكابرة ألا ترى النار مع حرها لا تحرق من الشجر إلا مَا ظهر والماء مع برده ولينه يستأصلها ومجانبة المرء عدوه في العشرة أحد الأعوان عليه عند الفرصة
كما أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا العتبي عَن أبيه قَالَ قَالَ الأحنف بْن قيس من جالس عدوه حفظ عَلَيْهِ عيوبه
وأنشدني الأبرش لا تخافن إن رماك عدو بعيوب إذا تكون بريا
[ ٩٨ ]
.. إنما العيب أن يكون محقا في الذي قاله ولست نقيا
فإذا كان كاذبا كنت بالصدق على العائب الكذوب جريا
ولقد يلزق العدو بجنب السمراء عيبا تخاله مكويا
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يغيره إلزاق العدو به العيوب والقبائح لأن ذلك لا يكون له وقع ولا لكثرته ثبات ولا يلتذ المرء مَا كان عدوه باقيا كما لا يجد السقيم طعم النور والطعام حتى يبرأ
وأشد مكيدة العدو وما يعمل فيك من سبيل مأمنك والغالب بالشر مغلوب وإن من أعظم الأعوان على الأعداء تعاهد المرء ولده وعياله وخدمه وتوقيه إياهم على المعائب والزلات
أنبأنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الصباح حَدَّثَنَا الوليد عَن الأوزاعي عَن يَحْيَى بْن أَبِي كثير قَالَ قَالَ سليمان بْن داود لابنه يا بني إذا أردت أن تغيظ عدوك فلا ترفع عَن ابنك العصا