وأنشدني بعض أهل العلم ولربما ابتسم الوقور من الأذى وضميره من حره بتأوه
ولربما خزن الحليم لسانه حذر الجواب وإنه لمفوه
وأنبأنا أَبُو عوانه يعقوب بْن إِبْرَاهِيم أنبأنا عبد الله بن الحسين المصيصي
[ ١٦٨ ]
أَنْبَأَنَا يعقوب بْن أَبِي عباد قَالَ قَالَ الفضيل بْن عياض من طلب أخا بلا عيب بقي بلا أخ
قال أَبُو حاتم ﵁ أغنى الناس عَن الحقد من عظم عَن المجازاة وأجل الناس مرتبة من صد الجهل بالحلم وما الفضل إلا لمن يحسن إلى من أساء إليه فأما مجازاة الإحسان إحسانا فهو المساواة في الأخلاق فلربما استعملها البهائم في الأوقات ولو لم يكن في الصفح وترك الإساءة خصلة تحمد إلا راحة النفس ووداع القلب لكان الواجب على العاقل أن لا يكدر وقته بالدخول في أخلاق البهائم بالمجازاة على الإساءة إساءة ومن جازى بالإساءة إساءة فهو المسيء وإن لم يكن بادئا
كما أنشدني الكريزي أسأت وأنكرت أني أسأت فأفضل ولا تك عين المسي
لك الفضل بالعفو عما عفوت وإلا فأنت القرين السوي وعفوك مقتدرا نعمة وعفو المندد غير الهني
سمعت مُحَمَّد بْن عثمان العقبي قَالَ سمعت هلال بْن العلاء الباهلي يقول جعلت على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة أن لا أكافيء أحدا بسوء وذهبت إلى هذه الأبيات لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت قلبي من غم العداوات
إني أحيى عدوي عند رؤيته لأدفع الشر عني بالتحيات
وأظهر البشر للإنسان أبغضه كأنما قد حشي قلبي محبات
أنبأنا ابن قتيبة حَدَّثَنَا ابن أَبِي السري قَالَ سمعت أبا عمر الصنعاني يقول حَدَّثَنَا زيد بْن أسلم قَالَ قَالَ لقمان لابنه كذب من قَالَ إن الشر يطفيء الشر فإن كان صادقا فليوقد نارا إلى جنب نار فلينظر هل تطفيء إحداهما الأخرى وإلا فإن الخير يطفيء الشر كما يطفيء الماء النار
[ ١٦٩ ]
حدثني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خلف البسامي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه الداري حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمران الضبي قَالَ قَالَ ابن السماك لن لمن يجفو فقل من يصفو
وأنشدني الأبرش توخ من السبل أوساطها وعد عَن الحائر المشتبه
وسمعك صن عَن سماع القبيح كصون اللسان عَن النطق به
فإنك عند استماع القبيح شريك لقائله فانتبه
فكم أزعج الحرص من طالب فوافى المنية في مطلبه
أنبأنا عمر بْن جفص البزاز بجنديسابور حَدَّثَنَا جعفر بْن مُحَمَّد بْن حبيب الذراع حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رشيد حَدَّثَنَا مجاعة بْن الزبير قَالَ قَالَ لقمان لابنه أي بني أي شيء أقل وأي شيء أكثر وأي شيء أحلى وأي شيء أبرد وأي شيء آنس وأي شيء أوحش وأي شيء أقرب وأي شيء أبعد قال أما أقل شيء فاليقين وأما أي شيء أكثر فالشك وأما أي شيء أحلى فروح اللَّه بين العباد يتحابون بها وأما أي شيء أبرد فعفو اللَّه عَن عباده وعفو الناس بعضهم عَن بعض وأي شيء آنس حبيبك إذا أغلق عليك وعليه باب واحد وأي شيء أوحش جسد إذا مات فليس شيء أوحش منه وأي شيء أقرب فالآخرة من الدنيا وأي شيء أبعد فالدنيا من الآخرة
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يحسن عند الجفوة ويغضي عَن المجازاة عليها بمثلها
وقد قِيلَ إن من لم يغضب من الجفوة لم يشكر النعمة
وهو عندي والله أعلم غضب لا يخرجه إلى المعاصي ولا إلى الانتقام من الجاني كأنه في نفسه يعلم محل الجفوة منه كما يعقل ورود النعمة عَلَيْهِ وما
[ ١٧٠ ]
أقبح قدرة اللئيم إذا قدر ومن أساء سمعا أساء إجابة ومن أتى المكروه إلى أحد فبنفسه بدأ لأن الشرور تبدو صغارا ثم تعود كبارا
ولقد أنبأنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إدريس الرازي حَدَّثَنَا عَبْد الرحمن بْن يَحْيَى وإسماعيل بْن عُبَيْد اللَّه المخزومي قالا حدثنا عبد الأعلى ابن مسهر عَن سَعِيد بْن عَبْد العزيز قَالَ سمعت إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْد اللَّه يقول لبنيه يا بني أكرموا من أكرمكم وإن كان عبدا حبشيا وأهينوا من أهانكم وإن كان رجلا قرشيا
قال أَبُو حاتم ﵁ هذا الذي قال إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ أَبِي المهاجر إن استعمله العاقل في الأحوال كلها مع الجاهل فلا ضير فأما من ارتفع عَن حد الجهال واتضع عَن حد العقلاء فالإغضاء عَن مثله في الأوقات أَحْمَد مخافة الازدياد منه ولأن يصبر المرء على حرارة الجفاء ومرارتها أولى من الانتقام مما يستجلب عَلَيْهِ بما هو أحر وأمر مما مضى لأن من الكلام مَا هو أشد من الحجر وأنفذ من الإبر وأمر من الصبر ولقد أحسن الذي يقول لقد أسمع القول الذي كاد كلما تذكرنيه النفس قلبي تصدع
فأبدي لمن أبداه منى بشاشة كأني مسرور بما منه أسمع
وما ذاك عَن عجز به غير أنني أرى أن ترك الشر للشر أقطع
أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْنُ صَالِحٍ الطَّبَرِيُّ بِالصَّيْمَرَةِ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مقدام العجلي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيه عَن أَبِي عمرو في هذه الآية (٧ ١٩٩) ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ قَالَ أمر النَّبِيّ ﷺ بالعفو عَن أخلاق الناس