ما نال محمدة الرجال وشكرهم إلا الصبور عليهم المفضال
حدثني مُحَمَّد بْن عبدل بْن المهدي الشعراني حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزيد الطرسوسي حَدَّثَنَا ابن عائشة قَالَ قَالَ أَبِي جاء رجل إلى يَحْيَى بْن طلحة بْن عُبَيْد اللَّه فقال له هب لي شيئا قَالَ يا غلام أعطه مَا معك فأعطاه عشرين ألفا فأخذها ليحملها فثقلت عَلَيْهِ فقعد يبكي فقال مَا يبكيك لعلك استقللتها فأزيدك قَالَ لا والله مَا استقللتها ولكن بكيت على مَا تأكل الأرض من كرمك فقال له يَحْيَى هذا الذي قلت لنا أكثر مما أعطيناك
قال أَبُو حاتم ﵁ لا يجب الإلحاف عند السؤال في الحوائج لأن شدة الاجتهاد ربما كانت سببا للحرمان والمنع والطالب للفلاح كالضراب بالقداح سهم له وسهم عَلَيْهِ فإن أعطي وجب عَلَيْهِ الحمد وإن منع لزمه الرضاء بالقضاء ولا يجب أن يكون السؤال إلا في ديار القوم ومنازلهم لا في المحافل والمساجد والملأ لأن مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ النَّسَائِيُّ حَدَّثَنَا قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الضَّبِّيُّ عَنْ حُنَيْفٍ الْمُؤَذِّنِ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لا تَسْأَلُوا النَّاسَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَمَسَاجِدِهِمْ
[ ٢٤٨ ]
فَتَفْحَشُوهُمْ وَلَكِنْ سَلُوهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ فَمَنْ أَعْطَى أَعْطَى وَمَنْ مَنَعَ مَنَعَ
قال أَبُو حاتم رَضِيَ عنه الذي قاله عمر بْن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه إذا كان المسئول كريما فإنه إن سئل الحاجة في نادي قومه ولم يكن عنده قضاؤها تشور وخجل وأما إذا كان المسئول لئيما ودفع المرء إلى مسألته في الحاجة تقع له فإنه إن سأله في مجلسه ومسجده كان ذلك أقضى لحاجته لأن اللئيم لا يقضي الحاجة ديانة ولا مروءة وإنما يقضيها إذا قضاها طلبا للذكر والمحمدة في الناس
على أني أستحب للعاقل أن لو دفعه الوقت إلى أكل القد ومص الحصى ثم صبر عَلَيْهِ لكان أحرى به من أن يسأل لئيما حاجة لأن إعطاء اللئيم شين ومنعه حتف
ولقد أنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي إذا أعطى القليل فتى شريف فإن قليل مَا يعطيك زين
وإن تكن العطية من دني فإن كثير مَا يعطيك شين
أنبأنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الفضل السجستاني بدمشق حَدَّثَنَا علي بْن خشرم قَالَ سمعت سَعِيد بْن مسلم بْن قتيبة بْن مسلم الباهلي يقول خرجت حاجا فمللت المحمل فنزلت أساير القطرات فقال أتانا أعرابي فقال لي يا فتى لمن الجمال بما عليها قلت لرجل من باهلة قَالَ يا لله أن يعطى اللَّه باهليا كل مَا أرى قَالَ فأعجبني ازدراؤه بهم ومعي صرة فيها مائة دينار فرميت بها إليه فقال جزاك اللَّه خيرا وافقت مني حاجة فقلت يا أعرابي أيسرك أن تكون الجمال بما عليها لك وأنت من باهلة قَالَ لا قلت أفيسرك أن تكون من أهل الجنة وأنت باهلي قَالَ بشرط أن لا يعلم أهل الجنة أني من باهلة فقلت يا أعرابي الجمال بما عليها لي وأنا من باهلة قَالَ فرمى بالصرة إلي فقلت سبحان اللَّه ذكرت أنها وافقت منك حاجة قَالَ مَا يسرني
[ ٢٤٩ ]
أن القى اللَّه ولباهلي عندي يد فحدثت بها المأمون فجعل يتعجب ويقول ويحك ياسعيد مَا كان أصبرك عَلَيْهِ
حدثنا مُحَمَّد بْن الرقام بتستر حَدَّثَنَا أو حاتم السجستاني حَدَّثَنَا الأصمعي حَدَّثَنَا هاشم بْن القاسم قَالَ سألت سالم بْن قتيبة حاجة فقضاها ثم سألته أخرى فانتهرني وقال حاجتين في حاجة أو قَالَ على الريق ثم دعا بالطعام فلما تغدى قَالَ هات حاجتك أما سمعت قول الصبيان إذا تغديت وطابت نفسي فليس في الحق غلام مثلي
إلا غلام قد تغدى قبلي
أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مهدي بْن سابق عَن عطاء بْن مصعب قَالَ قَالَ أَبُو عمرو المنذري أتيت مسلم بْن قتيبة في حاجة وكان له صديق من أهل الشام فكلمته أن يكلمه في حاجتي فجعل يقول اليوم غدا فطال علي فتراءيت له وقد كان يعرفني فدعاني فقال أبا عمرو إنك لههنا قلت نعم أطالبك بحاجة منذ كذا وكذا وسيلتي فيها فلان فضحك وقال قد كنت أراك قد احكمت الآدب لا تستعن إلى من تطلب إليه حاجة بمن له عنده طعمة فإنه لا يؤثرك على طعمته ولا تستعن بكذاب فإنه يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب ولا تستعن بأحمق فإن الأحمق يجهد لك نفسه ولا يكون عنده شيء ولا يبلغ لك مَا تريد فانصرفت فقلت يكفيني هذا قَالَ لا ولكن تقضى لك حاجتك فقضاها
قال أَبُو حاتم ﵁ لا يجب للعاقل أن يتوسل في قضاء حاجته بالعدو ولا بالأحمق ولا بالفاسق ولا بالكذاب ولا بمن له عند المسئول طعمة ولا يجب أن يجعل حاجتين في حاجة ولا أن يجمع بين سؤال وتقاض ولا يظهر شدة الحرص في اقتضاء حاجته فإن الكريم يكفيه العلم بالحاجة دون المطالبة والاقتضاء
[ ٢٥٠ ]
ولقد أنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي وإذا طلبت إلى كريم حاجة فاصبر ولا تك للمطال ملولا
لا تظهرن شره الحريص ولا تكن عند الأمور إذا نهضت ثقيلا
وأنشدني مُحَمَّد بن إسحاق الواسطي العرزمي وإذا طلبت إلى كريم حاجة فحضوره يكفيك والتسليم
فإذا رآك مسلما عرف الذي حملته فكأنه ملزوم
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يتسخط مَا أعطي وإن كان تافها لأن من لم يكن له شيء فكل شيء يستفيده ربح ولا يجب أن يسأل الحاجة كل إنسان فرب مهروب منه أنفع من مستغاث إليه ولا يجب أن يكون السائل متشفعا لآخر لأن من لم يقدر على أن يسبح فلا يجب أن يحمل على عنقه آخر ومن سئل فليبذل لأن مال المرء نصفان له مَا قدم ولوارثه مَا خلف وأقرب الأشياء في الدنيا زوالا المال والولاية والتعاهد للصنيعة بالتحفظ عليها أحسن من ابتدائها ومن غرس غراسا فلا يضنن بالنفقة على تربيته فتذهب النفقة الأولى ضياعا
حدثني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حدثني مُحَمَّد بْن أَبِي يعقوب الربعي حَدَّثَنَا عَبْد الكريم بْن مُحَمَّد الموصلي حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ سمعت أبا تمام حبيب بْن أوس الطائي يقول وقفت على باب مالك بْن طوق الرحبي أشهرا فلم أصل إليه ولم يعلم بمكاني فلما أردت الانصراف قلت للحاجب أتأذن لي إليه أم أنصرف قال أما الآن فلا سبيل إليه قلت فإيصال رقعة قَالَ لا ولا يمكن هذا ولكن هو خارج اليوم الى بستان له فاكتب الرقعة وارم بها في موضع أرانيه الحاجب فكتبت لعمري لئن حجبتني العبيد عنك فلم تحجب القافيه
سأرمي بها من وراء الجدار شنعاء تأتيك بالداهيه
[ ٢٥١ ]
.. تصم السميع وتعمي البصير ومن بعدها تسأل العافيه
فكتبت بها ورميت بها من المكان الذي أرانيه الحاجب فوقعت بين يديه فأخرجها فنظر فيها فقال علي بصاحب الرقعة فخرج الخادم فقال من صاحب الرقعة قلت أنا فأدخلت عَلَيْهِ فقال لي أنت صاحب الرقعه قلت نعم فاستنشدني فأنشدته فلما بلغت ومن بعدها تسأل العافيه قَالَ لا بل نسأل العافية من قبلها ثم قَالَ حاجتك فأنشأت أقول ماذا أقول إذا انصرفت وقيل لي ماذا أصبت من الجواد المفصل
وإن قلت أغناني كذبت وإن أقل ضن الجواد بماله لم يجمل
فاختر لنفسك مَا أقول فإنني لا بد أخبرهم وإن لم أسأل
فقال إذا والله لا أختار إلا أحسنها كم أقمت ببابي قلت أربعة أشهر قَالَ يعطى بعدد أيامه ألوفا فقبضت مائة وعشرين ألف درهم
سمعت مُحَمَّد بْن نصر بْن نوفل بقوقل يقول سمعت أبا داود السنجي يقول كان ببغداد رجل يقال له ابن الهفت فمر يوما على سائل واقف على الجسر وهو يقول اللهم ارزق المسلمين حتى يعطوني فقال له تسأل ربك الحوالة