في اشتقاق هذه الأسماء ومعانيها
فأمَّا المحبَّة، فقيل: أصلُها الصفاء؛ لأنَّ العربَ تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: حَبَب الأسنان، وقيل: مأْخوذة من الحَباب، وهو ما يَعلُو الماءَ عند المطر الشديد، فعلى هذا المحبة: غَليان القلب وثورانُه عند الاهتياج إلى لقاء المحبوب. وقيل: مشتقة من اللزوم والثبات، ومنه: أحبَّ البعيرُ: إذا بَركَ فلم يَقُم، قال الشاعر (^١):
حُلْتَ عليه بالفلاة ضَرْبا ضَرْبَ بعيرِ السَّوْءِ إِذ أحبّا
فكَأنَّ المحبَّ قد لزم قلبُه محبوبَه فلم يَرُم عنه انتقالًا.
وقيل: بل هي مأخوذة من القَلَق والاضطراب، ومنه سُمِّي القُرْط حِبًّا؛ لِقَلَقِه في الأُذُن واضطرابه، قال الشاعر (^٢):
تَبيتُ الحيَّةُ النَّضْنَاضُ منه مكانَ الحِبِّ تستمعُ السِّرارَا
_________________
(١) الشطران من أرجوزةٍ في «الأصمعيات» (ص ١٦٣) بلا نسبة. وهما في «لسان العرب» (حبب، قفل) لأبي محمد الفقعسي، وبلا نسبة في «جمهرة اللغة» (ص ٦٥)، و«مقاييس اللغة» (٢/ ٢٧)، و«مجمل اللغة» (٢/ ٢٩)، و«الاشتقاق» (ص ٣٩). وفيها برواية: «حُلتَ عليه بالقفيل» أي بالسوط. وفي ت، ش: «خِلت» تحريف.
(٢) البيت للراعي النميري في ديوانه (ص ١٤٩)، و«الاقتضاب» (ص ٤٣٨) من قصيدة له. وهو في «اللسان» (حبب، نضض)، و«تهذيب اللغة» (٤/ ١٠٠، ١١/ ٤٧٠)، و«جمهرة اللغة» (ص ٦٤) وغيرها.
[ ٢٧ ]
وقيل: بل هي مأْخوذة من الحَبِّ جمع حَبَّة، وهو لُبَاب الشيء وخالصُه وأصلُه (^١)، فإنَّ الحَبَّ أصلُ النبات والشجر.
وقيل: بل هي مأخوذةٌ من الحُبّ الذي هو إنَاءٌ (^٢) واسعٌ يُوضع فيه الشيء فيمتلئ به بحيث لا يَسَع غيرَه، وكذلك قلبُ المحبِّ ليس فيه سَعَةٌ لغير محبوبه.
وقيل: مأخوذة (^٣) من الحُبّ، وهو الخشَبات الأربع التي يستقر عليها ما يوضع عليها من جَرَّةٍ أو غيرها، فسُمِّي الحبُّ بذلك؛ لأن المحبَّ يَتحمَّل لأجل محبوبِه الأثقالَ، كما تتحمل [٨ أ] الخَشَباتُ ثِقَلَ ما يوضع عليها.
وقيل: بل هي مأخوذةٌ من حَبَّة القلب وهي سُوَيْدَاؤه، ويقال: ثمرته، فسميت المحبة بذلك؛ لوصولها إلى حَبّة القلب، وذلك قريبٌ من قولهم: ظَهَره: إذا أصاب ظَهْره، وَرَأسَه: إذا أصاب رأْسَه، ورآه: إذا أصاب رِئَته، وبَطَنه: إذا أصاب بَطْنَه، ولكن في هذه الأفعال وصل أثرُ الفاعل إلى المفعول، وأمَّا في المحبة فالأثر إنما وصل إلى المُحِبّ.
وبَعْدُ، ففيه لغتان: حَبَّ، وأحَبَّ، قال الشاعر (^٤):
_________________
(١) «وأصله» ساقطة من ش.
(٢) «إناء» ساقطة من ش.
(٣) ت: «مأخوذ».
(٤) هو غيلان بن شجاع النهشلي، كما في «اللسان» (حبب)، و«شرح أبيات مغني اللبيب» (٦/ ١١٨) و«التنبيه والإيضاح» لابن بري (١/ ٧٥). والبيتان بلا نسبة في «أمالي اليزيدي» (ص ٦٥)، و«المخصص» (١٢/ ٢٤٢)، والثاني بلا نسبة في «الاقتضاب» (ص ٢٨٣)، و«الخصائص» (٢/ ٢٢٠)، و«شرح شواهد المغني» (٢/ ٧٨٠)، و«شرح المفصل» (٧/ ١٣٨)، و«شروح التلخيص» (٣/ ٦٨)، و«مجمع الأمثال» (١/ ٣٦٢) وغيرها.
[ ٢٨ ]
أُحِبُّ أَبا مروانَ من أجلِ تَمْرِهِ وأعلمُ أنَّ الرِّفْقَ بالمرءِ أرْفَقُ
وواللهِ لولا تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ ولا كانَ أدنى مِن عُبَيْدٍ وَمُشْرِق
كذلك أنشدَه الجوهريّ (^١) بالإقواء (^٢)، فجمع بين اللغتين. ولكن في جانب الفعل واسم الفاعل غلَّبوا الرباعي، فقالوا: أحبّه، يُحِبّه، فهو مُحِبٌّ، وفي المفعول غلَّبوا فَعَل، فقالوا في الأكثر محبوبٌ، ولم يقولوا مُحَبٌّ إلا نادرًا، قال الشاعر (^٣):
وَلَقَدْ نَزَلْتِ فلا تَظُنِّي غيرَه منِّي بمنزلةِ المُحَبِّ المُكْرَم
فهذا من أفعلَ. وأما حبيب فأكثر استعمالهم له بمعنى المحبوب، قال (^٤):
_________________
(١) في «الصحاح» (١/ ١٠٥).
(٢) ورواه المبرد في «الكامل» (١/ ٢٩٣): وأقسم لولا تمره ما حببتُه وكان عياضٌ منه أدنى ومُشرِقُ ولا إقواء فيه.
(٣) هو عنترة بن شداد العبسي، والبيت من معلقته. انظر: «ديوانه» (ص ١٨٧).
(٤) البيت للفرزدق في «ديوانه» (١/ ٨٤)، و«كتاب» سيبويه (٣/ ٢٩)، و«سمط اللآلي» (ص ٥٧٢) و«لسان العرب» (حنطب)، و«المقاصد النحوية» للعيني (٢/ ٥٥٦)، و«شرح شواهد المغني» (٢/ ٨٨٥)، و«شرح أبيات مغني اللبيب» (٧/ ١٣٦).
[ ٢٩ ]
وما زُرْتُ ليلى أنْ تكونَ حبيبةً إليَّ ولا دَينٌ لها أنَا طالِبُه
وقد استعملوه بمعنى المُحِبِّ، قال الشاعر (^١):
وما هجَرَتْكِ النَّفْسُ أنَّكِ عندَها قليلٌ ولا أَنْ قلَّ مِنْكِ نصيبُها
ولكنَّهم يا أحسنَ النَّاسِ أُولِعُوا بقولٍ إذا ما جئتُ: هذا حبيبُها
فهذا يحتملُ أن يكونَ بمعنى المحبوب، وأن يكونَ بمعنى المُحِبّ. وأما الحِبُّ بكسر الحاء فلغة في الحُبّ، وغالب استعماله بمعنى المحبوب (^٢). قال في الصحاح (^٣): الحُبّ: المحبة، وكذلك الحِبُّ بالكسر. والحِبّ أيضًا الحبيب مثل خِدْنٍ وخَدِين.
قلت: وهذا نظير ذِبْحٍ بمعنى مذبوح، ونِهْبٍ بمعنى منهوب، ورِشْقٍ بمعنى مرشوق، ومنه السِّبُّ، [٨ ب] ويشترك فيه الفاعل والمفعول. قال أبو عُبيد: السِّبُّ بالكسر: الكثير السِّباب. قال الجوهري (^٤): وسِبُّك:
_________________
(١) «الشاعر» ساقطة من ت. والبيتان للمجنون في «ديوانه» (ص ٦٨، ٧٠، ٧١). ونُسِبا لنُصيب في «شعر نصيب» (ص ٦٨)، وللأحوص أو نصيب في «المحب والمحبوب» (٢/ ٩٣، ٩٤). وانظر التخريج واختلاف الروايات في هذه المصادر.
(٢) «وأن يكون المحبوب» ساقطة من ش.
(٣) (١/ ١٠٥).
(٤) «الصحاح» (١/ ١٤٥). ونقل أيضًا قول أبي عبيد.
[ ٣٠ ]