والحركة الاختيارية أصلُها الإرادة، والقسريةُ والطبيعيةُ تابِعتان لها، فعاد الأمر إلى الحركة الإرادية. فجميعُ حركات العالم العلويِّ والسُّفليِّ تابعةٌ للإرادة والمحبَّة، وبها تحرَّك العالمُ، ولأجلها، فهي العلَّةُ الفاعليَّة والغائيّة، بل هي التي بها ولأجلها وُجدَ العالمُ، فما تحرَّك في العالم العُلويِّ والسفليِّ حركةٌ إلا والمحبَّة (^١) سببُها وغايتُها، بل حقيقةُ المحبَّة حركة نفس المحبِّ إلى محبوبه، فالمحبَّة حركةٌ بلا سكون.
وكمالُ المحبَّة هي العبودية، والذلُّ، والخضوعُ، والطَّاعة للمحبوب، وهو الحقُّ الذي به وله خُلِقَت السموات والأرض، والدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر/٨٥]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص/٢٧]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون/١١٥].
والحقُّ الذي خُلِق به ولأجله الخلقُ هو عبادة الله وحده، التي هي كمالُ محبته والخضوعُ والذُّلُّ له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسلَ الرسلَ، وأنزل الكتبَ، وخلقَ الجنَّة والنار.
والسمواتُ والأرضُ إنما قامت بالعدل الذي هو صراط الله الذي هو عليه، وهو أحبُّ [٢٣ ب] الأشياء إليه. قال تعالى حاكيًا عن نبيّه
_________________
(١) ش: «والإرادة».
[ ٩٤ ]
شعيب ﵇: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود/٥٦]، فهو على صراط مستقيم في شَرْعه وقَدَره، وهو العدل الذي به ظهر الخلق والأمر، والثواب والعقاب (^١). وهو الحق الذي به وله خُلقت السمواتُ والأرضُ وما بينهما، ولهذا قال المؤمنون في دعائهم (^٢): ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران/١٩١]، فنزَّهوا ربَّهم سبحانه أن يكونَ خلق السموات والأرض عبثًا لغير حكمةٍ، ولا غايةٍ محمودة، وهو سبحانه يُحْمَد لهذه الغايات المحمودة، كما يُحْمَد لذاتِه وأوصافه، فالغايات المحمودة في أفعاله هي الحكمة التي يُحبُّها ويرضاها.
وخَلَق ما يكره لاستلزامه ما يحبُّه، وتَرَتُّبِ المحبوب له عليه، وكذلك (^٣) يترك سبحانه فعل بعض ما يحبّه؛ لما يترتب عليه من فوات محبوبٍ له أعظم منه، أو حصولِ مكروهٍ أكرهَ إليه من ذلك المحبوب. وهذا كما ثبَّط قلوب أعدائه عن الإيمان به وطاعته؛ لأنه يكره طاعاتهم، ويُفَوِّت بها ما هو أحبُّ إليه منها من جهادهم، وما يترتب عليه من المُوَالاة فيه والمعاداة فيه، وبذلِ أوليائه نفوسَهم فيه، وإيثار محبته ورضاه على
_________________
(١) «والعقاب» ساقطة من ت.
(٢) ش: «عبادتهم».
(٣) ش: «لذلك».
[ ٩٥ ]