والصوابُ أنَّ الشوقَ الحادثَ عند اللقاء والمواصلة غيرُ النوع الذي كان عند الغَيْبة عن المحبِّ، قال ابن الرومي (^١):
أُعانِقُها والنفسُ بعدُ مَشُوقةٌ إليها وهل بعدَ العِناقِ تَدانِي؟!
وألثِمُ فاها كي تزولَ صَبابَتِي فيشتدُّ ما ألقى من الهيَمانِ
ولم يكُ مقدارُ الذي بي من الجَوى ليَشْفِيَه ما ترشُفُ الشَّفتانِ
كأن فؤادي ليس يَشفي غَلِيلَه سوى أن يرى الرُّوحينِ يَمتزجان
فصل
وأمَّا الخِلابة: فهي الحبُّ الخادِع، وهو الحبُّ الذي وصلَ إلى الخِلْب، وهو الحجابُ الذي بين القلب وسَواد البطن. وسُمِّي الحبُّ خِلابةً؛ لأنه يخدعُ ألبابَ [١٣ ب] أربابه، والخِلابة: الخديعة باللسان، يقال: خَلَبَهُ يَخْلُبه بالضم، واخْتَلبه مثلُه. وفي المثل: «إذا لم تَغْلِبْ فاخْلِبْ» (^٢)
_________________
(١) «ديوانه» (٥/ ٢٤٧٥)، و«أمالي» القالي (١/ ٢٢٦)، و«ديوان المعاني» (١/ ٢٢٣)، و«زهر الآداب» (١/ ١٨٢)، و«التذكرة الحمدونية» (٦/ ٩٧). والأولان بلا نسبة في «ذم الهوى» (ص ٥٩١)، و«طريق الهجرتين» (٢/ ٧٢٦).
(٢) المثل في «أمثال» أبي عبيد (ص ١٥٦)، و«جمهرة الأمثال» (١/ ٦٦)، و«مجمع الأمثال» (١/ ٣٤)، و«المستقصى» (١/ ٣٧٥)، و«اللسان» (خلب).
[ ٥٢ ]
أي: فاخدَعْ. والخَلِبة: الخَدَّاعة من النساء (^١). قال الشاعر (^٢):
أودى الشبابُ وحُبُّ الخالةِ (^٣) الخَلِبَهْ وقد بَرِئْتُ فما بالقلب مِنْ قَلَبَهْ
قال ابن السِّكِّيت (^٤): رجلٌ خلَاّب، أي: خدَّاعٌ كَذَّاب، ومنه البرق الخُلَّب: الذي لا غيثَ فيه، كأنَّه خادع، ومنه قيل لمن يَعِدُ ولا يُنْجِز: إنما أنت برقٌ خُلَّب. والخُلَّب أيضًا: السَّحابُ الذي لا مطرَ فيه. ومنه الحديث: «إذا بَايَعْتَ فَقُلْ لا خِلابةَ» (^٥) أي: لا خديعة. والحبُّ أحقُّ ما يُسَمَّى (^٦) بهذا الاسم؛ لأنه يُعْمِي ويُصِمّ، ويَخْدَعُ لُبَّ المحبِّ وقلبَه.
_________________
(١) «من النساء» ساقطة من ش.
(٢) هو النمر بن تولب، والبيت له في «ديوانه» (ص ٣٣١)، و«جمهرة اللغة» (ص ١٠٥٦، ١٣١٩)، و«أساس البلاغة» (قلب)، و«اللسان» (خلب، قلب). وبلا نسبة في «جمهرة اللغة» (ص ٢٩٣)، و«تهذيب اللغة» (٧/ ٥٦٢)، و«اللسان» (خيل).
(٣) ت، ش: «الخالب». والمثبت من ط ومصادر التخريج.
(٤) في «إصلاح المنطق» (ص ٤١٩).
(٥) أخرجه البخاري (٢١١٧، ٢٤٠٧، ٢٤١٤، ٦٩٦٤)، ومسلم (١٥٣٣) من حديث ابن عمر.
(٦) ت: «سمّي».
[ ٥٣ ]