وهو: أنَّه يحبُّ عبدَه بعد المغفرة، فيغفرُ له ويحبُّه، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة/٢٢٢]، فالتائب حبيبُ الله. فالودُّ: أصفى الحبِّ وألطفُه.
فصل
وأمَّا الخُلَّة: فتوحيدُ المحبَّة، فالخليل هو الذي يُوَحِّدُ حبَّه لمحبوبه، وهي مرتبةٌ (^١) لا تقبلُ المشاركة، ولهذا اختصَّ بها في العالم الخليلان إبراهيم ومحمدٌ صلوات الله وسلامه عليهما، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء/١٢٥]، وصحَّ عن النبي - ﷺأنه قال: «إنَّ الله اتَّخَذني خَلِيلًا كمَا اتخَذَ إبْرَاهيمَ خَلِيلًا» (^٢).
وفي الصحيح (^٣) عنه - ﷺ -: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الأرْض خَلِيلًا لاتَّخَذتُ أبَا بَكْرٍ خَلِيلًا. وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الرَّحْمنِ».
وفي الصحيح أيضًا (^٤): «إنِّي أَبْرَأُ إلى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ».
ولمَّا كانت الخُلَّة مرتبةً لا تقبل المشاركة؛ امتحنَ الله سبحانه إبراهيمَ الخليل بذبح ولده لمَّا أخذَ شعبةً من قلبه، فأرادَ سبحانه أن يُخْلِصَ تلك الشعبة له، ولا تكون لغيره، فامتحنَه بذبح ولده، والمراد
_________________
(١) ش: «رتبة».
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٢) من حديث جندب بن عبد الله.
(٣) أخرجه مسلم (٢٣٨٣) من حديث ابن مسعود.
(٤) ضمن الحديث السابق برواية أخرى.
[ ٧٦ ]
ذَبحُه من قلبه، لا ذَبْحُه بالمُدْيَة، فلمَّا أسلما لأمر الله، وقدَّم محبَّة الله تعالى عَلَى محبة الولد؛ خَلَصَ مقام الخُلَّة، وَفُدِيَ الولدُ بالذِّبْح.
وقيل: إنَّما سُمِّيت خُلَّةً لتخلُّل المحبَّة جميعَ أجزاء الرُّوح، قال (^١):
قد تخلَّلتِ مَسْلَكَ الرُّوح مِنِّي وبِذَا سُمِّي الخليلُ خَليلا
والخُلَّةُ: الخليلُ، يستوي فيه المذكر والمؤَنث؛ لأنه في الأصل مصدر قولك: [١٩ أ] خليلٌ بَيِّنُ الخُلَّة والخُلُولة، قال (^٢):
ألا أبْلِغا خُلَّتي جَابِرًا بأنَّ خَلِيلَكَ لَمْ يُقْتَل
ويُجمع عَلَى خِلال، مثل: قُلَّة وقِلال. والْخِلُّ: الودُّ والصَّديق. والْخِلَال أيضًا مصدر بمعنى المُخَالَّة (^٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم/٣١]، وقال في الآية الأخرى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة/٢٥٤]، وقال امرؤ القيس (^٤):
ولستُ بمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قَالِ
_________________
(١) البيت بلا نسبة في «المنتخل» (٢/ ٨٠١)، و«ديوان الصبابة» (ص ٣٧).
(٢) البيت لأوفى بن مطر المازني في «جمهرة اللغة» (ص ١٠٧)، و«اللسان» (خطأ، خلل). وبلا نسبة في «تهذيب اللغة» (٦/ ٥٦٨)، و«ديوان الأدب» (٣/ ٢٧).
(٣) ت: «المخاللة».
(٤) «ديوانه» (ص ٣٥). وصدره: صرفتُ الهوى عنهن من خشية الردى
[ ٧٧ ]
والخليل: الصَّديق، والأنثى خليلة. والخِلالة والخَلالة والخُلالة بكسر الخاء وفتحها وضمِّها: الصَّداقةُ والمودَّة. قال (^١):
وكيف تُوَاصِلُ مَنْ أصبحتْ خِلَالَتُهُ كأبي مَرْحَب
وقد ظنَّ بعضُ مَنْ لا علمَ عنده: أنَّ الحبيبَ أفضلُ من الخليل، وقال: محمَّدٌ حبيبُ الله، وإبراهيمُ خليلُ الله. وهذا باطلٌ من وجوهٍ كثيرة:
منها: أنَّ الخُلة خاصةٌ، والمحبَّة عامَّة، فإنَّ الله يحبُّ التَّوابين، ويحبُّ المتطهِّرين، وقال في عباده المؤمنين: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة/٥٤].
ومنها: أنَّ النبيَّ - ﷺ - نفى أن يكونَ له من أهل الأرض خليل، وأخبرَ أنَّ أحبَّ النِّساء إليه عائشة، ومن الرجال أبوها (^٢).
ومنها: أنه قال: «إنَّ الله اتَّخَذَني خلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إبرَاهيمَ
_________________
(١) البيت للنابغة الجعدي في «ديوانه» (ص ٢٦)، و«كتاب» سيبويه (١/ ٢١٥)، و«نوادر» أبي زيد (ص ١٨٩)، و«أمالي» القالي (١/ ١٩٢)، و«سمط اللآلي» (١/ ٤٦٥)، و«اللسان» (رحب، خلل). وبلا نسبة في «إصلاح المنطق» (ص ١١٢) و«مجالس ثعلب» (ص ٧٧)، و«أمالي المرتضى» (١/ ٢٠٢)، و«اللسان» (شرب، برر). و«أبو مرحب» كنية الظل، ويقال: هو كنية عرقوب الذي قيل فيه: مواعيد عرقوب.
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤) من حديث عمرو بن العاص.
[ ٧٨ ]