بِوَلَدِهَا» (^١)، أي: لا تُجْعَل والهًا، وذلك في السَّبايا. وناقةٌ والِهٌ: إذا اشتدّ وَجْدُهَا عَلَى ولدها. والمِيلَاهُ: التي من عادتها أن يشتدَّ وَجْدُهَا على ولدها، صارت الواو ياءً لكسرة ما قبلها. وماءٌ مُولَهٌ ومُوَلَّهٌ: أرسل في الصحراء، فذهب، وقول رُؤْبة (^٢):
به تَمَطَّتْ غَوْلَ كلّ مِيلَهِ
بنا حَرَاجيجُ المَهَارِي النُّفَّهِ
أرادَ البلاد التي تُوَلِّهُ الإنسان، أي: تُحيِّره.
فصل
وأمَّا التعبُّد: فهو غاية الحبِّ بغاية (^٣) الذلِّ، يقال: عبَّده الحبُّ أي: ذلَّله. وطريقٌ معبّدٌ بالأقدام؛ أي: مُذَلَّلٌ، وكذلك المحبُّ قد ذلَّله الحبُّ ووطَّأَه، ولا تصلُحُ هذه المرتبة لأحد غير الله ﷿ ولا يَغفِرُ الله سبحانه لمن أشركَ في عبادته، ويغفرُ ما دون ذلك لمن شاء.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ٥) من حديث أبي بكر بسندٍ ضعيف. وانظر: تخريجه من طرق أخرى في «التلخيص الحبير» (٣/ ١٥).
(٢) «ديوانه» (ص ١٦٧)، و«تهذيب اللغة» (١٤/ ٤٣)، و«اللسان» (مهر، نفه، وله، مطا)، وبلا نسبة في «اللسان» (غول، تله)، و«تهذيب اللغة» (٦/ ٣٢٤).
(٣) ش: «وغاية».
[ ٨٣ ]
فمحبَّة العبودية هي (^١) أشرفُ أنواع المحبَّة، وهي خالصُ حقِّ الله عَلَى عباده، وفي الصحيح (^٢) عن مُعاذ أنه قال: كنتُ سائرًا مع رسول الله - ﷺ - فقال: «يا معاذ!» فقلت: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللهِ وسَعْديْكَ! قال: ثمَّ سارَ ساعةً، ثم قال: «يا معاذ!» قلت: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسعديك! ثم سارَ ساعةً فقال: «يا معاذ!»، قلت: لبيكَ رسولَ الله وسعديك! قال: «أتدري ما حَقُّ الله على عباده؟» قلت: اللهُ ورسولُه أعلم، قال: «حقُّه عليهم أن يعبدوه لا يُشركوا به شيئًا. أتدري ما حقُّ العباد عَلَى الله إذا فعلوا ذلك؟ ألا يُعذِّبهم بالنار».
وقد ذكرَ الله سبحانه رسولَه بالعبودية في أشرف مقاماته، وهي مقام التحدِّي، [٢٠ ب] ومقام الإسراء، ومقام الدعوة، فقال في التحدِّي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة/٢٣]، وقال في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء/١]، وقال في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن/١٩].
وإذا تدافع أولو العزم (^٣) الشفاعةَ الكبرى يوم القيامة يقول المسيحُ لهم: «اذهبوا إلى محمدٍ، عبدٍ غفرَ الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» (^٤)،
_________________
(١) ت: «من».
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٦٧، ٦٥٠٠)، ومسلم (٣٠).
(٣) «أولو العزم» ساقطة من ش.
(٤) قطعة من حديث الشفاعة، أخرجه البخاري (٧٤١٠)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس.
[ ٨٤ ]
فنالَ ذلك المقام بكمال العبودية (^١) لله، وكمال مغفرة الله له. فأشرفُ صفاتِ العبد صفة العبودية، وأحبُّ أسمائه إلى الله اسم العبودية، كما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أحبُّ الأسماء إلى الله عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمنِ، وأَصدقُها حارثٌ وهَمَّام، وأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّة» (^٢).
وإنَّما كان حارث وهمَّام أصدقَها لأنَّ كلَّ أحدٍ لابدَّ له من همٍّ وإرادةٍ وعزمٍ، ينشأ عنه حرثُه وفعلُه، وكلُّ أحدٍ حارثٌ وَهَمَّام، وإنَّما كان أقبَحَهَا حربٌ ومُرَّة؛ لما في مُسمَّى هذين الاسمين من الكراهة ونفور العقل عنها (^٣)، وبالله التوفيق.
_________________
(١) ت: «عبوديته».
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٤٥)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٨١٤)، وأبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجشمي. وفي إسناده عقيل بن شبيب مجهول، وأبو وهب ليس صحابيًّا، فروايته عن النبي - ﷺ - مرسلة. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢/ ٣١٢). والجزء الأول من الحديث صحيح، أخرجه مسلم (٢١٣٢) من حديث أنس.
(٣) ش: «عنهما».
[ ٨٥ ]