ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب (ص ٢٣) أنه «علَّقه في حال بُعدِه عن وطنه، وغَيبتِه عن كتبه»، وقد فهم منه بعضهم (^١) أنه يورد أغلب الأحاديث والأخبار والأشعار من حفظه، ولا يذكر الحديث بلفظه ولا القول بنصِّه، وربَّما جمع الآية من الآيتين، والحديث من الحديثين، وربَّما قدَّم المؤخَّر وأخَّر المقدَّم، وأبدلَ كلمةً بكلمةٍ، وغيَّر حرفًا بحرفٍ.
ولكن بعد قراءة الكتاب قراءةً متأنية، ومراجعة نصوصه ومقابلتها بالكتب المعروفة، يظهر لنا أن المؤلف اعتمد على مجموعة من المصادر، استقى منها النصوص والأخبار والقصص والأشعار، وهو وإن تصرَّف فيها قليلًا أو كثيرًا، ولم يذكر في أغلب الأحيان المصادر التي نقل منها، إلا أنه يُصرِّح أحيانًا بأسماء بعض الكتب والمؤلفين، وينقل عنها صفحاتٍ متتالية، كما يظهر ذلك بالمقابلة معها. ومثل هذا التوافق لا يمكن أن يحصل إلا إذا كان المؤلف استخدم تلك المصادر حقيقةً. فكيف نفسِّر كلام المؤلف في مقدمة الكتاب؟
الذي أرى أن يُفهم من مثل هذه العبارة في مقدمات بعض الكتب: أن المؤلف كان وقت التأليف بعيدًا عن مكتبته الخاصة الغنية بالمصادر
_________________
(١) مثل الأستاذ أحمد عبيد في مقدمة تحقيقه للكتاب: ص هـ.
[ ١٩ ]
والكتب (^١)، وأنه اشتغل بتأليفها في حال سفره وبُعده عن وطنه، وهذا لا يدلُّ على أنه لم يستخدم الكتب أو مذكراته الخاصة بالنقول عن المصادر. فكل مؤلف أو باحث لا يتيسر له في كل وقتٍ الحصول على المراجع الضرورية للموضوع الذي يريد أن يكتب فيه، حتى ولو كان مستقرًّا في مكتبته ومقيمًا في بلده، فهو في بعض الأمور يعتمد على محفوظاته، مثل القرآن الكريم، والأحاديث المشهورة، والأبيات السائرة، والأمثال والحكم المأثورة، وبعض الأخبار والأحداث والقصص المعروفة، وأقوال السلف والأئمة في المسائل المختلفة، وبعض المتون المشهورة وغيرها من المعارف التي يُكثِر منها العلماء أو يُقِلِّون حسب رغبتهم وتخصصهم. وفي كثير من الأحيان يعتمد على الكتب إذا تيسَّرت، أو النصوص المقتبسة منها في مذكراته الخاصة.
وقول المؤلف في المقدمة لا ينفي أن تكون قد حصلت له بعض الكتب في حال بُعده عن وطنه، أو أنه استخدم بعض مذكراته التي اقتبس فيها النصوص والفوائد من المصادر المختلفة التي قرأها.
وعلى هذا فيمكن لنا أن نبحث عن موارده في الكتاب، ولسنا هنا بصدد الاستقصاء والتتبع لجميع المصادر التي استخدمها، فإن الفهارس العلمية في آخر الكتاب ستبيِّن أسماء جميع المؤلفين والكتب التي ورد
_________________
(١) انظر عنها ما قاله الشيخ بكر أبو زيد في كتابه (ص ٦٢ - ٦٣).
[ ٢٠ ]
ذكرها فيه. وإنما نذكر هنا المصادر الرئيسة التي كان عليها جلُّ اعتماد المؤلف في إيراد الأخبار والأشعار في الكتاب، وهي خمسة كتب:
١ - اعتلال القلوب، للخرائطي (ت ٣٢٧).
٢ - طوق الحمامة، لابن حزم (ت ٤٥٦).
٣ - ذم الهوى، لابن الجوزي (ت ٥٩٧).
٤ - منازل الأحباب، للشهاب محمود (ت ٧٢٥).
٥ - الواضح المبين، لمغلطاي (ت ٧٦٢).
وكان اعتماده على «طوق الحمامة» و«منازل الأحباب» قليلًا، بالنسبة إلى الكتب الثلاثة الأخرى التي أكثر النقل منها دون الإشارة إليها في أغلب المواضع، بل لم يشر إلى كتاب مغلطاي أصلًا، ولكنه نقل بواسطته عن كتب أخرى صرَّح بأسماء بعضها. ولعل السبب في ذلك - والله أعلم - عدم تقدير العلماء لكتاب مغلطاي بسبب بعض الأخبار المنكرة التي أوردها فيه، حتى إنه امتُحن بسببها وأُدخِل السجن، كما أشرنا إلى ذلك فيما مضى، فأحبَّ ابن القيم أن لا يُصرِّح بالنقل من هذا الكتاب.
هذه هي المصادر الأساسية للأخبار والأشعار المتعلقة بالعشق والعشاق، وقد أشرتُ في تخريجي لها إلى هذه الكتب، فلا داعي لذكر جدول لبيان النصوص المقتبسة منها.
[ ٢١ ]
أما الأحاديث والآثار فكثير منها عزاها إلى الصحاح والسنن والمسانيد والأجزاء المفردة، وقد يعزو إليها من حفظه فيحصل بعض الوهم والخطأ، وقد أشرتُ إلى ذلك في الحواشي. وفي الباب الثاني الخاص ببيان اشتقاق أسماء المحبة ومعانيها اعتمد على «الصحاح» للجوهري كثيرًا، وصرَّح بذكره في بعض المواضع.
أما المصادر والمراجع الأخرى فقد ينقل عنها مباشرة، وقد ينقل عنها بواسطة كتب الخرائطي وابن الجوزي ومغلطاي، وبيانها في الهوامش في مواضعها.
أثره في الكتب اللاحقة:
نقل عن هذا الكتاب عدد من المؤلفين، واعتمدوا عليه في إيراد النصوص التي ذكرها ابن القيم، وآرائه وتعليقاته على القضايا التي تطرق إليها. وأقدم من وجدته يقتبس منه: ابن أبي حجلة (ت ٧٧٦) في كتابه «ديوان الصبابة»، وقد اعتمد عليه اعتمادًا كبيرًا في تأليفه، وأورد أكثر الأخبار والأشعار التي ذكرها ابن القيم في كتابه، دون أن يشير إليه في أغلب المواضع، وقد صرَّح بالنقل عنه في أربعة مواضع فقط، فأحيانًا يقول: «قال الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية » (ص ٣٤، ٩٣) [ط. بيروت ١٩٧٢ م]، وأحيانًا يقول: «قال صاحب روضة المحبين» (ص ٣٦، ٩٢).
[ ٢٢ ]