والفريق الثاني عارضوا بين الأمر والقَدَر، وبين ما يُحبُّه ويرضاه، وبين ما قدَّره وقضَاه، ثم افترقوا أربعَ فِرَقٍ:
فرقة كذَّبت بالقدر محافظةً على الأمر، فأبطلتِ الأمرَ من حيث حافظت على القَدَر، فإنَّ الإيمان بالقدر أصلُ الإيمان بالأمر، وهو نظامُ التوحيد، فمن كذَّب بالقدر نَقَضَ تكذيبُه إيمانَه.
وفرقةٌ ردَّتِ الأمرَ بالقَدَر، وهؤلاء من أكفر الخلق، وهم الذين حكى الله قولهم في القرآن إذ قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام/١٤٨] وقالوا أيضًا (^١): ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل/٣٥]، وقالوا أيضًا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف/٢٠]، وقالوا أيضًا: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس/٤٧]. فجعلَهم الله سبحانه بذلك مكذِّبين خارصينَ، ليس لهم علم، وأخبرَ أنَّهم في ضَلال مبين.
وفرقةٌ دارت مع القَدَر، فسارت بسَيْره، ونزلتْ بنزوله، ودانت به، ولم تُبالِ وافقَ الأمرَ أو خالفَه، بل دينُها القدر، فالحلالُ ما حلَّ بيدها قدرًا، والحرامُ ما حُرِمَتْهُ قَدَرًا، وهم مع منْ غلَب قَدَرًا من مسلمٍ أو كافرٍ، برًّا كان أو فاجرًا (^٢)، وخواصُّ هؤلاء وعُبَّادُهم لما شهدوا الحقيقة
_________________
(١) «لو شاء أيضًا» ساقطة من ش.
(٢) ت: «برّ أو فاجر».
[ ٩٧ ]
الكونية القدرية صاروا مع الكفَّار المسلَّطين بالقَدَر، وهم خُفراؤُهم، فهؤلاء أيضًا كفَّار.
وفرقةٌ وقفت مع القَدَر مع اعترافها بأنَّه خلافُ الأمر، ولم تَدِنْ به، ولكنَّها [٢٤ ب] استرسلت معه، ولم تُحَكِّم عليه الأمر، وعَجَزت عن دفع القدر بالقدر اتّباعًا للأمر، فهؤلاء مفرِّطون، وهم بين عاجزٍ وعاصٍ لله.
وهؤلاء الفِرَقُ كلُّهم مُؤْتَمُّون بشيخهم إبليس، فإنه أوّلُ من قدَّم القدر على الأمر وعارضَه به، وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر/٣٩]. و(^١) ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف/١٦]، فردّ أمر الله بقدره، واحتجَّ على ربه بالقدر.
وانقسم أتباعهُ أربعَ فِرَق كما رأيت، فإبليس وجنوده أرسلوا بالقدر إرسالًا كونيًّا. فالقَدَرُ دينُهم، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم/٨٣]، فدِينُهم القدر، ومصيرُهم سقر.
فبعثَ الله الرسلَ بالأمر، وأمرهم أن يُحاربوا به أهلَ القدر، وشرَعَ لهم من أمره سُفُنًا، وأمرهم أن يركبوا فيها هم وأتباعُهم في بحر القدر، وخصَّ بالنجاةِ من ركبها، كما خَصَّ بالنجاة أصحاب السفينة، وجعل ذلك آيةً للعالمين.
_________________
(١) «ربّ و» ساقطة من ش.
[ ٩٨ ]