قال الإمام ابنُ العربي ﵁: "وقد كنتُ أفضتُ في "أَنْوَارِ الفَجْرِ بمَجَالِسِ الذِّكْرِ" في أنواع العلوم الشريفة؛ من التوحيد، والأحكام، ومقامات الأعمال وآفات القلوب والأحوال؛ ما سارت به الرُّكبان، وتعطَّر بأَرَجِه الزمان، وضَعُفَتْ عن تحصيله الأركان، وقُيِّدَ منه ما قُيِّدَ، وشُرِّدَ منه ما شُرِّدَ، واسْتَفَأَتِ الَافاتُ كثيرًا منه، ونَسَفَتْ أَرْوَاحُ النوائب جملةً ممَّا كُنَّا فَرَغْنَا عنه، وكان من أهم ما يُقبَل عليه؛ تقييدُ ما يتعجَّل الخلقُ منفعتَه، فخرج "الأَمَدُ الأقصى في أسماء الله وصفاته" (^١)، و"ناسخُ القرآن ومنسوخه"، و"أحكامُه"، و"قانونُ التأويل"، وكتابُ "العواصم"، و"القَبَسُ من أنوار مالك ﵁ في كتابه"، و"العِوَضُ المحمود"، وهو مُفَرَّقٌ عند الناس، وبقي عِلْمُ التذكير المتعلق بالأعمال والمقامات، وسَنحَ خاطرُ خَيْرٍ في العَطْفِ إليه، وجنحت القواطعُ قليلًا عنه، فنسأل الله العون عليه" (^٢).
فظهر من خلال قول ابن العربي هذا أن أصل كتبه وأساسها هو كتاب "أنوار الفجر في مجالس الذكر"، وأنه لمَّا عصفت به الآفات تلافاه بهذه الكتب التي هي فُصُولٌ من ذلك الأصل، إلَّا كتابًا واحدًا تقدَّم تأليفه له، وهو كتاب "العِوَضُ المحمود" (^٣)، وهو من جملة كُتُبِه التي تلفت وتفرَّقت
_________________
(١) نشر بتحقيق ودراستي في سِفْرَيْنِ بدار الحديث الكتانية، وخرَّج أحاديثه ووثَّق نقوله أخي الأستاذ الباحث أحمد عروبي، وذلك عام ١٤٣٦ هـ / ٢٠١٥ م، في نشرتين اثنتين.
(٢) سراج المريدين: (١/ ١١).
(٣) ذكره في المتوسط في الاعتقاد- بتحقيقنا-: (ص ٣٧٥)، و"المتوسط" من أوائل كتبه.
[ المقدمة / ٣١ ]
بعد وقعة الدَّارِ؛ عند ثورة السِّفْلَةِ عليه، من هَمَجِ إشبيلية ورعاعها وسُوقَتِها وسُقَّاطِها؛ فانتهبوا داره، وأفسدوا كتبه، ولحق الضياع بثمرة رحلته التي ناهزت العشر سنوات.
قال الإمام ابنُ العربي ﵁ ذاكرًا أسباب قبوله تَوَلِّي خطة القضاء-: "تَمَكَّنْتُ فيها منها، وعَمِلْتُ ما يَعْلَمه الله تعالى، ولا أَطْلُبُ مَثُوبَةً من سواه؛ مِنْ كَفِّ الظُّلْمِ والاعتداء، وبَثِّ الأَمْنِ، وحِفْظِ الأموال، وكَفِّ الأطماع، والأَمْرِ بالمعروف، والنَّهْيِ عن المنكر، وفَكِّ الأسير، والتَّحْصِينِ على الخَلْقِ بالسُّور، والمساواة في الحق بين الصغير والكبير، حتى أَرِجَتْ أقطاري، ووَقَعَ السَّمَرُ بأخباري، فضَجَّ العُداة، وضَجِرَ الوُلاة، حين صَفِرَ وِطَابُهم من الحرام، وابيضَّتْ صحائفهم من الآثام، فدَسُّوا إلى نَفَرٍ من العامَّة، فثارُوا عليَّ، وساروا إليَّ، فنُهِبَتْ دَارِي، وأُخْفِرَ ذِمَامِي وذِمَارِي، وهُمْ قيامٌ ينظرون، لا يُغَيِّرُون ولا يُنْكِرُون، يرون أن مَسْلَحَةً أجدى عليهم من مصلحة، وعَطَبًا أولى بي من سلامة، فانتثلُوا مالي، واستَفَؤُوا شِعاري ودِثاري، وهَدَمُوا مسجدي وداري .. وتعرَّضوا لنفسي؛ فكفَّ الله تعالى أَيْدِيَهُمْ عَنِّي، ولقد وَطَّنْتُهَا على التَّلَفِ .. وأمسيتُ سَلِيبَ الدَّارِ، ولولا ما سبق من حُسْنِ المقدار لكنتُ قَتِيلَ الدَّارِ" (^١).
وظهر من قوله: "سليب الدار"؛ أنه أُخِذت بعض كتبه التي كانت بخزانته، وفقد منها بعض مؤلفاته، منها: "أنوار الفجر"، و"العوض المحمود"، وغيرها، وفيها ما جلبه من رحلته المشرقية، ومنها ما لم يسبقه أَحَد إلى إدخاله إلى عدوة الأندلس، يؤكد هذا قوله بعد ذلك: "فإنه لمَّا
_________________
(١) سراج المريدين: (١/ ٢٦ - ٢٧).
[ المقدمة / ٣٢ ]
ذُهِبَ ببعضها عند فَيِّ الدار؛ أَسِفْتُ لها ولمَا مضى من أمثالها، ممَّا لا أجبره إلَّا بالرحلة مرة أخرى" (^١).
وكذلك قولُه في موضع آخر من كُتُبِه: "قد ذكرنا في كتاب النبي-ﷺ أسماءَه وجميع متعلقاته، وختمناها بمعجزاته وغزواته، وذكرنا له ألف معجزة، وذكرنا من أسمائه فيها عِدَّةً، سَلَبَتِ النوائبُ بعضها" (^٢).
وكذلك قولُه ﵁: "قد كنا أملينا فيه في كتاب أنوار الفجر في عشرين عامًا ثمانين ألف ورقة، وتفرَّقت بين أيدي الناس، وحصل عند كل طائفة منها فَنٌّ، وقد ندبتهم إلى أن يجمعوا منها ولو عشرين ألفًا، وهي أصولها التي يُبنى عليها سواها، وينظمها على علوم القرآن الثلاثة؛ التوحيد، والأحكام، والتذكير، إذ لا تخلو آيةٌ منه- بل حرف- عن هذه الأقسام الثلاثة" (^٣).
وظهر بهذا أن ما ضاع من كتاب "أنوار الفجر" تلافاه بهذه المجموعات التي هي جزء من كتابه الكبير، و"أنوارُ الفجر" قد ضَمَّ في تضاعفيه هذه العلوم الثلاثة؛ كما يأتي بعد هذا إن شاء الله، فالحاجةُ إلى سَدِّ الخلل الداخل عليه في مؤلفاته أداه إلى تخصيص قِسْمٍ لهذا العلم؛ "علم التذكير".
_________________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٤٠٥).
(٢) القبس: (٣/ ١٢٠٠).
(٣) القبس: (٣/ ١٠٤٨)، وينظر: قانون التأويل: (ص ٣٦١).
[ المقدمة / ٣٣ ]