غير أن بعض من لا يُعْرَفُ ذَكَرَ في كتاب له أمرًا غريبًا جِدًّا، بناه على الكذب والتخييل، والتمويه والافتراء، فرأيتُ أنه من المستحسن التعرض له لنقضه ونقده، وبيان زَغَلِه وشَعْبَذَتِه، وذلك ما جاء في كتاب "بيوتات فاس
_________________
(١) سراج المريدين: (١/ ٢٧).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٢٧).
[ المقدمة / ٦٣ ]
الكبرى"، يقول مؤلفه: "إنَّ بعض الطلبة وقف على كلامه في كتابه العواصم من القواصم في جانب أمير المؤمنين مولانا الحُسَين السِّبْطِ بن مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، وهو أن أمر اليزيد -لعنه الله - بقتله إنَّما قتله بسيف جده رسول الله ﷺ، ثم إن الفقيه المذكور نادى بالعوام، وقرأ عليهم كلام ابن العربي الذي في الكتاب المذكور، وقال لهم: ظاهر كلامه أنه استباح قَتْلَ الحُسَين وأَحَلَّ دمه، فثارت العامَّة بإشبيلية، وقالوا: يجب علينا تأديب هذا المبتدع، وقصدوه وهو في داره، فلما بلغه الخبر هرب فورًا وركب البحر إلى المغرب، وسار إلى مراكش، واشتكى إلى -كذا- أميرها بإشبيلية، فوجد الخبر قد وصله -كذا-، فأمره بالمسير إلى مدينة فاس، فسار إليها ليستوطنها، فمرض في الطريق بالحقد على أهل إشبيلية لما وصله -كذا- خبر ما فعلوه بداره، وتوفي في مرضه ذلك في اليوم الذي كان قدم فيه على فاس، فدفنوه بخارج باب الشريعة منها، ولم يدخل إليها" (^١).
وفي هذا الخبر الكثير من الكذب، وهو عمدة بعض الطاعنين في الإمام أبي بكر بن العربي ﵁، ونذكر هذه المطاعن المبنية على الافتراء لتُعْلَمَ ويُتَفَطَّنَ لها:
أوَّلها: أسلوبُ هذا الرجل أقرب إلى العوام منه إلى الطلبة؛ لشيوع اللحن فيه، وهو أمر لا يصدر إلَّا من عامي أو قريب منه.
ثانيها: ما ذكره من وقوف أحد الطلبة على كلام ابن العربي في "العواصم" يفيد ما فهم منه التنقص هو قَوْلٌ باطل، فثورة السِّفْلَةِ على
_________________
(١) بيوتات فاس الكبرى: (ص ٦٠ - ٦١).
[ المقدمة / ٦٤ ]
القاضي إنما كانت عام ٥٢٩ هـ، وتأليف ابن العربي لكتابه "العواصم" إنما كان عام ٥٣٦ هـ (^١).
ثالثها: ما ذكره الطالب من كون ابن العربي فَرَّ إلى المغرب قول باطل ومائل، فإنما كان مهاجَر القاضي إلى قرطبة، وبقي فيها ما يقارب الأربع سنوات، ثم رجع إلى إشبيلية بعدها (^٢).
رابعها: قوله: إنَّ ابن العربي سيَّره أمير المغرب إلى فاس فمات بها؛ قَوْلٌ مختلَق، من أباطيل السُّمَّارِ، ومخترعات الحسَّاد، فسَيْرُ ابن العربي إلى فاس كان بعد ثورة سِفْلَةِ إشبيلية بقريب من ثلاث عشرة سنة؛ عام ٥٤٣ هـ.
خامسها: لم يصح عن ابن العربي أنه قال: "قُتِلَ الحُسَين بسيف جده"، وإنما قال: "وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل" (^٣)، وهي عبارة قلقة، ما كان لابن العربي أن يقولها، ولكن ليست بذلك الذي يُشِيعون، فاستمع إليه وهو يقول: "يا أسفي على المصائب مرة، ويا أسفي على الحُسَين ألف مرة، بَوْلُه يجري على صدر النبي فلا يُغسل، ودمه يراق على البوغاء ولا يُحقن، يا لله، ويا لَلمسلمين" (^٤).
ومعاذ الله أن يكون الإمام ابنُ العربي منحرفًا عن سيدنا الحُسَين رضوان الله عليه، كيف وهو قد قال فيه ما قال؟ ولكن الروافض قد أحنقهم
_________________
(١) العواصم: (ص ٣١٤).
(٢) المقدمة الدراسية للأمد الأقصى: (١/ ٢٤ - ٢٧).
(٣) العواصم: (ص ٣٣٨).
(٤) العواصم: (ص ٣٣٦).
[ المقدمة / ٦٥ ]
كتاب "العواصم من القواصم"؛ لأنه فضحهم وكشف عورتهم، فالتمسوا ليجدوا ما يطعنون عليه به؛ فلم يجدوا إلا التخرص، والتأويل لبَعِيدِ كلامه، وهذه عادة أهل الأهواء وسيرتهم التي رضوها لأنفسهم، أعاذنا الله منهم ومن نهجهم.
وبهذا يظهر أن تلك الترجمة التي تضمَّنها هذا الكتاب قائمة على الكذب والاختلاق، وأنَّ من قال بقولها أو سار بسيرها فإنما هو على طريق الكَذَبَةِ والبَطَلَةِ، وكفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع.