قال الإمام ابنُ العربي ﵁: "وبقي عِلْمُ التذكير المتعلق بالأعمال والمقامات، وسَنَحَ خاطرُ خَيْرٍ في العَطْفِ إليه، وجنحت القواطعُ قليلًا عنه، فنسأل الله العون عليه" (^١).
وقد تقدَّم أن العلوم عند ابن العربي ثلاثة (^٢)، وهي: "عِلْمُ التوحيد"، و"عِلْمُ الأحكام"، و"عِلْمُ التذكير"، ويدخل عليها عِلْم آخر، وهو: "عِلْمُ الناسخ والمنسوخ"، وهو نَوْعٌ من عِلْمِ الأحكام، ومُشَاكِلٌ له، غير أنه لما كان جُزْءًا من كُلً أفرده ابنُ العربي بالتصنيف، كما أفرده من تقدَّمه من فقهاء الأمَّة، فتبقى تلك العلوم- كما ذَكَرَ- ثلاثة.
ففي العِلْمِ الأوَّل: صنَّف ابنُ العربي كتبه الاعتقادية، "العَقد الأصغر"، و"العقد الأوسط" (^٣)، و"العقد الأكبر" (^٤)، و"شرح المشكلين"، و"معجزات رسول الله-ﷺ"، و"تنبيه الغبي على مقدار النبي-ﷺ"، وغيرها.
وفي العِلْمِ الثاني: صنَّف "أحكام القرآن"؛ الصغرى والكبرى.
وبقي العلم الثالث: وهو "عِلْمُ التذكير"، فلم يصنف فيه ابن العربي كما صنَّف في العلوم الأخرى المتقدمة، وسَنَحَ خاطرُ خَيْرٍ في التعريج عليه، والاهتبال به؛ لإتمام ما شرع فيه من تواليفه وتصانيفه.
_________________
(١) سراج المريدين: (١/ ١١).
(٢) ينظر: قانون التأويل: (ص ٢٣٠).
(٣) هو كتاب: "المتوسط في الاعتقاد"، نُشِرَ بتحقيقنا وعنايتنا بدار الحديث الكتانية، عام ١٤٣٦ هـ / ٢٠١٥ م.
(٤) هو كتاب: "المقسط في شرح المتوسط".
[ المقدمة / ٣٤ ]
فعلى هذا تكون الرغبة في إتمام معالم هذا النظر والفكر هي الدافعة للإمام ابن العربي إلى الشروع في هذا التصنيف، مع النظر فيما يلائمه ويحتاجه، وهي أشياء قائمة بنفسه، وخواطر ناهضة بقلبه، وله فيها بدائع تحتاج إلى زمانها لتجد موضعها وموقعها؛ كما هو الشأن مع سابقاتها في كتبه السَّالفة.
وعند التحقيق: نرى أن الباعثيْن متداخلان، فالثاني جُزْءٌ من الأوَّل، والأول ممَّا يصح أن يندرج في الثاني، وإنَّما نَوَّعْنَا التقسيم لما مهَّد له الإمام ابنُ العربي بذِكْرِ ما فُجِعَ فيه يوم الدَّارِ، وما غلب عليه من سوء الأشرار، وما كان من عاقبته؛ في مَدِّ أيديهم إلى كتبِه وبنات أفكاره وزواهر عمره، فناسب أن نذكر ما ذَكَرَ، وأن نقف معه حيث وَقَفَ.