قال ابنُ العربي: "أَفْنَيْتُ عظيمًا من الزمان في طريقة الصوفيين، ولقيتُ رجالاتهم في تلك البلاد أجمعين، وما كنتُ أسمع بأحد يُشار إليه بالأصابع، أو تُثنى عليه الخناصر، أو تُصيخ إلى ذِكْرِه الآذان، أو ترفع إلى مَنظرته الأحداق؛ إلَّا رحلتُ إليه قَصِيًّا، أو دخلتُ إليه قريبًا" (^١).
وقال أيضًا: "يعلم الله، وتشهد لي كُتُبِي ومسائلي وكلامي مع الفرق؛ بأني جِدُّ بَصِيرٍ بأغراضِ القومِ ومقاصدهم" (^٢).
_________________
(١) قانون التأويل: (ص ١٢٠).
(٢) قانون التأويل: (ص ٢٥٣).
[ المقدمة / ٤٥ ]
وقال في تفسير أهل الإشارة: "ولم أزل أطلبُ هذا الفن في مظانه، وفي مراجعة شيوخه فيه؛ حتى وقفتُ على حقيقة مذهبه" (^١).
فظهر بهذا أن الإمام ابن العربي عارف بمذاهب المتصوفة، عالم بطرائقهم، مُمَيِّزٌ لمقالاتهم، مُدْرِكٌ لمقاماتهم، وذلك إنمَّا تأتَّى له بمخالطته للقوم، ومصاحبته لرؤسائهم، وقد كان منهم جماعة لا يُحْصَوْنَ ببيت المقدس وأكنافه؛ من العابدين والعاكفين، والمرابطين والمجاورين، اجتمعوا من أقاصي الأرض ليعبدوا ربهم في المسجد الأقصى، ولقي منهم خَلْقًا من تلامذة أبي القاسم القُشَيْرِي، منهم: أبو سعد محمد بن طاهر الزَّنجاني الشهيد تـ ٤٩٢ هـ، ومنهم؛ أبو بكر الطُّرْطُوشي تـ ٥٢٠ هـ، وهو شيخه الذي فتح له أبواب العبادة والعناية أيَّام مقامه ببيت المقدس.
قال ابنُ العربي في شأن صُحْبَتِه لشيخه أبي بكر الطُّرْطُوشِي: "لقد كُنَّا نخرج من المسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفِهْرِي في جملة الأصحاب على الفُتُوح، أقل ما تكون خمسة، وأكثره خمسون، فندور على قبور الأنبياء، ونجول في قُرَى الشام المجاورة المدة الطويلة، قرى ظاهرة مباركة، آمنين فرحين، يُغْدَى علينا ويُرَاحُ بما نحتاج إليه، ونحن نقطع من روضة إلى روضة، ومن متعبَّد إلى متعبَّد، وكذلك سائر الناس من متفقهة وصوفية" (^٢).
وهي سيرةٌ أقرب ما يكون إلى سيرة الصوفية، وفيها معالم بارزة من معالم طريقتهم، الدلالة على الله، وعدم التعويل على الزاد، وحسن
_________________
(١) قانون التأويل: (ص ١٩٧).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٨٣).
[ المقدمة / ٤٦ ]
التوكل، والثقة بعطاء الله وفضله، مع العبادة والتبتل والانقطاع إلى الله تعالى، وهذا الذي كان يقصده ابن العربي بخصوص معرفته بمقالات القوم ومقاماتهم، ومقاصدهم وأغراضهم، وما كان ليكون ذلك لولا هذه الصحبة الطيبة، والمرافقة الكريمة، وأعانه على ذلك حِرْصٌ وتَهَمُّم مُتَّقِدَانِ، جعلاه يقف على منتهى مرامهم، ومرتقى طلبهم.
وقال في شأن مصاحبته للعبَّاد والزهَّاد: "لقد عَبَدْنَاهُ في المسجد الأقصى- طهَّره الله- ثلاثين شهرًا، في ثلاثة أحوال؛ مع أُمَمٍ من العابدين والعاكفين والعَالِمين، نحوًا من ثلاثة آلافٍ مَعْلُومِين، حَصَدَتْهُمُ السيوف في غَدَاةٍ واحدة" (^١).
وحُقَّ له بعد هذه الصحبة أن يكون عارفًا بهم، مُطَّلِعًا على أغراضهم، وحُقَّ له أن يكون بصيرًا بمسالكهم وطرائقهم على صعوبتها، وقد كان من بلد لا ينظر إلى هؤلاء الناس بعين الرضى، ممَّا سَبَّبَ الوحشة من مقالاتهم، والرِّيبَةَ في مقاماتهم، فلم يمحهما عنده إلَّا بهذه الخلطة والصحبة، ثم آبَ إلى نفسه وقد عرف أَفضالهم وإِفضالهم.
وأَمْرٌ آخر أعانه على ذلك؛ وهو مباحثته لكُتُبِ القوم، ومعرفته بمصادرهم ومواردهم، وفي ذلك يقول الإمام ابن العربي: "كنتُ وقفتُ على كثير من كُتُبِه، ممَّا جمعه أربابُ الذِّكْرَى، الذين أوَّلهم المُحاسبي، وآخرهم القُشَيري" (^٢).
_________________
(١) سراج المريدين: (١/ ٢٠).
(٢) سراج المريدين: (١/ ١٢).
[ المقدمة / ٤٧ ]
وحديثه هنا عن الإمامين المحاسبي والقشيري دَالٌّ على أن التصوف الذي يرتضيه هو تصوف هذين ومن سلك مسالكهما، وآخِرُهم المنظور إليه بالإمامة هو أبو القاسم، وفي ذلك إيماءٌ إلى أنه لم يجد بعده من تُرتضى طريقته، وأنَّ من رام شيئًا من هذا العلم فعليه بكُتُبِ هذا الرجل، فهو قُطْبُ قومه، وسَيِّدُ ناسه، ويأتي التعريف ببعض هذه الكتب في فصل مصادر "السِّرَاجِ"، وفيها نَذْكُرُ وَزْنَ هذه الكتب وأثرها في هذا الكتاب، وما قَبِلَه منها وما زَيَّفَه، ونذكر طريقة تحملها، ومعيار تفاضلها.