ولمكانة ابن العربي الحديثية فقد أطبق العلماءُ خَلَفًا عن سَلَفٍ على نَعْتِه بالحافظ، منهم: الإمام أبو محمد الأشيري (^٢)، وأبو الحسن الفزَاري (^٣)؛ وهما من تلاميذه، وكان الحافظ ابن بشكوال يُسَمِّيه بالناقد (^٤)، وكذلك وَرَدَ عند الحافظ ابن دحية (^٥)، وخَطَّطَه بها الإمامُ أبو القاسم
_________________
(١) شرح نخبة الفكر: (ص ٤٦).
(٢) المتوسط في الاعتقاد - بتحقيقنا -: (ص ١٩).
(٣) الإمتاع لابن الدرَّاج: (ق ٢٤/ ب).
(٤) الفوائد المنتخبة والحكايات المستغربة لابن بشكوال: (١/ ١٥٧، ١٩٩)، والآثار المروية في الأطعمة السَّرِيَّة لابن بشكوال: (ص ١٠٤).
(٥) التنوير في مولد السراج المنير لابن دحية: (ق ١٥٠/ ب).
[ المقدمة / ١١٤ ]
السُهَيْلي (^١)، والإمامُ أبو جعفر بن مَضاء (^٢)، وغيرهم من مُحَدِّثِي أهل الأندلس، وذلك يدل دِلَالَةً بَيِّنَةً على أن النقد كان من وَصْفِه ورَسْمِه؛ خطة معروفة، ومرتبة منيفة.
ومن شواهد ذلك أيضًا ما قاله الفقيه العلَّامة جمال الدين المغيلي في وصف معارفه وعُلُومِه: "إنِّي تأمَّلت ما قَسَمَه الله تعالى للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي من العلوم الشرعية والعقلية، والفهم في الكتاب والسنة، والتمييز بين صحيح الأثر وحَسَنِهِ وضعيفه، وكَرْعِه من حياض الوحيين، أعني: الكتاب والسنة، وتيقظه إلى نصوصهما، وظاهرهما، ودليلهما، وإشاراتهما، وفحواهما، ومعناهما، ومعرفته بالقاصر من التعليل، والمُطَّرِدِ، وخِبْرَتِه بالوصف المُلْغَى والمعتبر، والتمييز بين المراتب النظرية، والعِلْمِ بطُرُقِ الترجيح" (^٣).
ويعنينا هنا ما أكَّده في حق الإمام ابن العربي؛ وهو تمييزه بين الصحيح والحسن والضعيف، وقليل من يُمَيِّزُ بينها، وقليل من يَصِلُ إلى هذه المرتبة.
وقال ابنُ ربيع الأشعري: "ومن أسمح ما رأيتُ في ذلك وأكثرهم توسعة من العلماء القاضي الأجل أبو بكر بن العربي ﵀، وهو من أَجَلِّ علماء الأندلس قَدْرًا، وأشدهم تناصفًا، وأبعدهم عن التقليد،
_________________
(١) التنوير في مولد السراج المنير لابن دحية: (ق ١٥٠/ ب)، وينظر: الروض الأُنُف: (٤/ ٥٨).
(٢) التنوير في مولد السراج المنير لابن دحية: (ق ١٥٠/ ب).
(٣) اختصار سراج المريدين لجمال الدين المغيلي: (ق ١/ ب).
[ المقدمة / ١١٥ ]
وأجراهم مع السنة، وأحسنهم انتزاعًا للأحكام من الكتاب العزيز ومن الأحاديث الصحاح" (^١).
ومَحَلُّ الشَّاهِدِ هنا قَوْلُ ابن ربيع: "الأحاديث الصحاح"، ليكون اعتناءُ ابن العربي بالأحاديث الصحاح كلمة اتفاق، بها عُرِفَ، وبها اشتهر، ولولا سابقُ معرفته بهذه الصنعة ما كان بالغًا هذه المرتبة، التي شهد له بها جِلَّةُ مشيخة العلم بالمغرب والأندلس.
وفي هذا الفصل أذكر بعضًا من دلائل النبوغ وشواهد التميز؛ التي مَكَّنَتْهُ من امتلاك ناصية هذه الصنعة الشريفة، وهي: