قال الحافظُ ابن دحية: "كان القاضي أبو بكر محسودًا في بلده، ويُنْسَبُ إلى ما لا يليق به" (^١).
فإذا علمنا أن ابن دحية كان ظاهري النحلة داودي المذهب؛ عَلِمْنَا ما في كلمته هاته من الجلالة والنفاسة، وما فيها من الإنصاف، ومع أن ابن العربي كان مجانبًا لابن حزم، منافرًا لداود، ومع ذلك رأى ابن دحية أن يقول كلمته هاته التي تطابق الواقع، والتي تفصح عمَّا كان يعانيه القاضي من حَسَدَتِه وأهل بلدته، لتكون كلمة ابن دحية كافية في رِفْعَةِ القاضي وارتفاع شأنه، رغم حسد الحاسدين.
وقال تلميذه أبو محمد الأَشِيرِي: "ولي القضاء بإشبيلية، وأقام فيها العدل؛ حتَّى حسده من كان مساعدًا، ونابذه من كان معاندًا" (^٢).
_________________
(١) اختصار سراج المريدين للمغيلي: (ق ١ / أ).
(٢) المقدمة الدراسية لكتاب المتوسط في الاعتقاد: (ص ٢٠).
[ المقدمة / ٦٦ ]
قال الإمامُ ابن العربي: "مُنِيتُ بِحَسَدَةٍ لا يَفْتَؤُونَ، وَمُبْتَدِعَةٍ لا يَفْهَمُونَ، قد قَعَدُوا مِنِّي مَزْجِرَ الكَلْبِ يُبَصْبِصُون، والله أَعْلَمُ بما يَتَرَبَّصُونَ" (^١).
وأكثر ما كانت محنة الإمام أبي بكر من جهة هؤلاء الحَسَدَةِ الفَسَدَةِ، الذين لم يتركوا أمرًا من أموره، ولا شأنًا من شؤونه؛ إلا ودخلوا فيه، ورموه عن قوس واحدة، واتخذوه غرضًا، ومالوا عليه بأجمعهم، لم يحملهم على ذلك إلَّا حَسَدٌ قَتَّالٍ، وهوًى ذو قَذَالٍ، وقد ذكر هذا الأمر عن علماء بلده في موضع آخر من كتبه، فذكر أن معاداتهم لمن جاء بعِلْمٍ ممَّن رحل سيرتُهم التي كبِروا عليها وفُطِمُوا بها، فهم مع كل رحَّالة في شأن عجيب، قال ﵁: "كلمَّا جاء أحدٌ من المشرق بعِلْمٍ دفعوا في صَدْرِه، وحَقَرُوا من أمره" (^٢).
وقال -ذاكرًا ما جرى له من أولئك الحسدة-: "ثم عُدْنَا نَنْوِي الحقَّ الذي حصَّلنا، ونعتقدُ القيام بالقِسْطِ الذي فصَّلنا، فألفينا قلوبًا متناكرة، وأخلاقًا متنافرة، وأرواحًا لم تلتق في سبيل المعرفة، فتأتلف على أكرم خُلُقٍ وأحسن صفة، بل هي أمة أكثرُها عن الواضحة ناكبة، تَقْسِطُ فيما فَرْضُها أن تُقْسِطَ، وتَعْدِلُ عمَّا يلزمها فيه أن تَعْدِلَ" (^٣).
وقال -بعد أن رأى منهم ما رأى، وبعد أن أعلنوا بالعداوة-: "وكم عندنا من العلوم، وماذا جمعنا من الفوائد، ولم نَجِدْ لها في هذه الأقطار
_________________
(١) العارضة: (١/ ٩).
(٢) العواصم: (ص ٣٦٦).
(٣) سراج المريدين: (٣/ ٢٦٥).
[ المقدمة / ٦٧ ]
مَحَلًّا، ولا رأينا لها أهلًا، فخَزَنَّاها فيما بيننا وبين ربنا، واذَّخرناها ذخيرة لمُوازنة ذَنْبِنَا" (^١).
وقال باثًّا شكواه، ورافعًا نجواه: "صِرْتُ الآن غريبًا بين قومي، وقد كنتُ غريبًا بين الغرباء؛ رفيعًا، شهيرًا، موصولًا، مُمَدَّحًا، مقبولًا، وذلك لفساد النيات، وقلة الإنصاف، واعتقاد المنافسة، ونبذ التواضع للشرف، والعناد للحق" (^٢).
وقد جرى له مع قومه ما ظهر فيه تَجَنِّيهم عليه، ومنها قصة روايته لحديث "المِغْفَرِ" (^٣) من ثلاثة عشر طريقًا غير طريق الإمام مالك ﵁، قال الحافظ ابنُ الجَدِّ: "حضر فقهاءُ إشبيلية؛ أبو بكر بن المُرَجَّى، وفلان، وفلان، وحضر معهم ابنُ العربي، فتذاكرُوا حديث المغفر، فقال ابنُ المرجى: لا يُعرف إلا من حديث مالك عن الزهري، فقال ابنُ العربي: قد رويتُه من ثلاثة عشر طريقًا غير طريق مالك، فقالوا: أفدنا هذا، فوعدهم، ولم يخرج لهم شيئًا" (^٤).
قال الحافظ ابنُ حجر: "الذين اتَّهموا ابن العربي في ذلك هم الذين أخطأوا؛ لقلة اطلاعهم، وكأنه بخل عليهم بإخراج ذلك لما ظهر له من إنكارهم وتعنتهم، وقد تتبعتُ طرقه حتى وقفتُ على أكثر من العدد الذي ذكره ابن العربي" (^٥).
_________________
(١) سراج المريدين: (٣/ ٣٠٥).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٤٢٥).
(٣) أخرجه الإمام مالك في الموطأ عن أنس بن مالك ﵁: كتاب الحج، جامع الحج، (١/ ٤٦٢)، رقم: (١٢٧٢ - المجلس العلمي الأعلى).
(٤) سيرالنبلاء: (٢٠/ ٢٠٢).
(٥) فتح الباري: (٤/ ٥٩ - ٦٠).
[ المقدمة / ٦٨ ]
وقال ابنُ حجر في موضع آخر من كُتُبِه: "لقد أطلتُ في الكلام على هذا الحديث، وكان الغرض منه الذب عن أعراض هؤلاء الحفاظ، والإرشاد إلى عدم الطعن والرد بغير اطلاع" (^١).
وعلى طريقته كان الحافظ السيوطي، فقال: "قال الحافظ ابن حجر: فهذه طرق كثيرة غير طريق مالك عن الزهري عن أنس، قال: فكيف يحل لأحد أن يتهم إمامًا من أئمة المسلمين بغير علم ولا اطلاع؟ قلتُ: لقد تسليتُ بهذا الذي اتفق للقاضي أبي بكر بن العربي -الذي كان مجتهد وقته، وحافظ عصره- عمَّا أقاسيه من أهل عصري، عند ذكري لهم ما لا اطلاع لهم عليه من الفوائد؛ من سوء أدبهم، وإطلاق ألسنتهم، وحسدهم، وأذاهم، وبَغْيِهم" (^٢).
وكان هؤلاء الحسدة لا يفترون عن إلحاق الأذى بابن العربي، فيهتبلون الفرص ليقولوا قولتهم، ويميلوا ميلتهم، وقد ذكر ابنُ العربي من ذلك في هذا "السراج" بعضًا ممَّا ينبه على الكل، قال ﵁: "كنتُ لَبِسْتُ بُرْنُسًا أحمر سنة خمسمائة، وحضرنا مجلسًا للأقضية وفيها بعض المُفْتِين، فقال لمَّا خرجنا منها: "من لَبِسَ بُرْنُسًا أحمرَ لم تَجُزْ شهادتُه" (^٣).
قلتُ: وما الذي يدعو القائل إلى مثل هذا؟ وقد كان له في السكوت والتعفف مندوحةٌ لو عرف قدرها، ولكن الحسد يَجُرُّ صاحبه إلى ما لا ينبغي، بل إلى ما يُوقِعُه في شر أعماله وسيِّء أفعاله، قال ابنُ العربي مُعَقِّبًا
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٦٦٩).
(٢) تنوير الحوالك: (١/ ٣٧٠).
(٣) سراج المريدين: (١/ ١٠٠).
[ المقدمة / ٦٩ ]
على كلمة هذا المفتي: "فنُمِيَ ذلك إليَّ، فقلتُ: من قال هذا يستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه، وجعلتُ أسرد الأحاديث في ذلك" (^١).
ومن ذلك -أيضًا- ما ذكره في موضع آخر من كُتُبِه، قال ﵁: "كُنَّا تذاكرنا في مجلس المَلِكِ آداب الأكل، فقلت: هي نَحْوٌ من مائة وخمسين، فقال بعضُ الحاسدين من المترسِّمين بالفتوى: ما جمعها اللَّوْحُ المحفوظ قَطُّ، فأطلق الحسدُ لسانَه حتى أَوْقَعَهُ في الكفر، وسألني المَلِكُ جَمْعَها ففعلتُ، فخُزِيَ المسكين، وباء به إلى حزبه اللعين" (^٢).
وفي موضع آخر: "وقد كنتُ أفعل ذلك أيام تَوَلِّي الحكم، إلَّا أني كنت محفوفًا بالجهال، فلم أُحِبَّ تَسْبِيبَ (^٣) المقال للحسدة الضُّلَّالِ" (^٤).
وممَّا يدخل في هذا المبحث ما كان يَبُثُّه من شكواه في "سراجه"، ويرفع به عقيرته في مَنْشَطِه ومَكْرَهِه؛ نفثة مصدور، وكلمة مقهور، قال ﵁: "وقد عَظُمَ الخَطْبُ في هذا الزمان، حتى لا يَدْرِي العَبْدُ على أي شيء يَبْكِي؛ أعلى فوات دنياه؟ أم على ذهاب دينه؟ أم على إخوانه في القربات؟ أم على أعوانه على الصالحات؟ أم على دروس العلم وطُمُوسِه؟ أم على اتفاق الخَلْقِ على إنكار المعروف وتعريف المنكر؟ أم على نفسه التي لا تطاوعه على طاعة؟ أم على عِرْسِه التي تطالبه بما ليس له به طاقة؟ أم على ولده الذي لا يَرَى فيه للعين قُرَّةً؟ أم على جاره الذي لا يُغْضِي له
_________________
(١) سراج المريدين: (١/ ١٠٠).
(٢) العارضة: (٧/ ٤٢١).
(٣) في المنشور من الأحكام (٣/ ١٠٦٦): أجب بسبب، وهو تصحيف.
(٤) أحكام القرآن: (٣/ ١٠٦٦).
[ المقدمة / ٧٠ ]
على عورة؟ أم على أميره الذي لا يَرْعَى فيه إلًّا ولا ذِمَّةً؟ أم على فَقْدِ صَبْرِه الذي يغلبه على الانفراد عن الخَلْقِ، والاستبداد بالربِّ؛ حين لم يَجِدْ سواه، ولا رأى حُسْنًا في غيره؟ أم على عَدَمِ مَحَلِّ الهجرة حتى يخرج عن هذه الأمة إلى موضع يَأْمَنُ فيه ما يتوقع من نِقْمَةٍ؟ " (^١).
وقال ﵁: "ثم جاء القَدَرُ بفُرْقَةٍ غَشَتِ القلوب حُرْقَةً، فلَبِسَ ثوبَ الحزن بقيَّة الدهر حين فَقَدَ أولئك الأصحاب، وحال القَدَرُ بينه وبين أولئك الأحباب، استبدل الأُنْسَ بالوحشة، والعلماء بالجهَّال، والأولياء بالأعداء، والمعين بالقاطع، وأَخَذَ الضارَّ بدلًا من النافع، وجَالَسَ الزاهد في العلم عِوَضًا من الراغب، وخَالَطَ الأَبِيَّ عن الطريق، النَّافِرَ عن الشريعة؛ بعد المُرِيدِ للعبادة، السَّالك سبيل الإرادة، وثَافَنَ الحاسد" (^٢).
وبهذا يكون هذا "السراج" قد تضمَّن شيئًا كثيرًا ممَّا له تعلق بأحوال ابن العربي مع أهل بلده، وشانئيه من أهل قطره، ويُفَسِّرُ لنا بعضًا من ملامح السيرة العلمية بالأندلس، فهو مصدر لا غنًى عنه لمن أراد التأريخ المفيد لحركة العلم والعلماء بهذا البلد.