قال ابنُ العربي ﵁: "إنِّي لمَّا دُعِيتُ إلى ولاية القضاء قَبِلْتُه مختارًا لثلاثة أوجه:
أحدها: سِرٌّ بيني وبين الله سبحانه.
والثاني: معاينتي للباطل قد دَفَّرَ الأرضَ، فأردتُ أن أُذَفِّرَهَا، تَمَكَّنْتُ فيها منها، وعَمِلْتُ ما يَعْلَمه الله تعالى، ولا أَطْلُبُ مَثُوبَةً من سواه؛ مِنْ كَفِّ الظُّلْمِ والاعتداء، وبَثِّ الأَمْنِ، وحِفْظِ الأموال، وكَفِّ الأطماع، والأَمْرِ بالمعروف، والنَّهْيِ عن المنكر، وفَكِّ الأسير، والتَّحْصِينِ على الخَلْقِ بالسُّور، والمساواة في الحق بين الصغير والكبير، حتى أَرِجَتْ أقطاري، ووَقَعَ السَّمَرُ بأخباري، فضَجَّ العُداة، وضَجِرَ الوُلاة، حين صَفِرَ وِطَابُهم من الحرام، وابيضَّت صحائفهم من الآثام، فدَسُّوا إلى نَفَرٍ من العامَّة، فثارُوا عليَّ، وساروا إليَّ، فنُهِبَتْ دَارِي، وأُخْفِرَ ذِمَامِي وذِمَارِي، وهُمْ قيامٌ ينظرون، لا يُغَيِّرُون ولا يُنْكِرُون، يرون أن مَسْلَحَةً أجدى عليهم من مصلحة، وعَطَبًا أولى بي من سلامة، فانتثلُوا مالي، واستَفَؤُوا شِعاري ودِثاري، وهَدَمُوا مسجدي وداري .. وتعرَّضوا لنفسي فكفَّ الله تعالى أَيْدِيَهُمْ عَنِّي، ولقد وَطَّنْتُهَا على التَّلَفِ .. وأمسيتُ سَلِيبَ الدَّارِ، ولولا ما سبق من حُسْنِ المقدار لكنتُ قَتِيلَ الدَّارِ.
[ المقدمة / ٥٩ ]
الثالث: أنَّ الناس كانوا يظنون أن الأرض خاليةٌ عن سِيَاسَةِ دَرِبٍ بالخَلْقِ، ذَرِبٍ بإقامة الحق، فأردتُ أن أكشف لهم عن بنات صَدْرِي، وأُعَلِّمَهُمْ كيفية وِرْدي في الأمر وصَدَرِي" (^١).
وفي كلمة ابَن العربي هاته ذِكْرٌ لخِلَالٍ شتى، ومحاسن جمة، نذكرها على الوِلاء:
الأولى: كَفُّ الظلم والاعتداء؛
الثانية: بَثُّ الأمن؛
الثالثة: حِفْظُ الأموال؛
الرابعة: كَفُّ الأطماع؛
الخامسة: الأَمْرُ بالمعروف؛
السَّادسة: النَّهْيُ عن المنكر؛
السَّابعة: فَكُّ الأسير،
الثامنة: التَّحْصِينُ على الخلق بالسُّورِ؛
التاسعة: المُسَاوَاةُ في الحق بين الصغير والكبير؛
وهي خِلَالٌ لا يبلغها إلَّا من كان ثابت الجنان، قوي الفؤاد، عفيف النفس، لا يخاف في الله لومة لائم.
ولو نظر الناسُ إلى هذه الخلال التي ذكرها ابنُ العربي لكانت واحدة منها تكفي لكل منصف، فكيف بهن مجتمعات؟ ولكنَّ أعداء الإصلاح الذين يحسبون كل صيحة عليهم، يَرَوْنَ في أمثال ابن العربي خَطَرًا مُحْدِقًا
_________________
(١) سراج المريدين: (١/ ٢٦ - ٢٨).
[ المقدمة / ٦٠ ]
بهم وبمصالحهم، فيلجؤون إلى تهييج العامة، وإشاعة الشحناء؛ ليتأتَّى لهم التخلص من هذا القاضي العفيف القوَّام بالحق؛ حيلة تحيَّلها الأقدمون، وما زال الناس على سيرتهم إذا أزعجهم قيامُ أهل الحق بما أوجب الله عليهم، سيرة مرويَّة، وقضية مقضيَّة.
وسيرةُ ابن العربي في القضاء أَمْرٌ اتَّفقت عليه كلمة أهل الإسلام؛ من العلماء والفقهاء والمؤرخين، فقالوا -أجمعين-: "قام بأمر القضاء أحمد قيام؛ مع الصرامة في الحق، والقوة والشدة على الظالمين، والرفق بالمساكين" (^١).
قال أبو محمَّد الأَشِيرِي في ولاية ابن العربي القضاء: "وَلِيَ القضاء ببلده إشبيلية، وأقام فيها العدل، حتى حسده من كان مساعدًا، ونابذه من كان معاندًا، ثم امتُحِنَ فصَبَرَ صَبْرَ أُولِي العزم، حتى انجلتْ محنتُه عن دِينٍ تَقِيٍّ، وعِرْضٍ نَقِيٍّ" (^٢).
وكانت شدته معلومة، وغضبته مرهوبة؛ لما عُلِمَ عنه من هذا القيام بالحق، والأخذ بالتعزير، وعدم الرفق بأهل الجناية والعماية، حتى قال ابن العربي في ذلك: "وقد كنتُ أيام الحكم بين الناس أَضْرِبُ وأَحْلِقُ، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يربي شعره عونًا على المعصية، وطريقًا إلى التجمل به في الفسوق" (^٣).
_________________
(١) نفح الطيب: (٢/ ٢٩)، والصلة: (٢/ ٢٢٨)، ووفيات الأعيان: (٤/ ٢٩٧)، وسير النبلاء: (٢٠/ ٢٠١)، والوافي بالوفيات: (٣/ ٢٦٦)، والتعريف بالرجال المذكورين بجامع الأمهات لابن الحاجب: (ص ٢٥٦).
(٢) المقدمة الدراسية لكتاب المتوسط في الاعتقاد: (ص ٢٠).
(٣) أحكام القرآن: (٣/ ١٠٦٥).
[ المقدمة / ٦١ ]
وفي تولية ابن العربي القضاء قال ابن عِذَارِي: "وفي هذه السنة وَليَ قضاء إشبيلية القاضي أبو بكر ابن العربي ﵀، ووصل كتاب ولايته من مراكش إلى إشبيلية عن علي بن يوسف ﵀ بتاريخ يوم الخميس منسلخ جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة" (^١).
واستعان القاضي في مهمته هاته بخُلَّصِ تلاميذه ونبهاء مُحِبِّيه، فولَّاهم القرى والبلدان التابعة لقضائه، وكان منهم الحافظ ابن بَشْكُوَال (^٢) وغيره؛ ممَّن نثر أخبارهم ابن الأبَّار في "تكملته".
وفي خبر صَرْفِ ابن العربي وعزله عام ٥٢٩ هـ يقول ابن عِذَارِي: "وثارت السِّفْلَةُ -أيضًا- بإشبيلية على قاضيهم أبي بكر بن العربي، وذلك أنه كان له في عقاب الجُنَاةِ اختراعات مهلكات ومضحكات .. وظلَّ ابن العربي يوالي التشدد والتسلط حتى ثَقُلَ على الفسَّاق والأشرار فهاجوا" (^٣).
وقال ابنُ العربي مُؤَكِّدًا ما ذَكَرْنَا: "وقد شاهدتم منَّا إقامة العدل، والقضاء -والحمد لله- بالحق، والكف للناس بالقِسْطِ، وانتشرت الأَمَنَةُ، وعظمت المَنَعَةُ، واتصلت في البيضة الهُدْنَةُ، حتى غلب قضاء الله بفساد الحسدة، واستيلاء الظلمة" (^٤).
وكان هذا الذي حَلَّ بابن العربي يوم ثَوْرَةِ السِّفْلَةِ على مرأًى من مشيخة إشبيلية، ولم يَهُزُّوا يدًا ولا رفعوا صوتًا في وجه هؤلاء الشِّرْذِمَةِ
_________________
(١) البيان المُغْرِب لابن عذاري: (٤/ ٩٢ - ٩٣).
(٢) التكملة لابن الأبار؛ (١/ ٢٥٠).
(٣) البيان المغرب لابن عذاري: (٤/ ٩٣ - ٩٤).
(٤) أحكام القرآن: (٣/ ١٤٥١).
[ المقدمة / ٦٢ ]
الحُفالة، وذلك ما أفاده قول القاضي أبي بكر: "وهُمْ قيام ينظرون، لا يُغَيِّرُون ولا يُنْكِرُون" (^١).
ليؤكد ما قال القاضي أبو بكر من قبل؛ "فضَجَّ العُداة، وضَجِرَ الوُلاة؛ حين صَفِرَ وِطَابُهم من الحرام، وابيضَّت صحائفهم من الآثام، فدَسُّوا إلى نَفَرٍ من العامَّة، فثارُوا عليَّ، وساروا إليَّ، فنُهِبَتْ دَارِي، وأُخْفِرَ ذِمَامِي وذِمَارِي" (^٢).
فكأن الأمر كان مُدَبَّرًا، وكأنَّهم لما ضُيِّقَ عليهم راموا التخلص من القاضي أبي بكر، فسَيَّرُوا إليه من ذكرنا، وكلهم أمل في أن يفتكوا به، لولا لطف الله العلي القدير، وفي دَخْلَةِ هؤلاء على دار القاضي فَعَلُوا الأفاعيل؛ فأخذوا ماله، وأفسدوا كتبه، ونَقَضُوا مسجده الذي كان يصلي فيه، وكنَّى هنا ابنُ العربي عمَّا حدث له بما كان من أمر الإمام الشهيد عثمان بن عفان ﵁، يوم دُخِلَتْ عليه الفتنة؛ فاستحلُّوا دمه واستفكوه، وهم يُخَيِّلُونَ للنَّاس أنهم أصحاب حَقٍّ جاؤوا يطلبوه.