من أوائل من أدرجه ضمن كتب التصوف والوعظ الإمام الخُزَاعِي ت ٧٨٩ هـ، فذكره ضمن مصادر كتابه "تخريج الدلالات السمعية" (^١)، وذكر معه كتاب "الإحياء" (^٢) و"الرسالة" (^٣)، فيكون هذا الكتاب على رأيه من كُتُبِ التصوف؛ وذلك لما فيه من تَعَرُّضٍ لمقامات العُبَّادِ، وطرائق الزُّهَّادِ،
_________________
(١) تخريج الدلالات السمعية: (ص ٧٩٣).
(٢) تخريج الدلالات السمعية: (ص ٧٩٣).
(٣) تخريج الدلالات السمعية: (ص ٧٩٣).
[ المقدمة / ٤٢ ]
مع ما فيه من مباحث متعلقة بأحوال النفس، ومسالك تزكيتها وتصفيتها، من غير أن يكون داخلًا فيما دخل فيه أربابُ التصوف؛ إذ الكتاب فيه مفارقة لكثير من معالم التأليف الصوفي، كما سنبين بعد ذلك.
ولكنَّ الإمام أحمد زَرُّوق البُرْنُسِي ت ٨٩٩ هـ لم ير أن يُدْرِجَه ضمن مؤلفات الصوفية، ورآه بعيدًا كل البعد عن نَفَسِهم ونهجهم، فقال: "وللمُحَدِّثِ تَصَوُّفٌ حام حوله ابنُ العربي في سِرَاجِه"، وسببُ ذلك: أن ابن العربي لم يَبْنِ كتابه على مناهج المتصوفين، ولم يَرْعَ ما يراعونه في تواليفهم، وفَوَّقَ بسهامه نحو غُلَاتِهِمْ، وقصد إلى أئمة التصوف كالمُحاسبي والقُشَيري والغزالي؛ فردَّ كثيرًا من أقوالهم، ونَقَدَ عديدًا من مقالاتهم، فلهذا لم يَرَ الصوفيةُ هذا الكتاب مندرجًا في مؤلفاتهم، ولا مُعَوِّلًا على درجاتهم، فخَفَتَ ذِكْرُه في كتبهم وغاب، واستحال في أحيان كثيرة أن ترى مُعَرِّجًا منهم عليه، أو ملتفتًا إليه.
وممن عَدَّ "سراج المريدين" ضمن كُتُبِ المتصوفة الفقيه أحمد التَّادِلِي تـ ١٠١٣ هـ، في كتابه "المُعَزَّى في مناقب الشيخ أبي يعزى"، قال فيه: "ألَفَ أبو بكر بن العربي كتابًا في التصوف خصوصًا، سمَّاه سراج المريدين؛ مائلًا في أكثره للحديث" (^١)، وما ذكره هنا قريبٌ ممَّا سبق نقله عن محتسب الصوفية ببلاد المغرب الفقيه أحمد زَرُّوق، وهو ناهل منه، مُعَوِّلٌ عليه، هذا الذي يبدو، وقد ذكر التادلي بعده ما يفيد ذلك (^٢).
_________________
(١) المُعَزَّى في مناقب الشيخ أبي يعزى: (ص ٣٢٤).
(٢) المُعَزَّى في مناقب الشيخ أبي يعزى: (ص ٣٢٤).
[ المقدمة / ٤٣ ]
ولكنَّ بعض من اشتغل بالتصوف واعتنى به من المتأخرين كان لهم نَحْوُ مَيْلٍ إلى عَضْدِ مقالاتهم ومقاماتهم بما وَرَدَ من ذِكْرٍ وإشادة في كتاب "سراج المريدين"، فكانوا يستروحون إليه، وينزعون بدليله فيما يؤيد ما يذهبون إليه، وأحيانًا يكون هذا الاستشهاد قاصرًا عن المراد، غير مقصود من الإمام ابن العربي، ولكنِ الملتقطُ لما يخدم مذهبَه، والباحثُ عمَّا يؤيد مشربَه؛ يهتبل بما يَرِد، ويغفل عما قُصِد، ومن أمثلة ذلك ما ورد عند الفقيه العلَّامة ابن خَجُّو الحسَّاني ت ٩٥٦ هـ (^١) في رسالته "ضياء النهار، المُجَلِّي لغمام الأبصار، في نصرة أهل السنة الفقراء الأخيار"، ويأتي مزيدُ ذِكْرٍ له في فَصْلِ المفيدين من "السِّرَاجِ".
وكذلك ذَكَرَهُ الفقيه العلَّامة عبد الكبير بن محمد الكتَّاني تـ ١٣٣٣ هـ، على منوال ابن خَجُّو، في الاستشهاد والاعتضاد؛ ناقلًا ما نقله، وذاكرًا ما ذكره، وبعض ما نقلاه لا يؤيد ما ذهبَا إليه، كما يأتي مزيدُ تفصيل له في فصل المفيدين من "السِّرَاجِ".
وأمر آخر أذكره قد يفيد بعض الشيء فيما نحن فيه؛ وهو أن الفقيه أبا عبد الله السَّاحِلِي تـ ٧٥٤ هـ نَصَّ في "بغية السالك" على أن من الأسانيد المعوَّل عليها في التربية عند المغاربة إسناد أبي بكر بن العربي (^٢)، وذكر الإسناد، وهو: "أبو بكر بن العربي عن أبي حامد عن أبي المعالي عن أبي طالب المكي عن الجُنَيد" (^٣).
_________________
(١) ينظر: سلوة الأنفاس: (٢/ ١٦٧)، وفي الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين لمحمد حَجِّي (٢/ ٤٦٢): أنه توفي حوالي ٩٨٥ هـ.
(٢) بغية السَّالك: (٢/ ٥٥٣).
(٣) بغية السَّالك: (٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣).
[ المقدمة / ٤٤ ]
قلت: وهذا إسناد فيه انقطاع بين الجُوَيني وأبي طالب، وكذلك بينه وبين الجُنَيد، فلا ينبغي التعويل عليه.