كان لرحلة ابن العربي أعظم الأثر في تَشَرُّبِه لطريقة المُتَزَهِّدَةِ، وكان في مصاحبته لهم ومفاتشته لشيوخهم ما أعانه على تفهمه لمقاصدهم، وتفطنه لأغراضهم، وهو يرى اهتبالهم بالذِّكْرِ، واعتناءهم بالعبادة، وانقطاعهم عن الخلق، وأُنسهم بالأعمال الصالحة؛ أُمَم من الناس، جاءت من شرق الأرض وغربها، مرابطة مجاورة، وهو أَمْر لم يعهده في بلاد المغرب والأندلس، ولم يكن حال هؤلاء كما انتشر في بعض أصقاع المغرب؛ من إقبال العامة على ذلك، بل رأى أكابر العلماء والفقهاء والمحدثين والمتكلمين وهم في تبتلهم وعكوفهم على القُرَبِ، بل رأى من النساء العالمات من قد رابطن بالمسجد الأقصى؛ يَتَعَلَّمْنَ العِلْمَ، ويَتَقَفَّرْنَ الذِّكْرَ، وهذا شيء لم يكن في بلاد المغرب، فكان كل هذا داعيًا لهذا الإمام أن ينظر في هذا الذي يفعلون، وأن يرى لنفسه معهم موضعًا يهتبل فيه بما اهتبلوا به، فما ترك غارًا أو غُوَيْرًا، ولا مُتَعَبَّدًا أو جَبَلًا، ولا قرية أو واديًا؛ إلَّا وعبد ربَّه فيه، مع أُمَمٍ من العابدين والعاكفين والعالمين (^١).
قال ابنُ العربي: "وكان الطُّرْطُوشِي يقول لنا: هل لكم في أن نخرج بأنفسنا، ونتبتَّل إلى ربنا، ونعلوَ ظهر جبل نجعله دارنا، ونلتزم فيه العبادة
_________________
(١) سراج المريدين: (١/ ٢٠).
[ المقدمة / ٥٠ ]
حَجْرَةً عن الخلق، ونَبْذَةً من الناس؟ فكنتُ أقول له: إذا حَصَّلْتُ ما أؤمِّل من العلم كنتُ لك صاحبًا في هذا الغرض" (^١).
وهذه رغبة صادقة من ابن العربي في التبتل والانقطاع عن الخلق، وكان قد عاهد الإمام أبا بكر الطرطوشي على ذلك، لكنه لم يتأتَّ له ذلك بعد أن حَلَّ الطرطوشي عزيمته، ورضي بما هو فيه من حال، خصوصًا بعد خروجه من بيت المقدس ونزوله بالثغر السكندري، وهي أرض غير الأرض، وفيها ناس غير الناس.
وفي ذلك يقول ابنُ العربي: "والذي ظهر إليَّ أنَّ شيخنا أبا بكر ﵀ لم يكن له عزيمة على هذه القصة؛ فإن من أرادها لم يحتج فيها صاحبًا، إلَّا الذي يتبتَّل له، أو كانت له في ذلك نيَّة، ولكن بمحبته في العلم كان يريد صاحبًا يتعالم معه ويتذاكر، لما في ذلك من اللذَّة الشرعية.
فكُنَّا ارتبطنا أن يكون ذلك بعد أعوام؛ نُحَصِّلُ فيها نحن مُرَادَنا من العلم، فلمَّا كان بعد ثلاثة أعوام اجتمعت معه بالثغر، وقد زال عن تلك الطريقة؛ من لباس العباءة، والاقتصار على الطعام الجَشِبِ، والنوم على المضجع القضيض، وإهمال النظر في المعاش، إلَّا ما جاء على الفُتُوحِ، ولَبِسَ الرقيق، وأَكَلَ المُلَوَّقَ، ونام على الفراش الوثير.
فقلت له: ما هذا الذي تعاهدنا عليه!
فقال: ما طلبناه؛ ولكن لمَّا جاء من وجهه قَبِلْنَاهُ.
_________________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٤٣٢).
[ المقدمة / ٥١ ]
فبقي على الخُلطة في زهده وعبادته حتى افترقنا، وكذلك كان فيما بلغني؛ حتى مات على خير طريقة، والله يكتب له أمانه، وويُبَوِّئُه جِنانه، ويُلحقه رضوانه، بفضله ورحمته" (^١).
وكان الإمام أبو بكر الطرطوشي ممَّن راض نفسه بطريقة الصوفية، حتى بلغ به الحال أن يدخل فيما يدخلون فيه من الوصال في الصوم، قال ابنُ العربي: "وقد كان شيخُنا أبو بكر الفِهْرِي رَاضَ نفسه على الوصال على مذهب الصوفية بالمسجد الأقصى -طهَّره الله-، فصام من يوم السبت، وأفطر يوم الأربعاء، وأُرَى أنه يَضْعُفُ عن خِدْمَةِ العلم بالمدارسة والمذاكرة فتَرَكَهُ" (^٢).
وهو خبر ينفرد به الإمام ابنُ العربي في حديثه عن شيخه، ولم نقف له على أثر في ديوان آخر، وهو يُظهر تأثر الطرطوشي بمسالك المتصوفة أيَّام مقامه ببيت المقدس -طهَّره الله-، فمع أمثال هؤلاء كان ابنُ العربي؛ فأورثه ما قدَّمنا عنه من اجتهاد واعتمال.
وقال ومبيِّنًا لسيرته في بيت المقدس مع جماعة العبَّاد والزهَّاد: "ولقد كنَّا نخرج مع أبي بكر الفِهْرِي الصُّوفِي شَيْخِنا، فنمشي في مشاهد الأنبياء ورباطات الأصفياء؛ الأيام والأشهر، في جَمْع الطلبة، نَقِيلُ بمَنْهِل، ونبيت على منزل، في تُحَفٍ كثيرة، وخيرات معدَّدة مردَّدة، ثم نعود إلى المسجد الأقصى، ثم نخرج إذا طاب الهواء، وغرَّد المُكاء، وانتهى جريان الماء في الأغصان إلى الاستواء" (^٣).
_________________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٤٣٤).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٨٠).
(٣) سراج المريدين: (٣/ ٣٤٤).
[ المقدمة / ٥٢ ]
وكان لهذه الخلال ولما عُرِفَ عنه من أولياء الله المُخْلَصِينَ، وشَهِدَ له بالعِرْفَانِيَةِ غير واحد، منهم الفقيه الحافظ محمد بن جعفر الكتاني تـ ١٣٤٥ هـ، وعَدَّهُ ضمن صلحاء فاس الفقيه ابنُ عيشون ت ١٠٤٠ هـ (^١)، وبَعْضُهم جعله من جملة أولياء الحضرة الفاسية (^٢)، إلَّا أن بعضهم نفى عنه أن يكون من أهل الباطن والخصوص، كما هو متعارف عليه عند القوم، وهي منزلة لا يتشوَّف إليها ابنُ العربي، حسبه أن يكون من أهل الظاهر والعموم؛ الذين يحفظون رسوم الشريعة، ويعرفون قوانينها، فيقف حيث وقف به الدليل، ولا يجري مع كل فرقة في كل سبيل، فحسبه هذه المرتبة، ويا لها من منقبة!
قال الفقيه محمد بن جعفر الكتاني: "وكفاه ذلك خصوصية وولاية، ومكانة ومنزلة وعناية" (^٣).
ومما يدل على زهد ابن العربي وارتفاعه في الصلاح قوله ﵁-بعد حضوره مجلس ابن الحدَّاد الأصفهاني-: "فَوَالعَظِيم الكريم العزيز الرَّحيم العَلِيِّ الحكيم الذي ابتلاني بكم بعدهم، وجعلني بَدَلًا منهم معكم، ما انفصلتُ عن ذلك المجلس إلَّا والدنيا قد خَرَجَتْ من قلبي، فما دَخَلَتْهُ إلى اليوم" (^٤).
فتَنَخَّلَ لنا من هذا الذي قدَّمنا في هذه المسائل: أنَّ ابن العربي عابد زاهد، وأنه عارف بمذاهب المتصوفة؛ عالم بطرائقهم، بصير بمقالاتهم،
_________________
(١) الروض العطر الأنفاس بأخبار الصالحين من أهل فاس: (ص ٣٢٢ - ٣٢٣).
(٢) سلوة الأنفاس: (٣/ ٣١٣).
(٣) سلوة الأنفاس: (٣/ ٣١٣).
(٤) سراج المريدين: (٣/ ٣٤٣).
[ المقدمة / ٥٣ ]
خبير بمقاماتهم، وهو مع هذا مُعَظِّم لهم، مُوَقِّر لمشيختهم، ولم يمنعه تعظيمه لهم من نقدهم، وتبيان دَخَنِهم ودَخَلِهم، قيامًا بواجب النصح، ونهوضًا بالعهد الذي أخذه الله على أُولِي العِلْمِ.
[ المقدمة / ٥٤ ]