قال ابنُ العربي: "البلاد تختلف، وأحوالُ الناس تتباين، فأمَّا بلادنا فإن البخل والقسوة استوليَا على القلوب، فلا يفتقدون المحتاجين، ولا يعطفون بالصدقة على المُتَجَردِينَ للعلم والمُتَعَبِّدِينَ، فالتَّعَرُّضُ لذلك مَهْلَكَة، ولا يجوز الإلقاء باليد إلى التَّهْلُكَة.
وأمَّا تلك البلاد التي كنَّا بها، من مصر إلى منتهى المعمور؛ شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، ما بين ما رأينا وما سمعنا؛ فإن الحنان والجود غلب عليهم، فإذا رَأَتْ من يُقْبِلُ على الله أقبلوا عليه" (^٢).
وهو بهذا يذكر من خصال تلك البلاد ما لا يوجد ببلاد الأندلس، ولا يقف عند هذا الحد، بل يستطرد إلى ذِكْرِ ما جرى له من الخير والعون من قبل أولئك الناس، فهم الناس، وبلادهم هي البلاد.
قال ابنُ العربي: "لقد كنا نخرج من المسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفِهْرِي في جملة الأصحاب على الفُتُوحِ، أقل ما نكون خمسة، وأكثره خمسون، فندور على قبور الأنبياء، ونجول في قُرَى الشام المجاورة المدة
_________________
(١) قانون التأويل: (ص ٧٧).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٨٣).
[ المقدمة / ٧٣ ]
الطويلة؛ قرى ظاهرة مباركة، آمنين فرحين، يُغْدَى علينا ويُرَاحُ بما نحتاج إليه، ونحن نقطع من روضة إلى روضة، ومن متعبَّد إلى متعبَّد، وكذلك سائر الناس من متفقهة وصوفية، وكان من سيرتهم أن القرية والبلدة إذا نزل فيها الضيف وغَشِيَهُم الطارق جاءه ما يَحْتَاجُ إليه من أدنى الجوار إليه، وشُورِكَ صاحبُ المنزل في ذلك به، وكذلك كل معتكف كان في المسجد الأقصى، أو في قبور الأنبياء، أو في مشاهد الصالحين، يتناوبون بالغداء والعشاء، وذلك كله الدَّهْرَ أجمعَه، وقد شرحنا ذلك في كتاب "ترتيب الرحلة للترغيب في الملة" (^١).
وقال أيضًا: "إن البلاد المشرقية أَمْكَنُ للعزلة من البلاد المغربية؛ لسعة أقطار تلك وتمهُّد أمورها، وضِيقِ هذه عن آمال أهلها، وتلك لسعتها يَقِلُّ فيها الحاسد، ويكثُر المُساعد، ولا يُعدَم المُساند، وفي مدارس العلم هناك مَنَالٌ، وبروابط الصوفية مَجَالٌ رَحْبٌ للعبد مع خُلُوصِ النية" (^٢).