قال ابنُ العربي لوالده: "إن كانت لك نية في الحج فامض لعزمك؛ فإني لست برائم عن هذه البلدة، حتى أعلم عِلْمَ من فيها، وأجعل ذلك دستورًا للعلم وسُلَّمًا لمراقيها، فساعدني حين رأى جِدِّي، وكانت صحبته لي من أعز أسباب جَدِّي، ونظرنا في الإقامة بها، وخَزَلْنَا أنفسنا عن صُحْبَةٍ كنا نظمنا بهم في المشي إلى الحجاز، إذ كانوا في غاية الانحفاز" (^٢).
وهو بهذا يُظْهِرُ تشوف الوزير أبي محمد إلى الحج، فهي كانت رغبته، ولكن هذا الحج لم يكن سالمًا من الأهوال، قال ابن العربي: "خَرَجْتُ من الكُوفَةِ إلى مَكَّةَ سنة تِسْعِ وثَمَانِينَ، راكبًا مُعَادِلًا لأبي -رحمة الله عليه-، حتى بلغنا مكة فقضينا حجَّنا، ثم عُدْنَا إليها، فلمَّا كُنَّا ببَطْنِ نَخْلَة ضَرَبَنَا بَرَدٌ عَظيِمُ الجِرْمِ، قتَلَ كثيرًا من الإبل والناس، وحَمَلَ وادي نخلة علينا، وكنَّا فيمن بَكَّرَ فعَبَرَ، فمن صادفه السَّيْلُ فيه حَمَلَهُ إلى البحر
_________________
(١) سراج المريدين: (٢/ ١٠٢).
(٢) قانون التأويل: (ص ٩٢).
[ المقدمة / ٧٨ ]
فلم يُرَ أبدًا، وعُدْنَا نَفَرًا قليلًا، وحَدَثَ في الجِمَالِ طاعونٌ؛ تَرَى الجَمَلَ يُبتاع بخمسين دينارًا، فتأخذه الغُدَّةُ فيصيحُ ويرمي بنفسه إلى الأرض، فيُنْحَرُ ويقتسمه الناس، ويرمون رحالهم في البيداء ويَتَعَرَّوْنَ من ثيابهم، ومَضَتْ جِمَالُنا هكذا؛ في حَدِيثٍ طويل بيَّناه في كتاب "ترتيب الرحلة"، ودعت الضرورة إلى أن أمشي رَاجِلًا من فَيْدَ إلى الكوفة خَمْسَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً لموت الجمال، ومعنا الكِراء لو وجدنا الجمال، لكن الطاعون استولى عليها، ورَمَيْنَا جميع ما كان معنا، ولم يَبْقَ عَلَيَّ إلَّا لِبَاسِي، وكنتُ أمشي مع أصحابنا من الطلبة نتذاكر ونتناظر ونَتَسَلَّى على الرَّجْلَةِ النَّهَارَ كلَّه، حتى إذا جاء الليل وَقَعْتُ على اسم المَيِّتِ، وأوقدنا النار، وقَطَعْنَا لحم أرجلنا، وكَوَيْنَاهَا بالشحم، وربطناها بالخِرَقِ، وكنت أضطجعُ وأقول: هذا مرقدي الذي يبعثني الله ﷿ منه؛ وأنام، فإذا أصبحتُ وجدتُ خِفَّةً، وكأنِّي لم أكن رَجُلَ البارحة، فإذا أخذتُ في المشي عادتْ قُوَّتِي، وتَصَلَّبَ لَحْمِي الأحمر عند مِشْيَتِي، وكانت هذه عادتي في نهاري وليلتي، وأنا أتعجَّب من وُثُوبِ تَجَلُّدِي، وقُوَّتِي بعد ذهاب لَحْمِي وجِلْدَتِي" (^١).
وهو نَصٌّ يُظْهِرُ جَلَدَ ابن العربي، وعزيمته في الطلب، ويُظْهِرُ قُوَّتَه ومُنَته، فأي رجل كان، وكيف تأتَّى له هذا؟
وفيه بيانٌ لما كان يعانيه الحاج في حَجَّتِه، فهو مُعَرَّضٌ لمخاطر شتَّى، إن سلم من واحدة لم يضمن السَّلامة من اللَّاحقة، ولا من التي تليهما، لهذا قال من قال من علماء صُقْعِنا: "إن الحج لا يجب على المغاربة" (^٢)،
_________________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٣٨٨ - ٣٩٠).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٣٨٤).
[ المقدمة / ٧٩ ]
وإن كان ابنُ العربي قد خالف في ذلك، ورَضِيَ قَوْلًا آخر (^١)، حَمْلًا للنفس على العزيمة، وأداءً لحق هذه الفريضة، التي كادت الرخصة أن تُعَفِّي آثارها.
وقال ابنُ العربي مُتَحَدِّثًا عن دعواته الثلاث؛ التي سأل الله إيَّاها وهو يتضلَّع من ماء زمزم المبارك: "وقد كنت بمكَّة في ذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربعمائة، فكنت أَبِيتُ بين المقام وزمزم وأعتكفُ فيه، وأَتَذَكَّرُ قَوْلَ النبي ﷺ: "ماءُ زمزم لِمَا شُرِبَ له" (^٢)، فكنتُ أَشْرَبُه بنِيَّةِ العِلْمِ آناء الليل والنهار، فوَهَبَنِي الله ما شاء، ولم أشربه بنية العمل، ودعوتُ الله بالملتزم ثلاث دعوات، فَرَأَيْتُ الاثنتين وبَقِيَتِ الواحدة، والله يَمُنُّ بها عليَّ، فهي العُمْدَةُ.
فكانت الأولى: أن يجعلني من العلماء، حتى لا يتكلم أَحَدٌ بشيء مِنْ فَنٍّ مِنَ العِلْمِ، إن كان حقًّا إلَّا عَلِمْتُه، وإن كان باطلًا إلَّا قَدَرْتُ عليه؛ إثباتًا للأوَّل، ونَفْيًا للثاني، فآتاني الله ذلك.
وآتاني الثانية، وبقيت الثالثة.
_________________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٣٨٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند عن جابر ﵁ عنه: (٢٣/ ١٤٠)، رقم: (١٤٨٤٩ - شعيب)، وابنُ العربي في العارضة عن ابن عباس ﵄: (٤/ ٢٣٣)، قال ابن حجر: "رجاله مُوَثَّقون، إلا أنه اختُلف في إرساله ووصله، وإرسالُه أصح"، الفتح: (٣/ ٤٩٣)، وذكر السخاوي أن ممَّن صحَّحه ابن عُيَينة والدِّمْياطي والمنذري، المقاصد الحسنة: (٣٥٧)، وضعَّفه ابنُ القطان الفاسي، ينظر: بيان الوهم: (٣/ ٤٧٨).
[ المقدمة / ٨٠ ]
فيا ليتني كنتُ شَرِبْتُ ماء زمزم للعَمَلِ، ودعوت الله فيه في المُلْتَزَمِ" (^١).
قال أبو محمد الأَشِيرِي -مُفَسِّرًا هذه الدعوات-: "أذكر من هذه الدعوات التي ذكر شيخُنا الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁ ما رجوتُ أنه نال بركتها، وصادف عند ربه خيرَها:
أمَّا العلم: فكُتبه وتواليفه تشهد له؛ فإنَّ له في علوم القرآن: من "التفسير"، و"الأحكام"، و"الناسخ والمنسوخ"، و"المشكل"، و"معاني أسماء الله تعالى"، و"معاني أسماء المؤمن"، وهو هذا الكتاب، وغير ذلك من علوم القرآن؛ ما تشهد بتبحره فيه.
وأمَّا علوم الحديث فله "كتاب النَّحريْنِ في شرح الصحيحين"؛ ما لم يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إلى مثله، وله "عارضة الأحوذي في شرح الترمذي"، إلى غير ذلك من علوم الحديث.
وله في أصول الفقه مصنفات عدة.
وفي أصول الديانات مثلها.
وله في النحو "ملجئة المتفقهين"؛ ما أعرب عن تقدمه فيه.
وله نَيِّفٌ على ثلاثين تأليفًا؛ بين كبير ومتوسط وصغير، أكبرها ما يفي بنحو خمسة آلاف ورقة؛ وهو "النيِّرين في شرح الحديث"، و"أنوار الفجر في علوم الذِّكْرِ"، إلى غير ذلك ممَّا يطول ذِكْرُه.
_________________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٢١٤ - ٢١٦).
[ المقدمة / ٨١ ]
وأمَّا الدعوة الثانية: فهي -والله أعلم- الظهور في القيام بالحق، فقد وَلِيَ القضاءَ ببلده إشبيلية وأقام فيها العدل؛ حتى حسده من كان مساعدًا، ونابذه من كان معاندًا، ثم امتُحن فيه فصَبَرَ صَبْرَ أُولِي العزم؛ حتى انجلت محنته عن دين تَقِي، وعِرْضٍ نَقِي.
وأمَّا الثالثة -والله أعلم-: فهي الشهادة، فقد رُزِقَها ﵀، أُشخص عن بلده، وغُرِّبَ عن أهله وولده، حتى مات في غير وطنه، على خير سَنَنِه، فرحمة الله عليه ورضوانه، فلقد كان أَوْحَدَ زمانِه، وفردًا في جميع شانِه" (^١).
وهذا الكلام ممَّا ينبغي أن يحفظ؛ لأنه يظهر منزلة ابن العربي وصدقه، ويظهر عَدْلَه وقِسْطَه، وعلمه ومعرفته، وهو شهاد من تلميذٍ إمامٍ في حَقِّ شيخه الإمام الحافظ، رحمهما الله ورضي عنهما.
وقال ابنُ العربي في المدينة النبوية الشريفة: "ولقد وصلتُ إليها والحمد لله، وأشرفتُ من الثَّنِيَّةِ، ورأيتُ النور ساطعًا إلى السماء بفضل الله تعالى، وصلَّيتُ في الروضة، وناجيتُ الرسول وَحْدِي لَيْلًا من جهة رأسه، وتسمَّيتُ له، وتشفَّعتُ به، فنسأل الله الذي يختص برحمته من يشاء، ويمنُّ على من يشاء من عباده؛ أن لا يجعل ذلك عناءً، ولا يُصَحره هباءً، بفضله ورحمته" (^٢).
وقال ابنُ العربي -أيضًا- واصفًا هذه المناجاة الشريفة: "وقد كنتُ جِئْتُه ﷺ فناجيتُه من قِبَلِ رأسه الرفيع، بإزاء البلاطة، وقلت له: يا رسول
_________________
(١) المقدمة الدراسية لكتاب المتوسط في الاعتقاد: (ص ١٩ - ٢٠).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٤١٣).
[ المقدمة / ٨٢ ]
الله، إني فلان بن فلان، قَصَدْتُكَ مُسْتَغْفِرًا من ذنبي، مُتَشَفِّعًا بك إلى ربي، وقد بلَّغتنا عنه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾، وقد فَعَلْتُ، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، فافْعَلْ صلَّى الله عليك ما أخبرتَنا به عنه تعالى، وفارقتُه على هذا" (^١).
وهو نَصٌّ يُظْهِرُ تعلق ابن العربي برسول الله ﷺ، واهتباله بجلاله، وقوله: "إنه رأى نورًا ساطعًا إلى السماء"؛ ممَّا يَدُلُّ على شفوف بصره وبصيرته، ولعله شيء قد خُصَّ به، كما خُصَّ به بعض أهل الله وخاصَّتِه، ومناجاته لرسول الله ومعاهدته مما يَدُلُّ على أن هذه الطريقة سيرة مرويَّة، وحكاية محكيَّة، والله أعلم.
وقال في وصف مكة المعظمة: "وأمَّا من أراد الآخرة فعليه بمكَّة؛ فإنه يرى واديًا وَحِشَ المَنْظَرَةِ، رَمْلَةٌ هامدة، لا تُنبت مَرْعًى، محفوفًا بجبلين؛ شرقيًّا: أبو قُبَيْسٍ، وغربيًّا: كَدَاء -ممدودٌ-، حجارة مُسْوَدَّة، وشماريخه في السماء ممتدة، صَعْبُ المرتقى، عديم المرعى، في بطنه بَيْت قد بُني من حجارة سُودٍ؛ غير مُحْكَمَةِ النَّجْرِ، ولا مُرَتَّبَةِ الوضع، فما هو إلا أن يقع بصرك عليه فتجد لقلبك به عِلَاقَةً أشدَّ من عِلَاقَةِ الجارية الحسناء ذات الجمال، بقلب الشاب الذي عَدِمَ النساء، لا تمل من النظر إليه، ولا تسأم من الطواف به، في أحد أركانه حَجَرٌ أَسْوَد، إذا لَثَمْتَه وجدتَ أعذب من رُضاب الكِعاب، وأشهى من شَمِّ العُرْبِ الأتراب، فإذا غبتَ عنه تَلَفَّتَ قلبُك إليه أبدًا، وطلبتَ المَثَابَةَ إليه باقي عمرك، لغير معنًى
_________________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣).
[ المقدمة / ٨٣ ]
ظاهر، وإنما هو معنى يضعه الله في قلوب المؤمنين، وآية في حِكْمَتِه، وسَعَةُ رحمةٍ للمؤمنين، وعِيَارٌ على لقائه يوم الدين" (^١).
وفيه من رقة قلب ابن العربي، ومن جزالة لفظه؛ الشيء الكثير، وكأنه حديث عاشق محب؛ وَلَّهَهُ الحُبُّ وعذَّبه، ولوَّعه الغرامُ فما قرَّبه، وكأني به يهفو، ولا يغفو، ويرتفع، ولا يتَّضع، وظلَّ هذا حديثَه أبدًا، ونَجِيثَه سرمدًا، يرنو إليه، ويحنو عليه، رحمه الله تعالى ورضي عنه.