[ المقدمة / ٢٣ ]
قال الإمامُ ابنُ العربي في خاتمة الأحكام: "كَمُلَ القول المُوجَزُ في التوحيد، والأحكام، والناسخ والمنسوخ؛ من عريض بيانه، وطويل تبيانه، وكثير برهانه، وبقي القَوْلُ في علم التَّذْكِيرِ؛ وهو بَحْر ليس لمدِّه حَدٌّ، ومجموعٌ لا يَحْصُرُهُ العَدُّ" (^١).
وكان إملاؤه لكتاب "الأحكام" في قرطبة، بعد هجرته إليها عام ٥٢٩ هـ، فأملى فيها كُتُبًا عدة، منها "القبس"، وكان ذلك عام ٥٣٢ هـ (^٢)، ومنها "الأمد الأقصى"، ومنها "شرح الترمذي"، و"قانون التأويل"، وكان ذلك عام ٥٣٣ هـ، وكان شروعه في إملاء "الأحكام" بعد انتهائه من كتاب "الناسخ والمنسوخ" (^٣).
غير أن شُرُوعَه في "عِلْمِ التذكير" لم يكن بقرطبة، وإنَّما كان في بلده إشبيلية، بعد عودته إليها، وتأخرُ إملاء "السراج" ممَّا يبعث على التنقير عن أسباب ذلك وبواعثه.
وخَبَرُ ذلك: أنَّ ابن العربي كان قد عاد إلى بلده إشبيلية عام ٥٣٤ هـ، وذكرنا ذلك في مقدمتنا الدراسية لكتاب "الأمد الأقصى" (^٤)، وذكرنا حُجَّتَنَا ودليلنا في خصوص هذه المسألة، ثم كان من أمر ابن العربي أن استُدعي إلى أغمات، فكان فيها عام ٥٣٥ - ٥٣٦ هـ (^٥)، ولا ندري شيئًا عن هذا
_________________
(١) أحكام القرآن: (٤/ ١٩٩٨).
(٢) القبس: (١/ ٦٧)، وفهرس الحَجْري: (ص ٩٥).
(٣) الناسخ والمنسوخ: (٢/ ٤١٥).
(٤) مقدمة الأمد الأقصى: (١/ ٢٦).
(٥) سراج المريدين: (١/ ٧٢).
[ المقدمة / ٢٥ ]
الاستدعاء، ولا عن ماهيته وبواعثه، غير أنه قد ظهر لي أَمْرٌ يمكن أن يكون قريبًا بعض الشيء من حقيقة الحال، وهو:
أن استدعاء ابن العربي كان مرتبطًا بخبر الدعوة التُّومَرتية التي اقتربت من الإجهاز على مُلْكِ المُلَثَّمِينَ، فاستدعي للمشاورة في هذه القضية، وذلك للنظر في كيفية تحصين المجتمع والدولة المغربية من هذا التيار الجارف الذي يقوده أتباع ابن تومرت؛ ومعهم جيوشهم وجحافلهم، ولأن ابن العربي قد خالط الفِرَقَ بالمشرق، وكان أكثر مقارعته لفرقتين منهم: الظاهرية والباطنية، ولمَّا كان ابن تومرت قد خَلَطَ في عقائده بين مقالات تينك الفرقتين، وأضاف لهما بعضًا من مقالات القدرية والمتفلسفة؛ كان لابد من تصنيف ينقض معتقداتهم ومناهجهم، وهذا الذي يفسر تأليفه لكتاب "العواصم من القواصم" بعد عودته إلى إشبيلية من أغمات، وذلك عام ٥٣٦ هـ (^١)، وهي السنة نفسها التي ابتدأ فيها بإملاء "سراج المريدين".
ومع أن "سراج المريدين" من أواخر مصنفاته؛ إلَّا أنه أحال عليه في كتبه التي تقدَّمت عليه في التصنيف، ككتاب "العواصم" (^٢)، و"ترتيب المسالك" (^٣)، و"شرح الترمذي" (^٤)، وغيرها.
وعادةُ الإمام ابن العربي أنه يرجع إلى مصنفاته بالزيادة والتعديل، ممَّا قد يُوقِعُ بعض الحيرة لمن رام التأريخ لمصنفاته، فيذكر في أوائل كتبه أواخرها، وكذلك فعل في "الرسالة الحاكمة"، فمع أنها من أوائل مصنفاته
_________________
(١) العواصم: (ص ٣١٤).
(٢) العواصم: (ص ٣١٩).
(٣) ترتيب المسالك: (٧/ ٤١٠).
(٤) شرح الترمذي: (٦/ ٣٩٧).
[ المقدمة / ٢٦ ]
إلَّا أنه قد ذكر فيها أواخرها، فذكر فيها: "أحكام القرآن" (^١)، و"الإنصاف في مسائل الخلاف" (^٢).
فظهر لنا بعد هذا الذي قدَّمنا أن شروعه في إملاء "سراج المريدين" كان عام ٥٣٦ هـ، ويقرب أن يكون ذلك في شهر محرم أو صفر؛ لأنه ذكر في هذا "السراج" ما يدلُّ على ذلك، قال ابن العربي: "وأمليناهُ عليكم في هذه الأيام في كتاب العواصم" (^٣)، وذكر في "العواصم" أنه كان بصدد إملائه في محرم من عام ٥٣٦ هـ (^٤)، فهذا يؤكد ما صرنا إليه.
وكان انتهاؤه منه عام ٥٣٧ هـ، وإنَّما قلنا هذا لأن تاريخ قراءة "السراج" كانت في هذا العام، في شهر رجب، كما هو مُثْبَت بخطه على السِّفْرِ الثاني من "السراج"، نسخة الفقيه الحافظ عبد الحي الكتاني (^٥)، وكذلك هو في نسخة أخرى بقيت منها أوراف، وفي خاتمتها: "بلغت قراءة وعرضًا على أبي ﵁ وهو يُمْسِكُ أصله الذي بخَطِّه حين قراءتي، فتَمَّ بحمد الله ظهر يوم الثلاثاء السَّابع والعشرين من رجب من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، والحمد لله وحده" (^٦)، وهذا التوافق في التواريخ بين النسختين يؤكد ما قلناه، فبعد أن انتهى من إملائه شرع الناس في سماعه عليه، فلا يبعد أن توجد نسخ أخرى ممَّا قرئت على الإمام ابن العربي، ولكنَّنا لم نظفر بها بعد، ولعلها تظهر في مقبل الأيام إن شاء الله ﷿.
_________________
(١) الرسالة الحاكمة في مسألة الإيمان اللَّازمة: (ص ٨٣ - الكتانية).
(٢) الرسالة الحاكمة في مسألة الإيمان اللَّازمة: (ص ٧٣ - الكتانية).
(٣) سراج المريدين: (٢/ ٤٧٣).
(٤) العواصم: (ص ٣١٤).
(٥) سراج المريدين: (٢ / ق ١/ أ).
(٦) سراج المريدين: قسم الخروم بدار الكتب المصرية.
[ المقدمة / ٢٧ ]