قال ابنُ العربي: "وما رأيتُ في رِحْلَتِي مَلِكًا إلَّا أبا الطيِّب اليَمَنِيَّ الزَّاهد؛ فإنه كان مَلِكًا؛ اعتزل الناس كافَّة، واعتكف دائمًا، وتجرَّد عن الدنيا، وقطع العلائق، واقتصر على جِلَفِ الخبز والماء، يأتدمُ بالزيت، لا يأكل شيئًا مَرَّتْ عليه يَدٌ، ولا استولى عليه أَحَدٌ بمِلْكٍ، إنَّما كان في أيام القيظ يخرج إلى "الفَحْصِ" في الأرض التي لا مِلْكَ لأَحَدٍ عليها، فيجمع الخِطْمِيَّ ثم يدرسه، ويستخرج بَزْرَه ويدَّخره، ويطحنه ويصنع منه خُبْزًا ويأكله، ويبتاع من تُجَّارِ الرُّوم الزيت يأتدمُ به، وكان يتوخَّى ذلك كله لغلبة الحرام وعمومه لما في أيدي الناس، فكنتَ تراه شَعِثًا قَضِفًا نَيِّرًا" (^١).