[ المقدمة / ٣٧ ]
قد قدَّمنا أن هذا العلم قد ترجمه ابنُ العربي باسم "التذكير"، ولم يشأ أن يُسَمِّيَهُ كما سمَّاه الناس من قبله، وقد سمَّاه قوم باسم "الزهد"، وعند آخرين باسم "المواعظ"، وعند غيرهم باسم "التصوف"، وعند أقوام آخرين مندرج هذا في فَنِّ "الرقائق"، وهكذا، وكُلّ قوم من المذكورين لهم اختيارهم، ولهم ما يستروحون إليه عند اعتراض المعترضين عليهم، والغرضُ الأساس من كل هذه التسميات أن يكون هناك نَوْعُ مطابقة بين الترجمة والكلام المنثور في تضاعيفه، مع الوفاء بشرط هذا العلم، والانتهاض بقواعده وخصائصه.
قال الإمام ابنُ العربي ﵁: "ويدخلُ في علم التذكير: الوعد والوعيد، والجنة والنار والحشر، وتصفية الباطن والظاهر عن أخلاط المعاصي" (^١).
وقال أيضًا: "وهذه "الرسالة" هي مُجَرَّدَةٌ في قِسْمِ الذِّكْرَى؛ فإنَّ من معرفة النفس معرفةَ الأسماء والصفات؛ في الأحوال والمقامات" (^٢).
وقال ﵁: "وتَزْكِيَةُ النفس وتطهيرُها والخروجُ عن آفاتها بالقَلْبِ والجَوَارحِ عِلْمٌ مُحْكَمٌ في القرآن والسنة، وهو نِصْفُ العِلْمِ من جهة، إذ العِلْمُ وَجْهَانِ؛ معرفة الخالق، ومعرفة الخَلْقِ" (^٣).
_________________
(١) قانون التأويل: (ص ٢٣٠).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٥٣).
(٣) سراج المريدين: (٢/ ٥٣).
[ المقدمة / ٣٩ ]
وقال أيضًا: "النَّوْعُ الثالث: عِلْمُ التذكير، وهو مُعْظَمُ القرآن؛ فإنه ينبني على معرفة الوعد والوعيد، والخوف والرجاء والقُرْبِ، والذنوب وما يرتبط بها ويدعو إليها ويكون عنها" (^١).
فأدخل الإمام ابنُ العربي في هذا العلم بعض فصول النوع الأوَّل، وهو "علم التوحيد"؛ فمسائل الوعد والوعيد، وما يعقبها أو يتعلَّق بها إنما هي مندرجة في أبواب السَّمعيات، وهي الباب الرابع من أبواب الاعتقاد؛ لهذا أدخل في هذا الكتاب ما يتعلَّق بالعَرْضِ، والحساب، وعذاب القبر، والشفاعة، والبعث والنشور؛ لما يعقب ذلك من معرفةٍ في قلب العبد ومن الذِّكْرِ والذِّكْرَى، ولما له من أَثَرٍ على فعل العبد واعتماله، وكذلك ما يتعلق بالجنة والنار، ونعيم الأولى وعذاب الأخرى، وما ورد في ذلك من أحاديث وآثار.
وإنَّما سمَّاه تذكيرًا لما فيه من التنبيه على غفلات العبد، ولما فيه من التذكير بمزالق الأقدام، ولمَا قد يطال المرء من تقادم العهد الذي أُخذ عليه فيه الذِّكْرُ، فابنُ العربي هنا مُذَكِّرٌ الناس بمنازل المتقين، مُحَذَرٌ لهم من مهاوي الغافلين، مُنْذِرٌ لهم من دركات عذاب الجحيم، مُبشِّرٌ لهم بكرامات رب العالمين لأصفيائه وأحبَّائه.
وكان منطلقه من قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقد رأينا أنه وَسَمَ هذا العلم- أيضًا- باسم "الذِّكْرَى"، لما تشتمل عليه من العِظَةِ، ولما تُحِيلُ على لوازمها ومتعلقاتها؛
_________________
(١) قانون التأويل: (ص ٣٣٠).
[ المقدمة / ٤٠ ]
لأن التذكير قائم على معرفة النفس في ذاتها وصفاتها، وانتقالاتها في أحوالها، وابتدائها وانتهائها (^١).
ومَرْتَبَةُ التذكير إنَّما كانت بالأساس لمولانا رسول الله سيدنا مُحَمَّدٍ ﷺ، إذ خاطبه ربه قائلًا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]، وهي المرتبة التي رَغِبَ فيها الإمام ابنُ العربي، أن يكون مُذَكِّرًا لقومه؛ بما علَّمه الله من العلم، وهاديًا لهم؛ بما فتح له من أبواب الفضل.
وقد جعل ابنُ العربي أساس هذا العلم قائمًا على تزكية النفس والخروج عن آفاتها، وجعل هذا الوجه وهذا النوع نصف العلم، لأن العلم وجهان: معرفة الخالق، ومعرفة الخلق، ففي الوجه الأوَّل ألَّف كتابه "الأمد الأقصى"؛ ليتحقق للعبد معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، والوجه الآخر هو هذا، قِسْم خاص بالذِّكْرَى، يقول فيه: "وانتَدبنا الآن مُسترشِدين لربنا مُستوهِبين منه الهداية، من البداية إلى النهاية، حتى نَبْلُغَ الغرض، ونَقْضيَ المُفترَض، إلى ذِكْرِ صفات العباد الذين اصطنعهم الله تعالى لخِدْمَتِه، واصطفاهم لجواره في جَنَّتِه، وأفاض عليهم من سَعَةِ رحمته" (^٢).
ووفَّى في كتابه "السراج" بما شَرَطَ على نفسه، فذَكَرَ من خصال الصالحين ومحامد المتبتِّلين ما يقضي بالعجب، ليدل الناسَّ على خير طريق، وليرشد المتشوفين إلى أرباب الذِّكْرِ والعهد، مع التولُّه بأخبار العابدين، ومكارم الزاهدين، ومنازل القاصدين.
_________________
(١) قانون التأويل: (ص ٢٤١).
(٢) سراج المريدين: (١/ ١٣).
[ المقدمة / ٤١ ]
وظهر لنا من هذا الذي قدَّمناه أن اختياره لهذا اللفظ الشريف- وهو: التذكير- اختيارٌ قائم على معنى معتبر، أَلَا وهو التعلق بأهداب القرآن العظيم، وهو أشرف الذِّكْرِ وأعلاه، ولاحَظَّ لمن حُرِمَ من التبصر في معناه وفحواه، ولا حظ لمن حُرِمَ من التدبر لآيِه وعباراته وإشاراته، مع الوقوف عند حدوده وأوامره، ومناهيه وزواجره، فكان هذا الاختيارُ مشاكلًا لما عكف عليه ابن العربي عُمْرَه، وأنفق فيه زهرةَ أيَّامِه، وأَبْهَجَ أعوامِه، معتنيًا بالذِّكْرِ، قائمًا بحق الفِكْرِ، غوَّاصًا على درره، مُنَقِّرًا عن جواهره، فمال عن كُلِّ لَفْظٍ مُحْدَثٍ؛ يراه غير مفيد لما أراده، أو مُنْقِصٍ لما هو بسبيله.
وهناك مسائل يحسن تتبعها لتجلية أمر هذا الكتاب، وتجلية طريقة ابن العربي فيه، بدءًا بالتسمية؛ مع ما بقي من متعلقاتها، وانتهاءً بالحال التي كان عليها ابنُ العربي في رياضة نفسه، مع ما أعقبه من زهد واعتمال، وهي مسائل ثلاثة: