قال ابنُ العربي: "كنتُ مُعْتَكِفًا بالثَّغْرِ المحروس، وأبي ﵀ بالفُسْطَاطِ، فأقمتُ في المُعْتَكَفِ -رِبَاطٍ على البَحْرِ- أيامًّا، ثم صَلَّيْتُ الصُّبْحَ، وعَطَفْتُ عِنان عَزْمِي إلى البلد، فجئت وبابُه لمَّا يُفْتَحْ بَعْدُ، فَنَظَرتُه حتى فُتِحَ، فخرج عليه أصحالب ممَّن كان يقرأ القرآن عليَّ، فلمَّا وَصَلُونِي
_________________
(١) سراج المريدين: (١/ ٨٣).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٢١٣ - ٢١٤).
(٣) مصادر ترجمته: تاريخ دمشق: (٣٢/ ٢٣١)، الصلة: (١/ ٣٧٧)، وفيات الأعيان: (٤/ ٢٩٧)، سير النبلاء: (١٩/ ١٣٠).
[ المقدمة / ٧٤ ]
لَصِقَ بي أحدُهم، وأَسَرَّ في أُذُنِي بقوله: تُوُفِّيَ أَبُوكُ، فما سمعتُ قطُّ قبلها سِرًّا أَصَمَّ إلَّا ذلك السِّرَّ" (^١).
ووالدُه هو: الإمام العلَّامة أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي، الوزير الأديب، أخذ عن ابن عبد البر، وابن حزم، واختص به، قال محمد بن طَرخان التركي: "قال لي محمد بن العربي: صحبتُ ابن حزم سبعة أعوام، وسمعتُ منه جميع مصنفاته، سوى المجلد الأخير من كتاب "الفَصْلِ"، وقرأنا من كتاب "الإيصال" له أربع مجلدات، ولم يفتني شيء من تواليفه سوى هذا" (^٢).
وروى عنه جماعة من الأندلسيين، وجماعة من أهل المشرق، منهم: ابن سِرحان (^٣)، وسمع منه بعضَ شعر الإمام ابن حزم، وسمع منه -أيضًا- ولدُه القاضي أبو بكر، وروى عنه في كتابه، وتفقَّه عليه، وأكثر ما روى عنه ما كان من قَبِيل الشعر والآداب، كشعر ابن درَّاج (^٤)، والقصيدة الرائية لابن الجزيري (^٥).
وأقدم سماع له ظَفِرْتُ به هو عام ٤٤٥ هـ (^٦)، وكان عمره حينها عشرة أعوام، إذ مولده عام ٤٣٥ هـ (^٧).
_________________
(١) سراج المريدين: (١/ ٣٧٦).
(٢) سير النبلاء: (٢٠/ ٢٠١)، وأصله في: تاريخ دمشق: (٣٢/ ٢٣٢).
(٣) فهرس ابن خير: (ص ٥١٢).
(٤) فهرس ابن خير: (ص ٥٠٨).
(٥) فهرس ابن خير: (ص ٥٠٣).
(٦) فهرس ابن خير: (ص ٥٠٣).
(٧) الصلة: (١/ ٣٧٨).
[ المقدمة / ٧٥ ]
وكان أبو محمد نعم العون لابنه القاضي في رحلته: "أَبٌّ في الرتبة، وأخ في الصحبة، يستعين ويُعين، ويسقي من النصيحة من ماء مَعين" (^١).
وسعى الوزير أبو محمد في مخاطبة الخليفة ببغداد لاستصدار أمر بنيابة السلطان المنصور يوسف بن تاشفين، وتوليته على بلاد المغرب، حتى يكون تابعًا للخلافة العبَّاسية الهاشمية، فأسعفه الخليفة المستظهري برغبته، وأنفذ إليه طِلبته (^٢)، وكان ذلك في رجب من عام ٤٩١ هـ (^٣).
وأقام أبو محمد مع ابنه القاضي على خير منزلة، وفي خير صفة، مع الجلالة والتقدمة، ووفور التكرمة، وقد ذكر بعضًا من هذا القاضي أبو بكر في "القانون" (^٤)، وفيه قال: "نعم العونُ على العلم الرئاسة" (^٥)، وكانت وفاة أبي محمد في شهر محرم من عام ٤٩٣ هـ، وهو بمصر.