الحقد، والبغضاء، والحسد، والهجر، والشحناء، والقطيعة، آفاتٌ مهلكةٌ، ومدمرةٌ للمجتمع، ومفرقة بين الأخلاء والأصحاب، وأسباب لنيل غضب الله ﷿، وعقوبته في الدنيا والآخرة؛ للأدلة من الكتاب والسنة الثابتة الصريحة على النحو الآتي:
١ - تحريم التدابر، والتحاسد، والتباغض؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا،
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٢/ ٤٤٩)، ومعجم لغة الفقهاء (ص ٣٣٤).
(٢) معجم لغة الفقهاء، لمحمد رواس، (ص ٢٣٠).
[ ٦ ]
ولا تدابروا (١)، ولا يبع بعضكم على بيع بعضٍ، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم:
لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه» (٢).
وهذا الحديث قد دل على أمور عظمية، منها، ما يأتي:
الأمر الأول: قوله - ﷺ -: «لا تحاسدوا» يدل على تحريم الحسد، وهو في الحقيقة: بغض نعمة الله تعالى على المحسود، وتمني زوالها، وهو على أنواع:
_________________
(١) لا تدابروا: لا تتهاجروا، فيهجر أحدكم أخاه، مأخوذ من تولية الرجل دبره، إذا أعرض عنه حين يراه، وقيل للإعراض: مدابرة؛ لأن من أبغض أعرض، ومن أعرض ولَّى دبره. فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٤٨٢).
(٢) مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره، ودمه، وعرضه، وماله، برقم ٢٥٦٤.
[ ٧ ]
النوع الأول: بغض نعمة الله تعالى على المحسود، وتمني زوالها، فتكون له، وهذا فيه اعتراض على الله وقسمته، وما أحسن ما قاله القائل:
ألا قل لمن بات لي حاسدًا أتدري على من أسأت الأدب؟
أسأت على الله في حكمه بأنك لم ترض لي ما وهب
النوع الثاني: بغض نعمة الله تعالى على المحسود وتمني زوالها، ولو لم تكن له، وهذا شر من النوع الأول، وما أحسن ما قاله القائل:
اصبر على حسد الحسود فإن صبرك قاتله
النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله
وهذان النوعان من أنواع الحسد المذموم.
النوع الثالث: حسد الغبطة: وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمة عنه، فهذا لا بأس به ولا يعاب صاحبه، بل هذا قريب من المنافسة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ
[ ٨ ]
فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١). ومثل ذلك قوله - ﷺ -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (٢).
وقد قسم الإمام ابن القيم ﵀ الحسد إلى ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: تمني زوال النعمة عن المحسود، وتحقيق ذلك بالأذى بالقلب، واللسان، والجوارح، فهذا هو الحسد المذموم.
المرتبة الثانية: تمني استصحاب عدم النعمة، فهو يكره أن يحدث الله تعالى لعبده نعمة، بل يحب
_________________
(١) سورة المطففين، الآية: ٢٦.
(٢) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄: البخاري، كتاب فضائل القرآن، برقم ٥٠٢٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، برقم ٨١٥.
[ ٩ ]
أن يبقى على حاله: من جهله، أو فقره، أو ضعفه، أو شتات قلبه عن الله، أو قلة دينه، فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقصٍ وعيبٍ، فهذا حسد على شيء مقدر، والأول حسد على شيء محقق.
المرتبة الثالثة: حسد الغبطة، ففي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (١). فهذا حسد غبطة، الحامل لصاحبه عليه كِبَرُ نفسه، وحبُّه لخصال الخير.
والحسد المذموم من صفات اليهود، ومن عمل إبليس، ومن أمثلته: قصة ابني آدم وحسد أولاد يعقوب لأخيهم يوسف، وأما أضراره فكثيرة منها:
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة، برقم ٧٣، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن، برقم ٨١٦.
[ ١٠ ]
أن فيه نوع اعتراض على الله في حكمه؛ ولهذا يذكر أنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ومن أضراره ما يحصل لقلب الحسود ونفسه من الآلام والغل، والهم، والغم، والأعصاب وجرح الفؤاد، وغير ذلك من الأضرار. أما آثار الحسد في المجتمع فهو يسبب: الغيبة، والنميمة، والبغي، والعدوان، والظلم، والاتهام، والسرقة، والقتل، ويختلف الحاسدون كل على قدر قلة إيمانه وضعف دينه (١).
والحسد مرضٌ، خطيرٌ، مهلكٌ، للقلوب، والأمم، والجماعات، والأسر، بل للدين والأخلاق، ومما يبيِّن هذه المهلكات الأسباب الآتية: