قال القرطبي في الغريب المنتقى: اعلم أن رأس حواسك الموردة للخواطر عليك، والتي تكاد أن تدل عليك بلا نطق، وتفصح عن نيتك بلا كلام، وتكاد أن تقود سائرها من جميع جوارح بدنك حاسة النظر، إذ مقامه في البدن مقام الشمس في الدنيا، وهي الحاسة التي تدرك محسوسها أبدًا بلا زمان، أعنى أن إدراكها ما قرب منها بسرعة كإدراكُها ما بعد منها، وليس بين إدراكها القريب والبعيد زمان، وسائر الحواس تدرك بزمان، ويعدم الإدراك بعدمها المحسوس، فكما أن العين رأس الحواس كذلك رياضتها بإحكام ألحاظها، وذم تحديقها، وتدبير التماحها من أكرم الحركات العابرة إلى الرياضة المحمودة، والدالة على شرف النفس، وكرم الهمة.
إهمال رياضتها وما يترتب عليه: وبحسب ذلك يكون إهمالها وإيقاع شعاعها على مالا يحل ولا يحمد من أقبح الحركات المبعدة عن الخير، القائدة إلى الزلل الدالة على دناءة النفس ونذالة الهمة. فاجعل تعاهدك على ما توقع عليه نظرك من أول أفعالك التي تبتدئ إصلاحها من نفسك. واعلم أنها أخوف حواسك عليك، وأقربها إلى الإِستيلاء على عقلك، إذ في محسوسها جمال الصور، وحسن الأجسام، وملاحة الحركات، ورونق التراكيب، وأصبغة الوجوه وديباجات الوجوه التي هي أفتن المحسوسات بجمالها، وأوبقها مدخلا إلى القلوب وأقربها وسيلة إلى النفوس، ولذلك كثيرًا ما يحتاج العباد إلى اعتزال الجماعات، والهرب عن الخواطر.
إياك وخداع الشيطان! فاحذر في هذا الباب أن يخدعك الشيطان فيعزل الصبر من نفسك، ويصرم لك القوة في عزمك، فيجعل عندك مادة النظر والتحديق إلى مالا يحل، والتماح اعتبار مالا يجوز اعتبارًا في خلق الله - ﷿ -، والتعجب بعجيب بنيته، وأنيق تركيبه، فيدرج مخادعًا لك إلى ما يمكن به الفتنة من ناظرك، ويرسخ موقعها من قلبك.
الصغائر تؤدي إلى الكبائر: فإن غفلت قليلًا ممكنًا له من ناظرك، أوقعك - لا محالة - إما في مقاتلة من كنت غنيا عن الاشتغال بمقاتلته من نوازع شهوتك، وإما في الانقياد لها، ومتى صيرت إلى لجج من الفتن لا غاية لها ولا نهاية، إذ العين غير شابعة من النظر، وفعل شهواتها كفعل النار التي هي محسوسها ما زيدت حطبًا زادت لهبًا.
كيف الفرار؟ وإنما الاحتراز من المكروه بالتحفظ من أول أسبابه، والترفع إلى كل جميل مثل الانحدار إلى كل قبيح، ودرجات نزول أولها قريب مما يليها صاعدًا كان أو هابطًا. وأنفع ما يكون الحزم والنظر في تمييز الأسباب التي عنها تتولد الأمور، فأما تميز الأمور في منتهاها فكذلك ما لا يخفى على جاهل فكيف على عالم.
نفسك تلومك! واعلم أنها قد تورثك البطالة وتؤديك للبلادة، بإطالة التحديق على ما لا يعنيك، والنظر إلى ما لا ينفعك، وكذلك أيضًا قد تحكم عليك في بعض الحالات بالسخافة وتلومك الندالة في مثل الالتهاء في كل سمج، والنظر إلى كل قبيح، وكذلك أيضًا قد تشهد عليك في بعض الحركات بالكبر والعجب، وفي بعضها بالورع والتواضع.
زمام الأمر في يدك! فألزمها أفضل الحركات التي تمدحها في غيرك، والبسها أجمل الثياب التي تستجملها على سواك، فافهم المواضع التي يجب عليك فيها غضها مما تشتهي النظر أليه، والتي قد يجب عليك صرفها إلى معاينة ما تستعمله، وأي المناظر الأنيقة يورثها اعتبارا، وأيها يورثها افتنانًا، وأي المناظر السمجة يكون إقبالها علمًا وتبتلا، وأيها يكون ذلك فيها سخفًا وتسفلًا.
ماذا لو غضضت بصرك؟
[ ٢ ]
واعلم أن في اغضاضك بصرك عن النظر إلى مالا يؤمن أن يكون سببًا إجمامًا للقلب، وجَبًّا للشر، وإصلاحًا للنفس، ومادة للإرادة الهوائية، وإغضاؤك عن النظر يوصلك إلى موجود عقلك، الذي هو أصل المعرفة بربك، لأن المعرفة به - ﷿ - نتاج العقل الصحيح، والإيمان به - ﷿ - نتاج المعرفة به، وإذا صح العقل، نبتت المعرفة، وصدق الأيمان، وحكم القلب على جميع الجوارح بأعمال الخدمة فتدبر - يا أخي - قلبك بالإخلاص، وتلطف بالمسير في طرق السلامة من الآفات القادحة، والخواطر السارحة.
كيف المخرج والفرار؟: واعلم أن مخرج النظر المسدد من العقل النافع، ومخرج الدلالة من المعرفة العقلية، ومخرج الفكر من يقين القلب، فإذا دام النظر في النعم أيدته المعرفة للعملية الدالة علية، ثم وقعت المعرفة عليها فأبانت الفكرة ما فيها من الفضل والمنفعة فأتت النفوس بالنعم، وفرحت بمجاورتها، وانقطعت عن أسباب الفعل، وانفردت في خلوتها برعايتها، وسقط الهم بغيرها، واتصل بما يحفظها ويراد به منها، فإذا صحت معرفة النفس لنعم الرب جل وعلا، انشرح لهل الصدر والقلب، ووقع الشكر، وكثر الذكر، وتم السرور، والفرح، وعظم الافتخار، وصفا العيش وطاب.