قال أبو الفرج ﵀: اعلم أن أكثر المتشبهين بالصوفية قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن، وامتناعهم عن مخالطتهن، واشتغلوا بالزهد عن النكاح وانتفت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة وقصد الزهادة فأمالهم إبليس إليها وهم في صحبتهم على سبعة أقسام: الأول: أخبث الناس وهم ناس يتشبهون بالصوفية ويقولون بالحلول، قال أبو نصر عبد الله بن علي السراج: بلغني أن جماعة من الحلولية زعموا أن الحق اصطفى أجسامًا حل فيها معاني الربوبية.
القسم الثاني: قوم يتشبهون بالصوفية في مذهبهم ويقصدون العشق.
القسم الثالث: قوم يُبيحون النظر إلى المستحسن.
وقد صنف أبو عبد الرحمن السلمى كتابًا سماه سنن الصوفية فقال في آخر الكتاب: باب في جوامع رخصهم وذكر فيه ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: " اطلبوا الخير عند حسان الوجوه " وأنه قال: " ثلاث يُجلين البصر: النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء، والنظر إلى الوجه الحسن " وهذان الحديثان لا أصل لهما عن رسول الله ﷺ.
أما الحديث الأول فقال فيه ابن معين: محمد بن عبد الرحمن بن المحب الذي يرويه عن نافع عن ابن عمر ليس بشيء، وقال العقيلى: لا يثبت عن رسول الله ﷺ في هذا شيء.
وأما الحديث الثاني: فموضوع وضعه أبو البختري. فحديث وهب بن وهب حدث به عن الرشيد لما أدمن النظر إلى ابنه، ولا يختلف العلماء في أن أبا البختري وضاع كذاب وأحمد بن عمر عبد الزنجاني، ولا يختلف العلماء في أن أبا البختري أحد المجهولين، ثم قال: كان ينبغي للسلمى إذا ذكر النظر إلى المستحسن أن يقيده بالنظر إلى وجه الزوجة أو المملوكة فأما إطلاقه فحينئذ سواء. قال أبو الفرج - ﵀ -: والفقهاء يقولون: من ثارت شهوته عند النظر إلى " الأمرد " حرم عليه أن ينظر إليه وإن كان من عادة المعلمين ثوران الشهوة عند النظر إلى الصبي فيحرم حينئذ النظر إليه، ومتى ادعى الإنسان أنه لا تثور شهوته عند النظر إلى الأمرد الحسن فهو كاذب.
[ ١٩ ]
القسم الرابع: قوم يقولون: نحن لا ننظر نظر شهوة وإنما ننظر نظر اعتبار ولا يضرنا النظر، وهذا محال منهم فإن الطباع تتساوى فمن ادعى تمييزه عن أبناء جنسه في الطبع ادعى المحال كما تقدم.
القسم الخامس: قوم صحبوا المردان ومنعوا أنفسهم من الفواحش يعتقدون ذلك مجاهدة وما علموا أن أن نفس صحبتهم والنظر إليهم بشهوة معصية.
القسم السادس: قوم لم يقصدوا صحبة المردان وإنما يتوب الصبي ويتزهد ويصحبهم على طريق الإرادة فيلبس عليهم إبليس ويقول: لا تمنعوه من الخير، ثم يتكرر نظرهم إليه لا عن قصد فيثير في القلب الفتنة ويتمنى إلى أن ينال الشيطان قدر ما يمكنه، وربما وثقوا بدينهم فاستفزهم الشيطان ورقاهم إلى أقصى المعاصي كما فعل برصيص وغلطهم من جهة تعرضهم للفتن في صحبة من لا يؤمن من الفتنة في صحبته.
استلحاق نقله شيخنا عن عبد الله بن عطاء ﵀ قال: وعليك أيها المؤمن بغض بصرك في خروجك إلى أن ترجع ولتذكر قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) الآية. ولا تكن لنعمة الله كفورا، وأمانة من الله عنده فلا تكن له خائنا وليذكر قوله تعالى: (ألم يعلم بأن الله يرى) . فإذا أردت أن ترى فاعلم أنه يرى وليعلم العبد أنه إذا غض بصره فتح الله بصيرته جزاء وِفاقًا فمن ضيق على نفسه في دائرة الشهادة وسع الله عليه في دائرة الغيب. وقال: ما غض أحد بصره عن محارم الله إلا وأوجد الله نورا ًفي قلبه يجد حلاوة ذلك.
القسم السابع: قوم علموا أن صحبة المرد والنظر إليهم لا تجوز غير أنهم لم يصبروا عن ذلك. قال أبو بكر الرازي ﵀: سمعت يوسف بن الحسين يقول: كل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إلا صحبة الأحداث فإنها أفتن الفتن؛ ولقد عاهدت ربي أكثر من مائة مرة أن لا أصحب حدثًا.