ندرك الفيض الرباني الذي أفاضه على الصائمين المخلصين من الأحاديث المروية عن صاحب الرسالة ﷺ، وفيها الوعد الحق من الملك الديان بما فيه الكفاية للراغبين في حياة السعادة والراحة والكرامة، فقد من الله على أمة محمد ﷺ بما يثبت لها التعظيم والتبجيل على السابقين من عباد الله، ومن إكرام الله لهذه الأمة ذلك الجزاء الوافر الذي وعد الله به على أداء هذا الفرض العظيم الذي يكشف حقيقة
[ ١٠٢ ]
الايمان الحق من الايمان المزيف الذي لم تخالط بشاشته النفوس الا ظاهرا، روى ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه يوسلم "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول الله: الا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي. للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" وفى رواية: (الصوم جنة الصوم جنة) ان الصوم يهذب النفس - إذا كان على وجهه الشرعي - ويصون اللسان عن فاحش الكلام، ويكفه عن البذاءة وردىء القول ومنكرالأخلاق، هذا إذا كان صوما شرعيا، وهو ما شرعه الله لعباده المؤمنين فيه، ولم يكن مما شرعه الشيطان لأوليائه وأتباعه العاملين بوساوسه وهمزاته.
أوصى الرسول ﷺ أمته بأن يحافظ الصائم على ما عرف به المسلم في سلوكه مع عامة الناس، من حفط لسانه عن النطق بما يخل بأدب الصائم، فلا ينطق بالفحش ولا يفعل أفعال الجاهلين، فإن ابتلي بمن لا خلاق له فلا يجاريه في سفاهته وطيشه، حتى لا يظهر بمظهر الطائشين، وليعتصم بالسكوت والصبر على ما أصابه، فهو أليق وأفضل من مجاراته للسفيه الطائش، ان الصوم جنة وساتر يستر صاحبه من نار جهنم ومن أفعال السفهاء غير العقلاء، هذه المعاني جاءت في حديث
[ ١٠٣ ]
الرسول ﷺ يوصي فيه أمته بالمحافظة على أدب الصائم وأخلاقه، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه وبسنده إلى أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائما، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها" ففي هذا الحديث وصية جليلة وتربية عظيمة للمسلم، كي يزكي نفسه ويطهرها من أعمال السفهاء والطائشين، ويرتفع بها إلى مصاف الأزكياء والأطهار، ومن الله نرجو التوفيق والصلاح.
***
[ ١٠٤ ]