والمرأة تنظر إلى الرجال .. أين غض البصر وحفظه عن تلك المحرمات؟
قال سعيد بن المسيب: ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء.
وقال سعيد وهو ابن أربع وثمانين سنة وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعثو بالأخرى: وما من شيء أخوف عندي من النساء (١).
أخي: اختلت الموازين واختلفت المعايير، وإلا فأين من يطلق بصره من قول عمرو بن مرة؟ نظرت إلى امرأة فأعجبتني فكف بصري، فأرجو أن يكون ذلك كفارة.
وانظر إلى ما يتواصون به ويحرصون عليه، ونحن أحق به وأولى خاصة في هذا الزمن الذي انتشرت فيه الفتن وعمت به المحن.
قال وكيع: خرجنا مع سفيان الثوري في يوم عيد، فقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا غض أبصارنا (٢).
قال سفيان الثوري: عليك بالمراقبة لمن لا تخفى عليه خافية، وعليك بالرجاء ممن يملك الوفاء، وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة.
أين أنت أيها المسلم من الثواب العظيم إذا صرفت بصرك وأطعت ربك، ألا فأبشر بوعد من لا يخلف الوعد.
_________________
(١) صفة الصفوة (٢/ ٨٠)، السير (٢٣٧٤).
(٢) الورع لابن أبي الدنيا (٦٣).
[ ١٦ ]
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١].
أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟
قال ابن سيرين: إني أرى المرأة في المنام فأعرف أنها لا تحل لي فأصرف بصري عنها.
الله أكبر في المنام ويصرف بصره .. لأنه يعلم أنها لا تحل له، ومن صرف بصره في النهار لم يرض بغير ذلك في المنام ..
وأما من زلت به العين فماذا يرى كفارة ذلك .. أهي المعاودة وتكرار النظر أم التوبة إلى الله.
قال عمرو بن مرة: ما أحب أني بصير أني أذكر أني نظرت نظرة وأنا شاب (١).
وحين خرج حسان بن أبي سنان يوم العيد فلما رجع قالت له امرأته: كم من امرأة حسنة قد نظرت اليوم إليها؟ فلما أكثرت عليه، قال: ويحك، ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت حتى رجعت إليك (٢).
أيها الحبيب:
أعجب الأشياء اغترار الإنسان بالسلامة، وتأميله الإصلاح فيما بعد وليس لهذا الأمل منتهى، ولا للاغترار حد فكلما أصبح
_________________
(١) صفة الصفوة (٣/ ١٠٦).
(٢) الورع لابن أبي الدنيا (٦٤).
[ ١٧ ]
وأمسى معافى زاد الاغترار وطال الأمل.
وأي موعظة أبلغ من أن ترى ديار الأقران وأحوال الإخوان وقبور المحبوبين فتعلم أنك بعهد أيام مثلهم، ثم لا يقع انتباه ينتبه الغير بك، هذا والله شأن الحمقى (١).
لقلبك يوما اتعبتك المناظر وكنت متى أرسلت طرفك رائدا
ولا عن بعضه أنت صابر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه
قال أبو الدرداء: يا بني لا تتبع بصرك كلما ترى في الناس فإنه من يتبع بصره كلما يرى في الناس يطل تحزنه ولا يشف غيظه ومن لا يعرف نعمة الله إلا في مطعمة أو مشربة فقد قل علمه وحضر عذابه ومن لا يكن غنيًّا من الدنيا فلا دنيا له (٢).
أيها الحبيب:
اعلم أن شهوة الفرج والعين هي أغلب الشهوات على الإنسان وأعصاها عند الهيجان على العقل، إلا أن مقتضاها قبيح يستحيا منه ويخشى من اقتحامه، وامتناع أكثر الناس عن مقتضاها إما لعجز أو لخوف أو لحياء أو لمحافظة على جسمه، وليس في شيء من ذلك ثواب فإنه إيثار حظ من حظوظ النفس على حظ آخر: نعم من العصمة أن لا يقدر ففي هذه العوائق فائدة وهي دفع الإثم، فإن من ترك الزنا اندفع عنه إثمه بأي سبب كان تركه، وإنما الفضل
_________________
(١) صيد الخاطر (٤٢٧).
(٢) الزهد: (١٩٦).
[ ١٨ ]
والثواب الجزيل في تركه خوفا من الله تعالى مع القدرة وارتفاع الموانع وتيسر الأسباب.
وزنا العين من كبائر الصغائر وهو يؤدي إلى القرب على الكبيرة الفاحشة وهي زنا الفرج .. ومن لم يقدر على غض بصره لم يقدر على حفظ فرجه.
قال عيسى ﵇: إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب شهوة وكفى بها فتنة.
قال داود ﵇: يا بني امش خلف الأسد والأسود ولا تمش خلف المرأة.
وقيل ليحيى ﵇: ما بدء الزنا؟ قال: النظر والتمني وقال الفضيل: يقول إبليس هو قوسي القديمة وسهمي الذي لا أخطئ به يعني النظر (١).
وقال بعض الحكماء: كل يجري من عمره إلى غاية تنتهي إليها مدة أجله وتنطوي عليها صحيفة عمله، فنخذ من نفسك لنفسك وقس يومك بأمسك، وكف عن سيئاتك وزد في حسناتك قبل أن تستوفي الأجل، وتقصر عن الزيادة في السعي والعمل (٢).
هذه نصائح غالية ودرر ثمينة ممن يعرفون عظم الذنب وقدر من يطلع على السرائر فيخافون ربهم ويخشونه.
_________________
(١) الإحياء (٣/ ١١٢).
(٢) العاقبة: (٨٨).
[ ١٩ ]
قال يحيى بن معاذ: ألا إن العاقل المصيب من عمل ثلاثا: ترك الدنيا قبل أن تتركه وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى ربه قبل أن يلقاه (١).
أيها الشاب:
إن إطلاق البصر فيما لا يحل ذنب قد يؤدي بك إلى المهالك وقد ترى أثره في الدنيا قبل الآخرة كما قال حماد بن زيد ﵁: إذا أذنب العبد بالليل أصبح ومذلته في وجهه (٢).
يا راقدًا الليل مسرورًا بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
أفنى القرون التي كانت مسلطة مر الجديدين إقبالًا وإدبارا
يا من يكابد دنيا لا مقام بها يمسي ويصبح في دنياه سيارا
كم قد أبادت صروف الدهر من ملك قد كان في الأرض نفاعا
وفضول النظر يدعو إلى الاستحسان، ووقوع صورة المنظور في قلب الناظر؛ فيحدث أنواعا من الفساد في قلب العبد.
منها: ما ذكره رسول الله - ﷺ - كما جاء في المسند: "والنظرة سهم من سهام إبليس؛ فمن غض بصره لله أورثه حلاوة يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه" (٣).
منها: دخول الشيطان مع النظرة، فإنه ينفذ معها أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، ليزين صورة المنظور، ويجعلها صنما
_________________
(١) صفة الصفوة (٤/ ٩٤).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) الزهر الفائح (٩٥).
[ ٢٠ ]
يعكف عليه القلب، ثم يعده ويمنيه ويوقد على القلب نار الشهوات ويلقي حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة.
منها: أنه يشغل القلب، وينسيه مصالحه، ويحول بينه، وبينها؛ فيفرط عليه أمره، ويقع في اتباع الهوى والغفلة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (١) [الكهف: ٢٨].
قال: داود الطائي: كانوا يكرهون فضول النظر (٢).
والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان فإن النظرة تولد الخطرة ثم تولد الخطرة فكره، ثم تولد شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة حازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع مانع، وفي هذا قيل الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده.
قيل: إن حسان بن ثابت ﵁ خرج يوم عيد، فصلى ثم عاد إلى زوجته فقالت له: يا حسان كم رأيت من وجه مليح؟ فقال: والله ما رفعت طرفي ولا علمت ما كان من الناس ولقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من نظر إلى ما لا يحل له حرم الله عليه النظر إلى وجهه وألقاه في النار" (٣).
_________________
(١) تزكية النفوس (٣٧).
(٢) الورع لابن أبي الدنيا ٦٢.
(٣) صفة الصفوة (٣/ ٣٣٧).
[ ٢١ ]
وهذه الدنيا مزرعة الآخرة ودار عمل وتعب ونصب فإن أحسن العبد فيها فهنيئا له وإن قصر وفرط ندم في يوم تشخص فيه الأبصار.
قال أحمد تنهدت عند أبي سليمان الداراني يوما فقال: إنك مسئول عنها يوم القيامة فإن كانت على ذنب سلف فطوبى لك وإن كانت على فوت دنيا أو شهوة فويل لك (١).
قال الثوري: يسألون والله عن كل شيء حتى التبسم فيم تبسمت يوم كذا وكذا، فذلك قوله: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾.
أخي الحبيب:
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب وأن غدا للناظرين قريب
قال الله ﷿ في كتابه العزيز: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦].
قال علماء التفسير: كان هذا الإنسان المذكور عابدًا في صومعة له، مشهورًا بالعبادة، ومشهورًا بالزهادة يستشفى بدعائه المرضى، وإذا عرض بأحد مرض أو جنون حمل إلى صومعته ليدعو له ليبرأ فمرضت ابنة بعض كبراء البلدة. ذات جمال فجاءوا بها
_________________
(١) المنتخب (٢٠).
[ ٢٢ ]