وكل ذلك محرم ممنوع شرعًا، لا يسيغه مذهب.
وقد روى عقبة بن عامر أن النبي - ﷺ - قال: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: أرأيت الحمو؟ فقال ﵇: "الحمو الموت" وروي فيه أنه قال: "الحمو القبر".
قال العلماء: أراد بالحمو ههنا أخا الزوج.
فانظر كيف كان بالغ في الزجر عن التسامح في نظر أخي الزوج إلى امرأة أخيه، حتى آثر الموت في القبر عليه ومن سد الأبواب التي تؤدي إلى النظر وما وراءه أنه لا يجوز الدخول على من غاب عنها زوجها، وإن كان قد وكله بأمرها أو نفقتها، فضلا عن من هو أجنبي منه ومنها (١).
قال ابن عباس ﵄: لم يكفر من كفر ممن مضى إلا من قبل النساء، وكفر من بقى من قبل النساء (٢).
والإسلام عندما حرم النظر إلى ما لا يحل فإنه أيضا سد جميع الوسائل التي تفضي إلى تحريك الشهوة والوقوع في الحرام حتى ولو كان بالوصف أو بالتشبيه، لأن الأذن تعشق قبل العين أحيانا.
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها" (٣).
_________________
(١) أحكام النظر: ٣٨.
(٢) أحكام النظر: ١٥.
(٣) رواه البخاري بلفظ لا تباشر المرأة المرأة فتعنتها لزوجها كأنه ينظر إليها. فتح الباري (٩/ ٣٣٨).
[ ٣٠ ]
فانظر رحمك الله كيف نهى عن وصف المرأة المرأة لزوجها صفة امرأة أجنبية؛ لئلا تسمو همته إليها، لأن الوصف يقوم مقام النظر، كل ذلك احتياط وزجر عن النظر ما يدانيه.
وقد روي عن ابن عباس ﵄، قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن الله ﷿ كتب على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين بالنظر، وزنى اللسان النطق، زنى اليدين اللمس، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" (١).
فسمى النظر إلى غير المحارم، والحديث معهن ولمسهن أجزاء من الزنى الحقيقي، الذي يصدق إلى تحقيقه الفرج، ويصدقه في وجوب الحد في الدنيا، واستحقاق النار في الأخرى.
وفي الحديث الآخر عن المصطفى - ﷺ - أنه قال: "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس".
معناه: أن النظر من الرجل إلى المرأة، أو المرأة إلى الرجل سهم يرمي به العدو إلى النفس والقلب، فقد يهلكها دنيا وأخرى، كالسهم، المسموم؛ لأنه يجرح الظاهر بحده، ويفسد الباطن بسمه.
وأما الخطوات: فحفظها بأن لا ينقل قدمه إلا فيما يرجو ثوابه فإن لم يكن في خطاه مزيد ثواب فالقعود عنها خير له ويمكنه أن يستخرج من كل مباح يخطو إليه قربة ينويها لله، فتقع
_________________
(١) رواه البخاري دون قوله: وزنى اليدين اللمس.
[ ٣١ ]
خطاه قربة.
ولما كانت العثرة عثرتين: عثرة الرجل، وعثرة اللسان جاءت إحداهما قرينة الأخرى في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
فوصفهم بالاستقامة في لفظاتهم وخطواتهم، كما جمع بين اللحظات والخطوات في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] (١).
كتب ابن السماك الواعظ إلى أخ له: أما بعد، أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتاك ورقيبك في علانيتك فاجعل الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك وليكثر منه وجلك والسلام (٢).
أيها الشاب:
دافع الخطرة فإن لم تفعل صارت فكرة، فدافع الفكرة، فإن لم تفعل صارت شهوة، فحاربها، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة، فإن لم تدافعها صارت فعلا، فإن لم تتداركه بضده صار عادة فيصعب
_________________
(١) الجواب الكافي: ١٧٤.
(٢) جامع العلوم والحكم ١٦١.
[ ٣٢ ]
عليك الانتقال عنها (١).
ولا تنس أن كل ذلك في صحائفك التي ستنشر لك وتراها يوم القيامة إن خيرا فخيرا وإن شرًّا فشر.
نموت ونبلى غير أن ذنوبنا إذا نحن متنا لا تموت ولا تبلى (٢)
أخي الحبيب:
التقوى ثلاث مراتب:
إحداها: حمية القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات.
الثانية: حميتها عن المكروهات.
الثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يغني.
فالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته (٣).
واعلم أن باب الخير مفتوح وكذلك باب الشر، فجاهد نفسك وخذها بقوة تستقم أمورك ويصلح حالك وتفوز في العاجلة والآجلة.
من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره، ومن خلقه للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات (٤).
عليك أيها الشاب بنصيحة اجتهد في تطبيقها وسترى أنها
_________________
(١) الفوائد: ٤٦.
(٢) البداية والنهاية (١٠/ ٢٦٣).
(٣) الفوائد (٤٦).
(٤) الفوائد (٤٦).
[ ٣٣ ]