غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا
دخل بعضهم غيضة ذات شجر فقال: لو خلوت ههنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع هاتفا بصوت ملأ الغيضة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (١).
أيها الحبيب:
كثير من الناس يتسامحون في أمور يظنونها قريبة، وهي تقدح في الأصول، كاستعارة طلاب العلم جزءًا لا يردونه وقصد الدخول على من يأكل ليؤكل معه، والتسامح بعرض العدو التذاذا بذلك واستصغارا لمثل هذا الذنب، وإطلاق البصر في المحرم استهانة بتلك الخطيئة.
وأهون ما يصنع ذلك بصاحبه أن يحطه من مرتبة المتميزين بين الناس، ومن مقام رفعة القدر عند الحق أو فتوى من لا يعلم لئلا يقال، هو جاهل ونحو ذلك مما يظنه صغيرًا وهو عظيم.
وربما قيل له بلسان الحال: يا من اؤتمن على أمر يسير فخان، كيف ترجو بتدليلك رضا الديان؟
قال بعض السلف: تسامحت بلقمة فتناولتها فأنا اليوم من أربعين سنة إلى خلف.
فالله الله، اسمعوا ممن قد جرب كونوا على مراقبة، وانظروا في العواقب، واعرفوا عظمة الناهي، واحذروا من نفخة تحتقر، وشررة
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١٦١).
[ ٥٢ ]
تستصغر فربما أحرقت بلدا.
وهذا الذي أشرت إليه يسير يدل على كثير، وأنموذج يعرف باقي المحقرات من الذنوب (١).
رأى محمد بن المنكدر رجلا وافقًا مع امرأة يكلمها فقال: إن الله يراكما سترنا الله وإياكما.
قال الحارث المحاسبي: المراقبة علم القلب بقرب الرب.
وسئل الجنيد بما يستعان على غض البصر، قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره (٢)
وذكر أبو الفرج وغيره أن امرأة جميلة كانت بمكة، وكان لها زوج فنظرت يومًا إلى وجهها في المرأة فقالت لزوجها، أترى أحدًا يرى هذا الوجه ولا يفتن به؟ قال: نعم، قالت: من؟ قال: عبيد بن عمير، قالت فأذن لي فيه فلأفتننه، قال قد أذنت لك.
قال: فأتته كالمستفتية فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام فأسفرت عن وجه مثل فلقة القمر، فقال لها: يا أمة الله استتري، فقالت: إني قد فتنت بك، قال: إني سائلك عن شيء فإن أنت صدقتني نظرت في أمرك قالت: لا
تسألني عن شيء إلا صدقتك.
قال: أخبريني لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك أكان
_________________
(١) صيد الخاطر (١٨٧).
(٢) جامع العلوم والحكم (١٦١).
[ ٥٣ ]
يسرك أن أقضي لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت.
قال: فلو دخلت قبرك وأجلست للمساءلة أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت.
قال: فلو أن الناس أعطوا كتبهم ولا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت.
قال: فلو أردت الممر على الصراط ولا تدرين هل تنجين أو لا تنجين أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت.
قال: فلو جيء بالميزان وجيء بك فلا تدرين أيخف ميزانك أم يثقل أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت.
قال: فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت.
قال: اتقي الله فقد أنعم عليك وأحسن إليك، قال: فرجعت إلى زوجها فقال: ما صنعت؟ قالت: أنت بطال ونحن بطالون، فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة فكان زوجها يقول: ما لي ولعبيد بن عمير أفسد علي امرأتي، كانت في كل ليلة عروسا فصيرها راهبة (١).
وإذا كنت لا ترضى بأن يراك من تجله وتحترمه وأنت على
_________________
(١) روضة المحبين.
[ ٥٤ ]
هذه المعصية فكيف ترضى بأن يراك خالقك ورازقك ومن بيده أمر هذا الكون وأنت على حال تغضبه جل وعلا؟ !
قال ابن عباس: يا صاحب الذنب لا تأمن من فتنة الذنب وسوء عاقبته، ولخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب.
والرجل هو من عمر قلبه بمراقبة الله ﷿ كما قال ابن الجوزي: والرجل والله من إذا خلا بما يحب من المحرم وقدر عليه وتقلقل عطشا إليه، نظر إلى نظر الحق إليه فاستحى من إجالة همه فيما يكرهه فذهب العطش (١).
قال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: قل لقومك ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي وتظهرونها لي إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم (٢).
يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى نياط عروقها في مخها والمخ في العظام النحل
اغفر لعبد تاب من زلاته ما كان منه في الزمان الأول
قال أبو عياش القطان: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها منيبة، وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما رآها
_________________
(١) صيد الخاطر (١٣٧).
(٢) جامع العلوم الحكم (١٦١).
[ ٥٥ ]
وتعجب من عبادتها على حداثتها، فبينما الحسن ذات يوم جالس إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت فوثب الحسن فدخل عليها فلما نظرت الجارية إليه بكت فقال لها: يا حبيبتي ما يبكيك؟ قالت له: يا أبا سعيد التراب يحثى على شبابي ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لابنتي قبرًا واسعًا وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أجهز إلى مكة لطال بكائي كيف وأنا أجهز إلى ظلمة القبور ووحشتها وبيت الظلمة والدود (١).
قالت عائشة بنت سعيد بن إسماعيل لابنتها: لا تفرحي بفانٍ، ولا تزعجي من ذاهب وافرحي بالله ﷿، واجزعي من سقوطك من عين الله ﷿ (٢).
وهذه قصة تروي النهاية السيئة لطريق الفساد والضياع، بل ربما يكون آخر كلامه من الدنيا الهذيان بمحبوبه نظرها وتعلق قلبه بها، وهي قصة معروفة مشهورة يردد صاحبها، كيف الطريق إلى حمام منجاب؟ !
وهذا الكلام له قصة، وذلك أن رجلا كان واقفا بإزاء داره، وكان بابها يشبه باب هذا الحمام فمرت به جارية لها منظر، فقالت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال: هذا حمام منجاب، فدخلت
_________________
(١) صفة الصفوة (٤/ ٢٩).
(٢) صفة الصفوة (٢/ ١٢٥).
[ ٥٦ ]
الدار ودخل وراءها، فلما رأت نفسها في داره وعلمت أنه قد خدعها أظهرت له البشرى والفرح باجتماعها معه، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقر به عيوننا، فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين، وخرج وذهبت ولم تخنه في شيء فهام الرجل وأكثر الذكر لها، وجعل يمشي في الطرق والأزفة ويقول:
يا رب قائلة يومًا، وقد تعبت كيف الطريق إلى حمام منجاب؟ !
فبينما هو يومًا يقول ذلك وإذا بجارية أجابته من طاق:
هلا جعلت سريعًا إذ ظفرت بها حرزا على الدار أو قفلا على الباب؟ !
فازداد هيمانه واشتد، ولم يزل على ذلك، حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا.
ولقد بكى سفيان الثوري، ليلة إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: كل هذا خوفًا من الذنوب؟ فأخذ تبنة من الأرض، وقال: الذنوب أهون من هذا، وإنما أبكي من خوف سوء الخاتمة.
وهذا من أعظم الفقه: أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى.
وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء أنه لما احضتر جعل يغمى عليه ثم يفيق ويقرأ ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠].
فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن يكون حجابًا بينهم
[ ٥٧ ]
وبين الخاتمة الحسنى.
قال الحافظ أبو محمد عبد الحق الأشبيلي: واعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها: لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به ولله الحمد، وإنما تكون لمن له فساد في الأصل أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوية ويصطلم قبل الإنابة، فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله.
أخي الحبيب:
إليك بعضًا من قصص أصحابها أردت بهم نظرة وذهبت بعقولهم لفتة فأصبحوا من الخاسرين يروى أنه كان بمصر رجل يلزم مسجدًا للأذان والصلاة وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة فرقى يوما المنارة على عادته للأذان وكان تحت المنارة داره لنصراني فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار فافتتن بها، فترك الأذان ونزل إليها ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك وما تريد؟ قال: أريدك: قالت: لماذا؟ قال: أتزوجك قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني منك: قال: أتنصر قالت: إن فعلت أفعل، فتنصر الرجل ليتزوجها، وأقام معهم في الدار، فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقى إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات فلم يظفر بها وفاته دينه (١).
إنها النظرة الحرام التي ساقته إلى أن يترك ملة محمد - ﷺ - ويتنصر
_________________
(١) الجواب الكافي (١٩٨).
[ ٥٨ ]