غض من بصرك، وأقصر عن محارم الله طرفك، ولا تقلل من شأن النظر وتستصغره فإن كل الحوادث مبدؤها من النظر، كما أن معظم النار مبدؤها من مستصغر الشرر، تكون نظرة، ثم خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة.
أخي المسلم:
إن الذي أجمعت عليه الأمة واتفق على تحريمه علماء السلف والخلف من الفقهاء والأئمة هو نظر الأجانب من الرجال والنساء بعضهم إلى بعض، وهم من ليس بينهم رحم من النسب، ولا محرم من سبب، كالرضاع وغيره، فهؤلاء حرام نظر بعضهم إلى بعض، وهم كل من حرم الشرع تزويج بعض منهم ببعض على التأبيد، فالنظر والخلوة محرم على هؤلاء عند كافة المسلمين، لا يباح بدعوى زهد وصلاح، ولا توهم عدم آفة ترفع عنهم الجناح، إلا في أحوال نادرة من ضرورة أو حاجة، فما سوى ذلك محرم، سواء كان عن شهوة، أو عن غيرها، وكذلك لا يجوز النظر إلى الأمرد (١). بشهوة وغيرها من غير حاجة كل ذلك لخوف الفتنة والوقوع في الهلكة.
ففي غض البصر: زكاة وطهارة لقلوب المؤمنين، وحفظ لفروجهم وقد قدم الله سبحانه الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج، لأن مبدأ المعاصي من النظر، وهو بريد الزنا، والنظرة تفعل
_________________
(١) الأمرد: الشاب طر شاربه ولم تنبت لحيته.
[ ٩ ]
في القلب ما يفعل السهم في الرمية، فإن لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقه كله، أحرقت بعضه، كما قيل:
كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغيد موقوف على خطر
يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحبا بسرور عاد بالضرر (١)
والله سبحانه مطلع على أعمالنا سرها وعلانيتها ألا ترى أنه ﷾ عقب على الأمر بغض البصر وحفظ الفرج بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ وهو سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٢).
عن ابن عباس ﵄ قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة: فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه" متفق عليه.
قال الشنقيطي ﵀: محل الشاهد منه قوله - ﷺ - "فزنا العين النظر" فإطلاق اسم الزنا على نظر العين إلى ما لا يحل دليل واضح على تحريمه والتحذير منه.
_________________
(١) الجواب الكافي (٢٢٤).
(٢) أحكام النظر لابن القيم (٩).
[ ١٠ ]
ومعلوم أن النظر سبب الزنا، فإن من أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلا قد يتمكن بسببه حبها من قلبه تمكنا يكون سبب هلاكه والعياذ بالله، فالنظر بريد الزنا (١).
قال البخاري: قال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن قال: اصرف بصرك عنهن يقول الله عزوجل ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قال قتادة: عما لا يحل لهم ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾.
يقول الشنقيطي في تلك الآيات: وبه تعلم أن قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ فيه الوعيد بمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له، وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر إلى ما لا يحل جاء موضحًا في أحاديث كثيرة (٢).
قال أطباء القلوب: بين العين والقلب منفذ وطريق فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكن معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والأنس به، والسرور بقربه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك (٣).
_________________
(١) أضواء البيان (٦/ ٩١)
(٢) أضواء البيان (٦/ ٩١٩).
(٣) تزكية النفوس (٣٨).
[ ١١ ]
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إن النبي - ﷺ - أردف الفضل بن عباس خلفه في الحج، فجاءت جارية من خثعم تستفتي رسول الله - ﷺ - فلوى النبي - ﷺ - عنق الفضل لئلا ينظر إليها، فقال له عمه العباس: لم لويت عنق ابن عمك يا رسول الله، فقال ﵇: "رأيت شابًا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما" (١) يعني: أن يشغل قلب أحدهما بصاحبه إذا نظر إليه.
فانظر كيف فعل بابن عمه وهو في حضرته متلبس بأسباب حجه، ولم يأمن الطباع من الفتنة، والشيطان من الوسوسة والمحنة.
وعنه - ﷺ - أنه قال يومًا لعلي بن أبي طالب: "يا علي، إن لك كنزًا في الجنة، فلا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة" (٢) يعني أن النظرة الأولى نظرة الفجأة من غير قصد يمنح لك عفو بلا إثم، وليست لك الثانية إذا اتبعتها نظرة تمتع.
هذا خطابه لعلي ﵁، مع علمه بكمال زهده وورعه، وعفة باطنه وصيانة ظاهره يحذره من النظر، ويؤمنه من الخطر لئلا يدعي الأمن كل بطال، ويغتر بالعصمة والأمن من الفتنة ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
وعن جرير بن عبد الله البجلي، قال: سألت رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) رواه الترمذي.
(٢) رواه أحمد وابن حبان. تقدم تخريجه دون قوله: إن لك كنزا في الجنة فالله أعلم.
[ ١٢ ]
عن نظر الفجأة، فقال لي: "اصرف بصرك" (١) يعني: عن النظر الثاني، لأنك لا تأمن فيه الشهوة والفتنة.
ولا شك أن حفظ البصر أشد من حفظ اللسان، فإن العين مبدأ الزنا فحفظها مهم، وهو عسر من حيث إنه قد يستهان به ولا يعظم الخوف منه والآفات كلها منه تنشأ.
والنظرة الأولى إذا لم تقصد لا يؤاخذ بها والمعاودة يؤاخذ بها.
قال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزينها لمن ينظر وإذا أدبرت جلس على عجزها فزينها لمن ينظر (٢).
قال العلاء بن زياد: لا تتبع بصرك رداء المرأة فإن النظر يزرع في القلب شهوة، وقلما يخلو الإنسان في ترداده عن وقوع البصر على النساء والصبيان فمهما تخايل إليه الحسن تقاضى الطبع المعاودة وعنده ينبغي أن يقرر في نفسه أن هذه المعاودة عين الجهل فإنه إن حقق النظر فاستحسن ثارت الشهوة وعجز عن الوصول فلا يحصل له إلا التحسر، وإن استقبح لم يلتذ لأنه قصد الالتذاذ فقد فعل ما آلمه، فلا يخلو في كلتا حالتيه، عن معصية وعن تألم وعن تحسر، ومهما حفظ العين بهذا الطريق اندفع عن قلبه كثير من الآفات، فإن أخطأت عينه وحفظ الفرج مع التمكن فذلك يستدعي غاية القوة ونهاية التوفيق (٣).
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٢٧).
(٣) الإحياء (٣/ ١١٤).
[ ١٣ ]
وفي الصحيحين عنه - ﷺ -: "لا يحل دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" وهذا الحديث في اقتران الزنى بالكفر وقتل النفس نظير الآية التي في الفرقان، ونظير حديث ابن مسعود.
فقد بدأ رسول الله - ﷺ - بالأكثر وقوعًا والذي يليه، فالزنا أكثر وقوعًا من الردة، وأيضا فإنه انتقل من الأكبر إلى ما هو أكبر منه، ومفسدة الزنى مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست رءوسهم بين الناس وإن حملت من الزنى، فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنى والقتل، وإن حملته على الزوج أدخلت على أهله وأهلها أجنبيا ليس منهم، فورثهم وليس منهم، ورآهم وخلا بهم وانتسب إليهم وليس منهم، إلى غير ذلك من مفاسد زناها، وأما زنى الرجل فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضا، وإفساد المرأة المصونة، وتعريضها للتلف والفساد، وفي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين، وإن عمرت القبور في البرزخ والنار في الآخرة، فكم في الزنى من استحلال لحرمات، وفوات حقوق، ووقوع مظالم.
ومن خاصيته: أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس.
ومن خاصيته أيضًا: أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان، فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته، ولهذا شرع
[ ١٤ ]
فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها، ولو بلغ العبد أن امرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت.
قال سعد بن عبادة ﵁: "لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح" (١) فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: "تعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن" (٢)
متفق عليه.
أخي المسلم:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
قال محمد بن عبد العزيز: جلسنا إلى أحمد بن رزين من غدوة إلى العصر فما التفت يمنة ولا يسرة، فقيل له في ذلك فقال: إن الله ﷿ خلق العينين لينظر بهما العبد إلى عظمة الله تعالى، فكل من نظر بغير اعتبار كتبت له خطيئة.
الله أكبر .. أين من يطلق بصره ليل نهار؟ بل أين هذا الذي يقصد الأسواق وغيرها للنظر في ما لا يحل له؟ بل أين من يبقى ساعات طوال ليشاهد القنوات والمحطات؟ الرجل ينظر إلى النساء
_________________
(١) بضم الميم وفتح الفاء، يقال: أصفحه بالسيف، أي ضربه بعرضه دون حده.
(٢) الجواب الكافي (١٤٧).
[ ١٥ ]