لأجل امرأة رأها.
تفنى اللذاذة ممن ذاق صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار (١)
قال عبدة بن عبد الرحيم: خرجنا في سرية إلى أرض الروم فصحبنا شاب لم يكن فينا أقرأ للقرآن منه ولا أفقه ولا أفرض، صائم النهار قائم الليل، فمررنا بحصن فمال عنه العسكر ونزل بقرب الحصن فظننا أنه يبول فنظر إلى امرأة من النصارى تنظر من وراء الحصن فعشقها فقال لها بالرومية: كيف السبيل إليك؟ قالت: حين تتنصر يفتح لك الباب وأنا لك ففعل فأدخل الحصن، قال فقضينا غزاتنا في أشد ما يكون من الغم كأن كل رجل منا يرى ذلك بولده من صلبه، ثم عدنا في سرية أخرى فمررنا به ينظر من فوق الحصن مع النصارى فقلنا: يا فلان ما فعلت قراءتك؟ ما فعل علمك؟ ما فعلت صلواتك وصيامك؟ قال: اعلموا أني نسيت القرآن كله ما أذكر منه إلا هذه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٢، ٣].
قال منصور بن عمار: حججت حجة فنزلت سكة من سكك الكوفة فخرجت في ليلة مظلمة، فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول: إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي
_________________
(١) روضة المحبين (٤٤٢).
[ ٥٩ ]
مخالفتك، وقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل، ولكن خطيئة عرضت لي أعانني عليها شقائي وغرني سترك المرخي عليَّ، وقد عصيتك بجهدي وخالفتك بجهلي ولك الحجة علي، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من اتصل إذا قطعت حبلك مني؟ واشباباه، واشباباه قال: فلما فرغ من قوله تلوت آية من كتاب الله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦] الآية فسمعت حركة شديدة ثم لم أسمع بعدها حسًا فمضيت فلما كان من الغد رجعت في مدرجتي، إذا بجنازة قد وضعت، وإذا بعجوز كبيرة فسألتها عن أمر الميت، ولم تكن عرفتني فقالت: هذا رجل لا جزاه الله إلا جزاءه مر بابني البارحة وهو قائم يصلي، فتلا آية من كتاب الله فلما سمعها ابني تفطرت مرارته فوقع ميتًا (١).
والرغبة في الله وإرادة وجهه، والشوق إلى لقائه هي رأس مال العبد وملاك أمره وقوام حياته الطيبة، وأصل سعادته وفلاحه ونعيمه وقرة عينه، ولذلك خلق، وبه أمر، وبذلك أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب (٢).
ويروى أن رجلا علق شخصًا فاشتد كلفه به وتمكن حبه من قلبه حتى أوقع ولزم الفراش بسببه وتمنع ذلك الشخص عليه، واشتد
_________________
(١) كتاب التوابين (٢٨٩).
(٢) روضة المحبين (٤٠٥).
[ ٦٠ ]
نفارة عنه، فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده بأن يعوده فأخبره بذلك الناس ففرح واشتد فرحه وانجلى غمه فجعل ينتظره للميعاد الذي ضرب له فيما هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما فقال: إنه وصل معي إلى بعض الطريق ورجع، ورغبت إليه وكلمته فقال، إنه ذكرني وفرح بي، ولا أدخل مدخل الريبة، ولا أعرض نفسي لمواقع التهم، فعاودته فأبى وانصرف فلما سمع البائس أسقط في يده، وعاد إلى أشد مما كان به وبدت عليه علائم الموت فجعل يقول في تلك الحال:
أسلم يا راحة العليل ويا شفا المدنف النحيل
رضاك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليل
فقلت يا فلان: اتق الله قال: قد كان فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت، فعياذًا بالله من وسوء العاقبة وشؤم الخاتمة (١).
أيها الحبيب:
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] فتأمل جلالة المبشر ومنزلته وصدقه وعظمة من أرسله إليك بهذه البشارة وقدر ما
_________________
(١) الجواب الكافي (١٩٩).
[ ٦١ ]
بشرك به وضمنه لك على أسهل شيء عليك وأيسره، وجمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات وما فيها من الأنهار والثمار ونعيم النفس بالأزواج المطهرة ونعيم القلب وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد وعدم انقطاعه، والأزواج جمع زوج والمرأة زوج للرجل وهو زوجها.
والمطهرة من طهرت من الحيض والبول والنفاس والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر وكل أذى يكون من نساء الدنيا فطهر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة والصفات المذمومة وطهر لسانها من الفحش والبذاء وطهر طرفها من أن تطمح به إلى غير زوجها وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ قال عبد الله ابن المبارك ثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن
النبي - ﷺ - "لهم فيها أزواج مطهرة" قال: من الحيض والغائط والنخامة والبصاق.
قال الله ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الليْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة ثم أتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له فسكت النبي - ﷺ - حتى نزلت هذه الآية فدعاه فقرأها عليه فقال رجل: هذا له خاصة؟ قال: بل للناس عامة، وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به النبي - ﷺ - في
[ ٦٢ ]
هذه الوصية (١) في قوله ﷿: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإحسان إليهم بالإنفاق وكظم الغيظ والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل الندى واحتمال الأذى.
وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى به النبي - ﷺ - لمعاذ (٢) ثم وصفهم بأنهم ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ولم يصروا عليها، فدل على أن المتقين قد يقع منهم أحيانا كبائر وهي الفواحش، وصغائر وهي ظلم النفس، لكنهم لا يصرون عليها بل يذكرون الله عقب وقوعها ويستغفرونه ويتوبون إليه منها، التوبة، هي ترك الإصرار، ومعنى قوله: ذكروا الله: ذكروا عظمته وشدة بطشه وانتقامه وما يوعد به على المعصية
_________________
(١) وهي ما جاء في الحديث اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحوها وخالق الناس بخلق حسن، رواه الترمذي وحسنه.
(٢) في الحديث السابق.
[ ٦٣ ]