وعندما وقع طاعون (عمواس) (١) توفيت زوجتاه في يوم واحد وكان الناس في شغل عن حفر قبر لكل إنسان لكثرة الموتى بسبب هذا الوباء، فدفنهما ﵁ في قبر واحد، ولكنه من شدة عدله أسهم بين زوجتيه في أيتهما تقدم في اللحد أولًا:
أما احتمال أذى الزوجة والصبر عليها وعلى سوء خلقها فإنه من صلاح الحال والصبر على العيال .. فقد راجعت امرأة عمر ﵁ في الكلام، فقال: أتراجعيني يا لكعاء فقالت: إن أزواج رسول الله - ﷺ - يراجعنه وهو خير منك (٢).
واعلم أيها الحبيب أنه ليسن حسن الخلق معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها اقتداءً برسول الله - ﷺ - فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام وتهجره الواحدة منهن يوما إلى الليل (٣).
وعند نهاية العشرة الزوجية فإنه يبقى للمؤمنة حقها في الحفظ والصون ويبقى الفضل مذكورًا والخير منشورًا، أولئك الرجال الذين غشى قلوبهم الإيمان وزينهم بتعاليمه وأفاض عليهم من آدابه امتثالا لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾
[البقرة: ٢٣٧].
_________________
(١) كان بالشام في زمن عمر ﵁ مات فيه خمسة وعشرون ألفا.
(٢) رواه البخاري.
(٣) مكاشفة القلوب: ٣٩٣.
[ ٤١ ]
يروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأته فقيل له: ما الذي يريبك فيها؟ فقال: العاقل لا يهتك ستر امرأته، فلما طلقها قيل له: لم طلقتها؟ فقال: مالي ولامرأة غيري (١).
سبحان الله ما أعظم إيمانهم وما أصدق سرائرهم وما أحفظ ألسنتهم لو لحظت الأمر اليوم كيف حال النساء وسوء عشرتهن وإيذائهن وظلمهن قبل الطلاق وبعده. لرأيت اختلال الموازين ونقص المكاييل.
أخي الحبيب:
رأيت المعافى لا يعرف قدر العافية إلا في المرض، كما لا يعرف شكر الإطلاق إلا في الحبس.
وتأملت على الآدمي حالة عجيبة، وهو أن تكون معه امرأة لا بأس بها إلا أن قلبه لا يتعلق بمحبتها تعلقا يلتذ به. ولذلك سببان:
أحدهما: أن تكون غير غاية في الحسن.
والثاني: أن كل مملوك مكروه، والنفس تطلب ما لا تقدر عليه.
فتراه يضج ويشتهي شيئًا يحبه أو امرأة يعشقها، ولا يدري أنه إنما يطلب قيدًا وثيقًا يمنع القلب من التصرف في أمور الآخرة أو في أي علم أو عمل، ويخبطه في تصريف الدنيا، فيبقى ذلك العاشق أسير المعشوق، همه كله معه.
_________________
(١) الإحياء ٢/ ٦٤.
[ ٤٢ ]
فالعجب لمطلق يؤثر القيد، ومستريح يؤثر التعب.
فإن كانت تلك المرأة تحتاج أن تحفظ فالويل له لا قرار له ولا سكون، وإن كانت من المتبرجات اللواتي لا يؤمن فسادهن فذاك هلاكه بمرة.
فلا هو إن نام يلتذ بنومه، ولا إن خرج من الدار يأمن محله، وإن كانت تريد نفقة واسعة وليس له فكم يدخل مدخل سوء لأجلها؟ وإن كانت تؤثر الجماع وقد علت سنة فذاك الهلاك العظيم، وإن كانت تبغضه فما بقيت من أسباب تلفه بقية، فيكون هذا ساعيًا في تلف نفسه.
وهذا على الحقيقة كعابد صنم.
فليتق الله من عنده امرأة لا بأس بها: وليعرض عن حديث النفس ومناها فما له منتهى.
ولو حصل له غرضه كما يريد وقع الملل وطلب ثالثة، ثم يقع الملل ويطلب رابعة، وما لهذا آخر، إنما يفيده ذلك في العاجلة تعلق قلبه وأسر لبه، فيبقى كالمبهوت.
فكره كله في تحصيل ما يريد محبوبه، فإن جرت فرقة أو آفة فتلك الحسرات الدائمة إن بقي أو التلف عاجلا.
وأين المستحسن المصون الدين القنوع بمن يحبه هذا أقل من الكبريت الأحمر.
فلينظر في تحصيل ما يجمع معظم الهم، ولا يلتفت إلى سواد
[ ٤٣ ]
الهوى وغاية المنى، يسلم (١).
شكا رجل من بغضه لزوجته لابن الجوزي: فقال: ما أقدر على فراقها لأمور، منها كثرة دينها عليَّ وصبري قليل، ولا أكاد أسلم من فلتات لساني في الشكوى، وفي كلمات تعلم بغضي لها.
فقال له ابن الجوزي: هذا لا ينفع وإنما تؤتى البيوت من أبوابها، فينبغي أن تخلو بنفسك فتعلم أنها إنما سلطت عليك بذنوبك فتبالغ في الاعتذار والتوبة.
فأما التضجر والأذى لها فما ينفع كما قال الحسن عن الحجاج: عقوبة من الله لكم فلا تقابلوا عقوبته بالسيف قابلوها بالاستغفار.
واعلم أنك في مقام مبتلى ولك أجر بالصبر ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فعامل الله ﷾ بالصبر على ما قضى واسأله الفرج، فإذا جمعت بين الاستغفار وبين التوبة من الذنوب والصبر على القضاء وسؤال الفرج، حصلت ثلاثة فنون من العبادة تثاب على كل منها، ولا تضيع الزمان بشيء لا ينفع، ولا تحتل ظانا منك أنك تدفع ما قدر: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧] (٢).
قال داود الطائي: ما أخرج الله عبدًا من ذل المعاصي إلى عز
_________________
(١) صيد الخاطر (٤٩٨).
(٢) صيد الخاطر (٤٩٨)
[ ٤٤ ]