أخي المسلم:
لقد كان العرب قبل الإسلام يعدون غض الطرف أدبا عظيما بل ويتفاخرون به، ومن ذلك قول عنترة:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى تواري جارتي مأواها
كان هذا حالهم هم مشركون بالله تعالى يعدون ذلك أدبا رفيعا وخلقا عظيما، فكيف بنا نحن المسلمين وبأيدينا كتاب الله وسنة نبينا فيهما التحذير من الوقوع من شر النظر وإطلاق البصر فيما لا يحل.
فكم جرح النظر من قلب، وأوقع في غفلة وأشعل نار الفتنة ورب نظرة زرعت شهوة، وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا.
حق لمن غض طرفه، وقاوم شهوته أن يقول الشاعر فيه
ليس الشجاع الذي يحمي مطيته يوم النزال ونار الحرب تشتعل
لكن فتى غض طرفًا أو ثنى بصرًا عن الحرام فذاك الفارس البطل (١)
وانظر إلى أدب الاستئذان لدخول المنازل فإن فيه من الآداب البعد عن إطلاق النظر وعدم الوقوف أمام الباب مباشرة بل يتنحى يمنة ويسرة حتى لا يرى ما بداخل الدار من المحارم أو غيرها قال رسول الله - ﷺ -: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" متفق عليه. وأهدر العلماء عين من نظر في دار قوم بغير إذنهم، وقالوا لا قصاص فيها ولا دية قال رسول الله - ﷺ -: "لو أن امرءًا اطلع عليك بغير
_________________
(١) ذم الهوى (١١٩).
[ ٥٠ ]
إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح" متفق عليه.
إنها آداب إسلامية رفيعة فيها من العفة وغض النظر الكثير قال ابن عمر: من تضييع الأمانة، النظر في الحجرات والدور (١).
روي عن بكر بن عبد الله المزني: أن قصابا أولع بجارية لبعض جيرانه فأرسلها أهلها في حاجة لهم إلى قرية أخرى فتبعها وراودها عن نفسها فقالت له: لا تفعل لأنا أشد حبا لك منك لي ولكني أخاف الله، قال: فأنت تخافينه وأنا لا أخافه، فرجع تائبًا فأصابه العطش حتى كاد يهلك فإذا برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل فسأله فقال: ما لك؟ قال: العطش، قال: تعالى حتى ندعو الله بأن تظلنا سحابة حتى ندخل القرية، قال ما لي من عمل صالح فأدعو الله، فادع أنت، قال: أنا أدعو وأمن أنت على دعائي فدعا الرسول وأمن هو فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية، فأخذ القصاب إلى مكانه فمالت السحابة معه فقال له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: زعمت أن ليس لك عمل صالح، وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمنت فأظلتنا سحابة ثم تبعتك، لتخبرني بأمرك فأخبره فقال الرسول، إن التائب عند الله تعالى بمكان ليس أحد من الناس بمكانه (٢).
كان ابن السماك ينشد:
يا مدمن الذنب أما تستحي والله في الخلوة ثانيكا
_________________
(١) الورع لابن أبي الدنيا (٦٦).
(٢) الإحياء (٣، / ١١٤).
[ ٥١ ]