ومضوا، فلما خلا بها نظر إليها فأعجبته، فواقعها فعلقت (حملت) منه، فجاءه الشيطان الذي أغراه حتى نظر إليها، وأمنه الفتنة حتى خلا بها، فقال له: اقتلها وادفنها في جانب الصومعة، فإذا جاءوا يطلبونها تقول: ماتت فيقبلوا قولك لموضعك عندهم، وإلا أتوا فرأوها حبلى منك، فتفضح وربما قتلوك، فقبل منه وقتلها ودفنها، فلما جاء أهلها أخبرهم بموتها، وأنه دفنها فصدقوا قوله ومضوا.
فمضى الشيطان إلى إخوتها وأخبرهم بخبر العابد وفعله بأختهم وقتله لها، وقال: علامة ذلك دفنها في الموضع الفلاني من صومعته فجاءوا إلى العابد، ودخلوا الصومعة ونبشوا الموضع، فوجدوا ابنتهم فأخذوا العابد ليصلبوه فلما رقي به الخشبة ليصلب أتاه الشيطان فقال له: أعلمت أني فعلت بك هذا كله وأنا أقدر أن أخلصك مما أنت فيه؟ فقال: افعل، قال: بشرط أن تسجد لي سجدة واحدة، أخلصك فسجد له فكفر بها وصلب، فولى الشيطان عنه يقول: إني بريء منك. فاغتر أولًا بعبادته واغتر آخرًا بعدة عدوه، فهكذا العبادة بالجهل، يخيل لصاحبها الأمن، وكان سبب هلاك هذا العابد نظرة أصابه فيها سهم من الشيطان، فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بالعبادة، وقبول العام، ولا يأمن من فتنة النظر على مر الأيام.
ولعظم الأمر المترتب على النظر وما يقود إليه من فساد وربما الوقوع في فاحشة الزنا فقد حرمه الله سبحانه ورحمة بعباده لئلا يقعوا في تلك الجريمة الشنعاء تلك الجريمة التي خص الله حد فاعلها بخصائص قال ابن القيم ﵀: خص سبحانه حد الزنا من بين
[ ٢٣ ]
الحدود بثلاث خصائص:
أحدهما: القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.
الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم، فإنه سبحانه من رأفته ورحمته بهم شرع هذه العقوبة فهو أرحم بهم، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة فلا يمنعكم أنت ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره.
وهذا وإن كان عاما في سائر الحدود، ولكن ذكر في حد الزنا خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره، فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر، فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم، والواقع شاهد بذلك، فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله.
وسبب هذه الرحمة: أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأراذل، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق والقلوب مجبولة على رحمة العاشق، وكثير من الناس يعد مساعدته طاعة وقربة، وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليه.
وأيضا فإن هذا ذنب غالبا ما يقع مع التراضي من الجانبين، ولا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما تنفر النفوس منه،
[ ٢٤ ]